أسرة وطفل اجتماع تربية عالم المرأة

زمن الأمهات الوحيدات

بقلم/ د. آلاء السوسي

كثيرا ما يقال: “كما ربيناكم، عشان تعرفوا احنا أديش تعبنا لما ربيناكم” .. تتكرر هذه الكلمة للآباء الجدد وكأنها حقيقة، في الحقيقة هذا الكلام غير صحيح من زوايا مختلفة.

فإذا كانت الهجرة منذ السبعينات بدأت بالازدياد، فإنها في سنوات ما بعد الربيع العربي أصبحت ظاهرة واسعة بين شباب الربيع العربي الذين فروا من بؤس النتائج لإيجاد حياة جديدة، حتى أولئك الذين لم ينخرطوا ولم يهتموا بالربيع العربي بدؤوا بالبحث عن خيارات جديدة، أية خيارات متاحة من أجل البدء من الصفر، سوريون ومصريون وليبيون ومغاربة وفلسطينيون، شباب كثر لهم أمنية وحيدة: البدء من جديد. هؤلاء جميعا في غضون سنتين أو ثلاثة كانوا الآباء الوحيدين!

بغض النظر عن ظاهرة الهجرة، فإن أولئك الذين ظلوا في بلادهم لا يمكن ان يُعَدُّوا غير وحيدين هم أيضاً، لان “العائلة” لم تعد تحمل ذات سلطتها السابقة، ولا حتى طريقتها السابقة كممارسة اجتماعية، أصبح الآباء الجدد أكثر استقلالاً، وفي سبيل استقلالهم هذا، فإنهم يخسرون بعض المزايا للعائلة الكبيرة: مزية الدعم في تجربة الأبوة والأمومة مثلاً، ولكن هذه الخسارة تبدو أفضل من فقدان الاستقلال الذي يحدث فور العودة إلى سلطة العائلة، لذا فهم أيضا آباء وحيدون.

تتوقع أمهاتنا اللواتي مارسن -في معظمهن- الأمومة كفعل بدهي عليهن القيام به ببساطة وسهولة، أننا نفعل الشيء ذاته، ولكن هذا غير حقيقي، لدينا الآن خيارات عديدة والأمومة وتوقيتها اختيار قاس، لذا فإن الاحتمال الآخر كعدم الإنجاب يظل لائحاً خلال تجربة الأمومة ذاتها، وهذا ما يجعلها أكثر صعوبة؛ فالتعامل مع الأمومة كواجب بدهي، يختلف عن التعامل معها كخيار في توقيت معين.

ورغم أن قضايا وعي المرأة بذاتها وحريتها قد بدأت منذ جيل أمهاتنا مثلاً، إلا أن هذا الوعي غالباً لم يمس وجودهن كأمهات على مستوى الممارسة، وكانت المرأة العاملة أماً على الدوام بلا أية تناقضات، ولكن مع الكثير من المشقة البدنية، غير أن الواقع الآن يفرض الكثير من الأسئلة حول العمل والأطفال كثنائية؛ لأن هؤلاء الأمهات وحيدات، وبلا دعم عائلي.

كانت أمهاتنا تربي أبناءهن وسط أولاد عمومتهم وأخوالهم، وكانوا يستطيعون الانفصال عنهم بعض الوقت، وتحميل العائلة مسؤولية رعايتهم، كان الأطفال يتمكنون من اللعب مع اقرانهم في وسط موثوق، وكان بإمكان الأمهات أخذ إجازة قصيرة عبر ترك الأطفال عند جداتهم او خالاتهم أو عماتهم، او حتى تركهم للعب في مكان مفتوح ساعات طويلة، ينعمن خلالها بالراحة. لا تستطيع الأمهات الوحيدات فعل ذلك الآن.

كانت أمهاتنا يمارسن الامومة كفطرة، تكفي عاطفتهن المتوقدة ليشعرن بالرضا عن أنفسهن، وعن طريقة أدائهن لأمومتهن، لكن الآن في زمن الانفتاح المعلوماتي غدت مهمة الامومة أصعب، لأنها تتطلب الكثير من الوعي بها، وبطرق التربية، ولأن الأطفال الذين يكبرون لا يشبهون أقرانهم من جيل ما قبل التسعينات، إنهم هم أيضاً أكثر قدرة على الاستقلال والتعبير عن الذات، وأكثر وعيا بمعنى تفردهم الإنساني، ولا يمكن قمع ذلك أو تغييره، وفي حال محاولة القمع هذه، فإن النتائج ستكون كارثية.

لقد كان كافياً لأمهاتنا في السابق أن يقمن بأعمالهن المنزلية، إلى جانب العمل الذي يشكل مجرد مصدر دخل إضافي، لكنه الآن لم يعد كافياً، ليس كافياً أن تكوني أما فقط، وانعزال الأمهات السابق في سبيل التربية، وإن ظل مفهوما من قبل الأبناء حتى جيل التسعينات، فإنه لن يكون مفهوماً فيما بعد، على الأمهات الآن أن يفهمن الواقع تماماً، وأن يجادلنه، ليفهموا أبناءهم، ولينالوا ثقتهم فضلاً عن احترامهم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.