تقنية مختارات مقالات

كَون مارك زوكربيرغ اللامتناهي

كون مارك زوكربيرغ اللامتناهي

بقلم: كرايس الجيلالي

هذا الشخص يمكن له ان يجعل حياتكم مملة وبائسة ويطردكم في أي لحظة , هل يفعلها يوما هههه؟

هكذا تساءل احد الزملاء على صفحته في الفيس بوك، وهو يضع صورة السيد مارك، لبدي زميلي الاستاذ كريفور خليفة قلقه وتهكمه في نفس الوقت، من مدى عبثية العالم الذي نعيش فيه، ومشيرا بوضوح ان الكون الذي نعيش فيه واقعنا، قد اصبح فيه كون اخر نعيش فيه خيالنا ومتخيلتنا، وننقل الى كل ما يصادفنا في الكون الحقيقي، لنناقشه ونتجادل حوله في كوننا الافتراضي اللامتناهي، ربما الكون ملكية مشاع للجميع، لكن المشكلة عندما نبني حياة بكل تعقيداتها في كون اخر يمتلكه شخص ما، هو يعدنا ويكرر وعده لنا، بان يبقى عالمه مجانيا، واننا سنبقى مواطنين في عالمه، مهما حدث.

انه الفيس بوك، وما يوفره من عوالم افتراضية، غير متناهية، وتتمدد مثلما يتمدد الكون، حيث لا حدود لا جغرافيا ولا دولة، ولا جيوش، تستطيع منعنا من توسيع عالنا الجديد، ففي الثانية الواحدة نستطيع التواجد في خمس قرات، وان نتحدث الى ملايير الاشخاص، الحقيقيين والوهميين، نحن ايضا نوجه دعوة الى اصدقائنا من دول اخرى، ونستضيفهم ويستضيفوننا، بينما تبقى كل اجهزة الدولة الرقابية، عاجزة ومتسرمة في مكانها، وهي تقول يا للهول ما الذي يحدث؟

وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الالماني زيجمونت باومن:

“اننا عاجزون عن خفض السرعة التي يسير بها التغيير، ومواقع التواصل من بين هذه السرعات الخيالية، التي ضربت العالم شرقا وغربا”.

اليوم لدينا المكان الذي نعيش فيه، ولدينا اللا مكان الذي نريد ان نكون فيه، ونحن من يختار مجتمعه فيه، ويكون صداقاته، ويصنع حياة كاملة، وهو لا يستطيع مفارقة ذلك العالم الافتراضي، الذي اصبح مشدودا اليه اكثر من عالمه الواقعي، ففي الكون الماركي الجديد، يمكننا ان نعبر عن راينا، وان نتكتل هوياتيا، وثقافيا، يمكننا ان ننشر الدين وان نحاربه ايضا، يمكننا ان نتكتل كفقراء ومعدمين، ويمكننا ايضا ان ندافع عن خياراتنا الليبرالية، فالفيس بوك تحول الى مقهى كبير، قاعة اجتماعات، مدرج يعج بالطلة في الجامعة، سوق تجارية، تجمع انتخابي، ساحة للاحتجاج والتمرد والانتفاض، لقد صنع لنا عوالم لم نكن نحلم بها في الواقع، حيث وضع كل شرائح المجتمع الكوني اممنا، واتاح لنا كامل الخيار مع من نكون، ومتى نكون؟

حيث وجد بعضنا صديقا وشريكا لأول مرة حسب المعايير التي يبحث عنها، والمواصفات التي يريدها، ربما صديقه هذا في قارة اخرى، لكنه اقرب اليه من اسرته ومن مجتمعه، وهو يلتقي به بل يعيش معه اكثر مما يعيش في عالمه الحقيقي، لأنه وجد السعادة التي فقدها في الواقع، وتشكلت امامه في اللاواقع، اذ يقول باومن:

“هناك من لديه الشجاعة للبحث عن المكان السعيد في اللامكان”.

