سياسة مختارات مقالات

حراك الماليين يهدد بتقويض أركان نظام كايتا

حراك الماليين يهدد بتقويض أركان نظام كايتا

بقلم: ا. هبة داودي – الجزائر

يعيش مالي على وقع أزمات متعددة، فهذا البلد المصنف ضمن الدول الأقل تقدما، واجه لسنوات وضعا أمنيا هشا، إضافة إلى وضع اقتصادي متدهور، انعكس سلبا على الحالة الاجتماعية للبلد الذي يبقى غنيا بثرواته، من يورانيوم وذهب ونفط وغاز.

وعاشت مالي فترات انزلاق أمني لاسيما في الشمال مع سيطرة جماعات مسلحة ما بين 2010 و 2011 بالخصوص، حينما خرج الشمال المالي عن سيطرة الحكومة المركزية مع ثورة الحركة الوطنية لتحرير الازواد وأنصار الدين، تلى بعد ذلك ما بين 2012 الى 2014 بالخصوص، تدخلا عسكريا فرنسيا واسعا، على خلفية عمليتي “سيرفال” ثم “برخان”، وتواجد عسكري افريقي لاحقا.

كما عرفت مالي عملية انقلاب عسكري في 2012، قادها النقيب امادو حيا سانوغو، تجلت في حل المؤسسات السياسية وتعليق العمل بالدستور، ورحيل امادو توماني توري، مع فرض حالة الطوارئ، وانتشار موجة عنف، كل هذه التطورات اثرت سلبا على التوازنات في البلاد، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، وظلت المعضلة الأمنية قائمة مع نشاط مجموعات مسلحة متعددة، بداية بنشاط تنظيم القاعدة وامارة الصحراء لداعش، وتنظيمات مرتبطة بالطوارق، إلى جانب بروز نشاط مجموعات اثنية متناحرة، فمالي بلد متعدد الاثنيات منها “البومباراس” و”البوبوس” و”البوزوس” و”الدوغون”، اضافة إلى “الخاسونكي” و”المالينكي”، فضلا عن “الطوارق” و”السونينكي” و”السينوفوس”.

ان عدم قدرة السلطة المركزية على السيطرة على الوضع، وبقائها رهينة الدعم الخارجي والتواجد العسكري الفرنسي بالخصوص، جعل مال تغرق منذ عام 2012، في أزمة عميقة ومتعددة الأوجه، أسقطت آلاف القتلى من المدنيين، كما أدت الى تشريد مئات الآلاف، ولم يحسن دعم المجتمع الدولي للدولة المالية، وتدخل قوات أممية إفريقية وفرنسية، في الامر شيئا، إذ تشهد مالي رغم التوقيع على اتفاق سلام في عام 2015 مع الطوارق، أعمال عنف وسط توترات مجتمعية، وتوسعت أعمال العنف لتمتد من شمال مالي، إلى وسطها، ثم إلى جاراتيها النيجر وبوركينافاسو.

وقد وسعت الجماعات المسلحة في مقدمتها كتيبة “ماسينا” بزعامة محمد كوفا، التابعة لتنظيم القاعدة، نفوذها، على خلفية الصراعات القديمة المتعلقة بالأراضي، وقامت الكتيبة بتجنيد أفراد من إتنية الفولاني، وشكلت اتنيتا البامبارا والدوغون “مجموعاتها للدفاع عن النفس”، الامر الذي أعطى بعدا آخر للصراعات وسط مالي.

كما أن محدودية التنازلات المقدمة من الرئيس المالي أبو بكر إبراهيم كيتا، أثرت على مجريات الاحداث، وحاول التقرب من نخب وقيادات وزعماء طوائف وسياسيين وممثلين من المجتمع المدني، الا أنه واجه حالة من الاستياء والرفض الشعبي، تمثل في المظاهرات التي دعت الى استقالته، في 5 جوان الجاري.

عدم الاستقرار السياسي رغم التعددية السياسية التي تم اقرارها منذ 1991، إلى جانب انهيار الاقتصاد العام، أدى بحراك الشعب المالي، الذي عرف منعرجا ما بين 19 و 21 جوان الجاري، مع خروج عشرات آلاف الماليين، للمطالبة باستقالة رئيس البلاد إبراهيم بوبكر كيتا، وقد أثارت هذه المسيرات، جدلا واسعا، ودفعت بعدة أطراف إلى التدخل، بما في ذلك أطراف خارجية إقليمية.

ويعتبر الماليون أن الرئيس المالي فشل في ادارة الازمات و خاصة الصحية و الأمنية ،و برز ضمن الحراك شخصية الامام محمود ديكو، الذي لعب دورا كبيرا في وصول إبراهيم بوبكر كيتا للسلطة عام 2013، من خلال تعبئة الفعاليات المسلمة للتصويت له، و شكل انضمامه للأصوات الداعية لتنحي الرئيس المالي نقطة مفصلية و هو في السنة الثانية من عهدته الثانية التي تمتد لخمس سنوات.

وينحدر محمود ديكو من مدينة تمبوكتو، وهو ابن أسرة متدينة ،و قد درس العلوم الفقهية في موريتانيا والمملكة العربية السعودية و كان عام 1981 إمام مسجد السلام، أحد أهم مساجد العاصمة باماكو، كما ترأس المجلس الإسلامي الأعلى من 2008 إلى 2019 و يحظى ديكو بشعبية واسعة و بقدرات خطابية و هو الذي قاد الحركة الاحتجاجية للأئمة والدعاة 2009 لإسقاط مدونة الأحوال الشخصية، حيث اعتبروها مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية
وقد ساءت علاقات ديكو بكيتا خلال الفترة الأخيرة من رئاسته المجلس الإسلامي الأعلى، وبلغ ذلك أوجه في فيفري 2019، حيث نظم تجمعا بالعاصمة باماكو، حضره عشرات الآلاف، واعتبره تجمعا لمساءلة الحكومة، و رغم التنازلات التي حاول الرئيس المالي إبراهيم بوبكر كيتا تقديمها لامتصاص غضب ديكو وأتباعه، إلا أن محاولاته باءت بالفشل.

كما لم تفلح خطوة الرئيس إقالة حكومة سومايلو بوباي مايغا، وتشكيل حكومة جديدة، بقيادة بوبو سيسي، في محاولة لإسكات غضب المنتفضين ضده، ونفس المسعى لقيته دعوة الحوار مع مختلف النخب والقوى، ووعوده بتشكيل حكومة جديدة تكون أكثر استجابة لمطالب الماليين،.. الأيام المقبلة وحدها ستكون كفيلة بالرد على الكثير من الأسئلة حول الشأن المالي، هذا الأخير الذي زاد الحراك وضعه تعقيدا وتأزما.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.