سياسة مختارات مقالات

ديمقراطية الشرق .. الحقيقة الغائبة

ديمقراطية الشرق .. الحقيقة الغائبة

بقلم: محمد زهير جنيد

تكتيكات إسقاط النظم بالكفاح السلمي والأعنف، تأثير تكنولوجيا الجيل الرابع _الفضائيات والهواتف المحمولة والانترنت على متغيرات العمليات السياسية في القرن الواحد والعشرون، المؤسسات السياسية للمجتمعات المتغيرة، مقولة تشظي القوة في القرن الواحد والعشرون، مقولة انتقال القوة الرأسي من الدول إلى الفاعلين واللاعبين غير الرسميين من الأفراد والجماعات والشبكات، الانتقال الجغرافي للقوة من الغرب إلى الشرق، الدول الصفرية في عالم مضطرب (صفرية من مفردة صفر أي معادلة ليس فيها رابحون ولا خاسرون ولا متعاونون تعج بالفوضى).

إن هذه المصطلحات والمقولات ليست “صناعة عربية” فهي مصممة ومدرجة منذ عقدين في وثائق “صندوق معدات المشروع الأمريكي” الذي تستعمله مؤسساتها الفكرية والسياسية وأجهزتها الأمنية في عمليات التحويل الديموقراطية، إن حجم تكرر بعض المفردات في وسائل الإعلام العربية، وعلى سبيل المثال مفردات كـ “الانتقال السياسي” و “التحول الديموقراطي” و “العدالة الانتقالية” و “الكفاح السلمي” قد وردت حرفياً في الوثائق والمشاريع الأمريكية قبل 2010م .

لكن حكومات وشعوب “الربيع العربي” تستهلكها يومياً من باب التقليد والمحاكاة للرغبات الأمريكية الناعمة دون الالتفات لمضامينها ومصادرها السياسي، فالسر وراء انقلاب وتبدل جدول أعمال العالم العربي من بند “مقاومة الكيان الصهيوني والاحتلال الأمريكي” ومسار “مفاوضات عملية السلام” الذي كانت تلتف حوله الحركات الإسلامية واليسارية والقومية العربية عام 2010 م إلى بند “الديمقراطية والإصلاح” وتحييد “الكيان الصهيوني عن المعركة” و “الفتنة السنية – الشيعية- و”استعداء إيران أولاً بدل إسرائيل” وتوجيه العالم الإسلامي بمواجهة روسيا والصين مقابل التودد والتحالف مع أمريكا والغرب، وتأجيج حدة الصراعات الداخلية بين التيارات الإسلامية والقومية واليسارية والمذهبية بعد عام 2011م مقابل المواجهة مع المشروعين الأمريكي والصهيوني قبل عام 2011م .

التحول والانقلاب لم يكن بفعل ديناميات عربية داخلية بحتة كما ظن البعض، بل نتاج عملية جيوستراتيجية أمريكية مخطط لها قبل عام 2010 م؛ لتغيير خارطة الشرق الأوسط والعالم، وهو ما أدركته العقول الاَسيوية الصاعدة الإيرانية والصينية والروسية، ووضعت حداً لها في الساحة السورية. الإدارة الامريكية ليست القضاء والقدر فلديها كتلة ضخمة من الأزمات والمشاكل الاقتصادية والمالية والاجتماعية والسياسية والدولية والعسكرية التي لا تنتهي واضطرارها لتسريع استراتيجية دمج الإسلاميين المعتدلين والليبراليين وتحولات الربيع العربي تراجع كبير عن استراتيجياتها السابقة.

ويمكن القول إن الربيع العربي عملية ترميم جيوستراتيجي للحد من تراكم الخسائر والتفرغ؛ لمواجهة إيران ومحورها والصين وروسيا ومحور البريكس وفق خطة التوجه نحو اَسيا والبيسفيك، وما تخطط له أمريكا لا ينجح 100% فقد حصلت خروقات وتراجعات كبيرة، ما كان لموجة الديمقراطية التي ارتفعت في المنطقة في السنوات الماضية أن تصل إلى غير طريق مسدود، فهو مسدود على الصعيد العالمي، بعد أن فتتت السياسة الأمريكية الإجماع الدولي الذي كان قائماً من حولها، بما في ذلك التحالف الغربي المتحكم بمصير المنطقة، ومسدود على المستوى الإقليمي بسبب انهيار آمال السلام بعد تجميد خارطة الطريق والعودة إلى الحل العسكري، وما يجره ذلك من إشعال نيران العنف وتفاقم مشاعر الإحباط والرغبة في الانتقام وتحقيق انتصارات وهمية، وتراجع التفكير العقلاني والإنساني في الخروج من الأزمة الإقليمية، ومسدود على المستوى المحلي بسبب نجاح النظم القائمة، التي خرجت منتصرة من معركة الضغوط الأجنبية، وأكثر ثقة بنفسها في تكوين نظم أمنية مستقلة كلياً بمواردها المادية والسياسية عن الشعب، وقائمة في فلك خاص بها، وفي قلعة معزولة تماماً عما حولها، وهي الأجهزة التي ساهمت الدول الكبرى، ومناخات الحروب الإقليمية المستمرة منذ عقود في تكوينها وتطويرها.

 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.