واذا عدنا الى تساءل صديقي حول امكانية ان يحولنا السيد مارك الى مجموعة من التعساء، بكبسة زر واحد، فهو تسال جوهري، وحقيقة ربما نداريها، فليوم الكثير منا لا يستطيع ان يتصور حياته خارج مواقع التواصل، كونه بنى شخصية واسس لعلاقة بينه وبين المريدين الجدد، الذين ينتظرون منشوراته، ويقرؤونها فيشعرون انهم بخير، رغم ان كل ما يحدث هو عمليات رقمية على الحاسب الالكتروني، لكنها تتم داخل عالم اصبحنا مشدودين اليه بطريقة، يمكن القول انها تحولت بموجبها الى ايدلوجيا، حيث اننا نتقبل اخبار واشاعات واكاذيب الفيس بوك ونتداولها، وننكر ربما الحقائق الواقعية التي تحدث اممنا، اذ يقول هاربرماس في هذا الصدد:

“العقل التقني ذاته ايدلوجيا وليس استخدام التقنية بحد ذاتها، فلأداتيه ذاتها سيطرت على طبيعة الانسان، فنحن منبهرون بالتكنلوجيا، وربما هذا ما اراده السيد مارك، لأهداف خطيرة ستتجلى حقيقتها بعد مزيد من الادمان والوصول الى مرحلة اللاعودة”.

ان عالم الفيس بوك او ذلك الكون الجديد الذي اسس له زوكربيرغ، هو عالم مطواع، حيث اننا نخضعه لرغباتنا وميولاتنا، ونستطيع فيه البحث عن من يشبهنا، ونميل اليه فكريا او دينيا، او جنسيا، وهو ايضا يجعلنا نشعر بفوارق زمنية كبيرة بيننا وبين الواقع الحقيقي، عن طريق سرعة المعلومة، وسرعة انتقالها، وسهولة الإشاعة والفضيحة، التي اصبحنا نستخدمها لمواساة انفسنا في مجتمع يعاني خواء روحيا، وانتشار المظالم الاقتصادية والاجتماعية، والاستبداد السياسي، وبذلك اصبح العالم الجديد، فضاء يشعرنا اننا منفلتون ومنعتقون من السلطة، وقادرون على مواجهتا، وانتقادها، بل انتقاد كل ما لا يعجبنا والترويج لكل ما يعجبنا ايضا، لكنها حقيقة فيها الكثير من الابهام، فمشكلة الفيس بوك انك ملزم بالنشر حول الاشياء التي تحبها من اجل اظهارها، والنشر حول الاشياء التي لا تحبها من اجل اخفائها، وهنا اصبحنا نمارس الداعية لكل شيء، وربما قضايا تافهة مكان لها ان تخرج من حدود الحي الذي وقعت فيه، تحولت بفضل الكون الجديد الى قضية عالمية يرفها كبار القادة السياسيين على قدم السواء مع الفقراء والمعدمين، وربما هذه هي الخاصية التي اشار اليها إدموين إمري: حين قال في اشارة الى مواقع التواصل، اننا نجعل الزمن والفضاء طوع ارادتنا بالاستخدام الحاسبات الالية وانظمة الارسال الفوري.

وهنا يمكن القول ان عالم زوكرباريغ الافتراضي او اللامتناهي: اعاد هندسة الكون الحقيقي والواقعي، وفرض متغيرات جديدة، واصبح يتحكم في الكثير من السياسيات الواقعية، والتحولات الاجتماعية، كونه خلق عالما موازيا للعالم الحقيقي، يعيش على صناعة المعلومة وعلى سرعة تداولها، وبذلك هو يفرض منطقه على الجميع، وهذا يجلنا حقا نتسأل ونخاف على مستقبلنا الواقعي والحقيقي، اذا قرر إمبراطور الكون الجديد، اصدار قرار ترحيل لكل تلك الشعوب والقبائل التي تقيم في إمبراطورتيه، نحو عالمها الحقيقي، الذي انفصلت عنه وانفصل عنها، كوننا اصبحنا مرتبطين بالعالم الجديد، عالم الرغبات والخيارات اللامتناهية، التي تصنعها الالة، وهنا نجد راي كريزويل يقول:

“نحن في عالم اصبحت فيه الحدود بين البشر والآلات غامضة تماما”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.