أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

العواصف

العواصف
لجبران خليل جبران

بقلم: نجوى الجزائري – الجزائر

بعد خمس عشرةَ سنة أعودُ للقاءهِ ، أستنشقُ عبق الورقِ و الحبرْ رغمَ حساستي المفرطة لكنْ سرعانَ ما ينقلبُ مفعولهاَ كعطرِ السحرِ صاعدٌ من دخانِ ذكرياتِ الطفولةَ الخجولة المتلهفة لإحتضان كتابْ… و كانَ قد ترك فيَّ ذاك الأثرْ … أتحسسُ بين سطورهِ وجعَ الغريبِ في المنفىَ و حكمةَ الخبيرِ بالنفسْ و وخزَ الطبيبِ بإبرِ اليقين و وصاياَ العارفِ بمسارحِ الحياة و الموت ، المعذبةِ روحه بالحبِ والأوجاع ….

هو لا يتخفى أو يختبئْ بل يطلُ شامخاً كإسقامة الألفْ فيحتويناَ في انحناءة يائهِ و يرمينا في أحيان في دائرة السكونْ بأبجديته المختلفةِ المطببة ….

هو ذا… جبران الثَائرْ … جبرانْ القديسْ … جبرانْ النبّيْ.

العواصف

ما هذه العواصف التي تقتلعُ اللبّ من موضعهِ و تُنازعُ النفسَ من صاحبها و تخلع الروح من الجسدْ ، عواصفُ جبران خليل جبران ترعد و تزبد كي تسقط أحيانا راذاذ هادئ كهدوء صاحبها و زمهارير تخيفُ كلَ ظالمْ جائر متلونْ و متكلف و جاهل لكنه الحياة.

تنوعت حكايا جبران بين القصة القصيرة و الخاطر الخفيفة و المقال العميق الجاد عبر عناوين و رمزيات تضرب في العمق و توخز النفس : حفار القبور ، العبودية ، يسوع المصلوب، الأمم و ذويها ، فلسفة المنطق …. كان أهمها قصة الشيطان و يسوع المصلوبْ .

“ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب، و ليس السكوت الذي يحدثه الملل كالسكوت الذي يوجده الألم” ، كذلك سال دم جبران على الصفحات البيضاء ضاق به السكوت و السكون و الركون و الخنوع للعادات البالية و المحاباة الواهية التي تغشي البصيرة ، حمل قلمه فأساً يقوم إعوجاج قومه يصرفهم إلى سبلِ الحق صارخاً فيهم : (إن الأممَ المسنةَ التي لا تكتسبُ مما تثمرهُ الأممُ الحديثةُ تموتُ أدبياً و تنقرضُ معنوياً).

– في أولِ ساعةٍ من الزمنْ وقفَ الإنسانُ أمامَ الشمس و بسط ذراعيهِ و صرخ للمرة الأولى قائلاً : (ما وراء الأفلاك إله عظيم يحب الخير ! ) ثم أدارَ ظهره للنور فرأى ظلهُ منبسطًا على أديمِ التراب فهتف قائلاً: (و في أعماق الأرضِ شيطانٌ رجيمْ يحب الشر !) ثم سار نحوَ كهفه هامسًا في نفسه (و أنا بينَ إلهين هائلينْ ،إلهٌ أنتمي إليه و إلهٌ أحاربهْ ! ) ، الشيطان الجحة المخيفة التي يتخذها بعض الكهان و حراس المعبد و يتوارى خلفها طمعهم الزائد و ورعهم الزائف ، الشيطان بعبع كبير هو فقط ظلال لممثلين بارعين اتخذوه بطلاً على مسرح الحياة.

– الإنسانية امرأة يلذُ لها البكاءُ و النحيبُ على أبطال الأجيالْ و لو كانت الإنسانية رجلاً لفرحتْ بمجدهم و عظمتهم …الإنسانية كطفلةْ تقفُ متأوهةً بجانبِ الطائرِ الذبيح و لكنهاَ تخشى الوقوفَ أمام العاصفة الهائلة التي تصهرُ بمسيرها الأغصانَ اليابسةَ و تجرفُ بعزمها الأقدارَ المنتنةْ ، جبران هذا الحالم بإنسانية عظمى و بخير وفير للمهموم و الفقير ، جبران الحساس الذي يموت كمداً على جوع صبي في المهد و أمٍ جففّ لبنها الفقر و الجهل ، جبران الناسك الذي يأسف على الغشاوة التي أعمت بصيرة الناس فطال بهم الظلام في أزقة الظلم و الخيانة …

– الحياة ما الحياة ؟ يقول جبران : (الحياة امرأة تستحمُ بدموعِ عشاقها و تتعطر بدماء قتلاها…الحياةُ امرأة ترتدي الأيامَ البيضاء المبطنة بالليالي السوداء …الحياة امرأة ترضى بالقلب البشري و تأباه حليلا …الحياة امرأة عاهرة و لكنها جميلة و من ير عهرها يكره جمالها …) ،طلق جبران الحياة فلم تنجح بإغواءه ، و لم تفلح في طيه بين سجلاتها المنسية ، جبران فهم الحياة ربما لذلك خافت الاقتراب منه أكثر لانه كشف زيفها و ألوانها البراقة الخاطفة للأبصار و دموعها المزيفة التي غرق فيها الكثيرون.

– الطرافة أن جبران في هذا الكتاب نقلَ لنا بعضَ الإنتقادات التي طالته من محيطه فكان الذي يتهمهُ بالإلحاد و الآخر بالجنونْ و هناك من قال بأنه يفسدُ عقل الناشئة !!. فيقول فيهم جبران (يطلب الشرقيون من الكاتب أن يكون كالنحلة التي تطوف…لتصنع أقراصًا من العسل، إن الشرقيين يحبون العسل ولا يستطيعون سواه مأكلًا! ) ، لذلك كان عسل جبران بالنسبة إليهم سما لا عسلاً ، فمن يميز الشهد المصفى من السم الزعاف قليلٌ من يميز ذلك و يرى السمَ سماً و العسل شفاء بدل أن يستلذ الدسم و يغرق فيه حتى ينقلب عليه سماً ، جبران مع ذلك لم يخن أحداً و لم يلبس ثوباً غير ثوبه ( لكن أليست الوقاحة بخشونتها أفضل من الخيانة بنعومتها؟ إن الوقاحة تُظهر نفسها بنفسها، أما الخيانة فتُرتدى بملابس فصلت لغيرها).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.