فكر مختارات مقالات

الحياة الفكرية في المشرق العربي

كتاب كل يوم جمعة (37)
تاريخ فكرنا (2/4)
الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890-1939

بقلم: د. وسام محمد – مصر

وفي هذا الأسبوع، نستمر في رحلتنا للتعرف على كيف تكون وتطور الفكر العربي عامة، والمصري خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهذا الأسبوع أعرض لكم أحد المراجع الهامة التي تتناول هذا الموضوع، وهو كتاب (الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890-1939)، وهو عبارة عن مجموعة الأبحاث التي نوقشت ضمن حلقة دراسية بعنوان (الحياة الفكرية في المشرق العربي 1890-1939: أبعاد غير مكتشفة)، جرت وقائعها في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1979، ونشرت مجموعة في كتاب للمرة الأولى باللغة الإنجليزية عام 1981 بعنوان Intellectual Life in the Arab East, 1890-1939، أشرف على تحريره في نسخته الإنجليزية ثم في الترجمة العربية د. مروان بحيري، وصدرت الترجمة العربية عام 1983 ضمن إصدارات مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وقد شارك في الكتاب ثلاثة عشرة باحثًا، سوف نقف عند بعضهم أثناء العرض لأهميته في مجاله، أو لتميز مشاركته.

الكتاب مقسم إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول بعنوان القاهرة، ويتناول النشاط الفكري في القاهرة خاصة عامة باعتبارها أكبر عواصم الشرق العربي في هذا الوقت، ويضم هذا القسم ثلاثة أبحاث، الأول بعنوان (الوطنية الاقتصادية في سياقها المصري 1919-1939)، قدمه المؤرخ البريطاني روجر أوين، الذي رحل عن عالمنا منذ نحو عامين، وأوين يعتبر عمدة في التاريخ الاقتصادي للشرق الأوسط، ومن أهم ما كتب Cotton and the Egyptian Economy؛ والبحث الذي يقدمه أوين يتتبع نشأة الاقتصاد المصري الحديث، كفكرة وكمؤسسة، في هذه الفترة، مع مقارنة هذه النشأة بمقابلاتها في بعض بلدان الشرق الأوسط، ثم تتطور الاقتصاد المصري على يد مشروع طلعت حرب ومن حذا حذوه، ثم محاولات تخليص الاقتصاد من التأثير الأجنبي من خلال بعض الحركات السياسية التي عملت لتمصير القطاعات الاقتصادية. البحث الثاني يستطلع فيه المؤرخ العراقي الراحل عباس كليدار تطور الصحافة في مصر من خلال دراسته لشخصية أحد روادها، والبحث عنوانه (الشيخ علي يوسف: صحفي مصري وقومي إسلامي)؛ وفيه يرصد أطوار الصحافة المصرية، ودور الأجانب في هذا الفن المستحدث في مصر، ثم محاولات المصريين لتحويل الصحافة إلى أداة وطنية من خلال عدة مشاريع أولها مشروع جريدة المؤيد التي أطلقها علي يوسف، ونجاح هذا الاتجاه الجديد حتى لقي صدى في المشرق العربي كله إذ وصل توزيع المؤيد إلى العراق واليمن وإسطنبول؛ ومن يتعرض الباحث إلى انحدار التجربة من خلال تخلي علي يوسف عن استقلاليته واستقلاليه مجلته وارتباطه بمشاريع سياسية. البحث الثالث قدمته أستاذة الأدب العربي اللبنانية وداد القاضي، بعنوان (الشرق والغرب في كتاب علم الدين لعلي مبارك)، وتتناول فيه عمل روائي؟ أو حكائي؟ غير معروف لعلي مبارك، من خلال مصري يكتشف أوروبا للمرة الأولى ويقارن بينها وبين وطنه.

القسم الثاني من الكتاب، وعنوانه بيروت، جبل لبنان، جبل عامل، ويتناول النشاط الاقتصادي في هذا المركز الفكري الكبير الذي تميز بتعدديات اثنية ودينية وطائفية، كما تميز بأنها ساحة لأنشطة الثقافية متباينة مثل الاستشراق والقومية العربية مثلًا. البحث الأول يقدمه المؤرخ الأمريكي الفلسطيني رشيد الخالدي وعنوانه (عبد الغني العريسي وجريدة المفيد: الصحافة والقومية العربية قبل سنة 1914)، وفيه يدرس على التوازي تطور الصحافة في الشرق العربي عامة والشام خاصة مع تطور الفكرة القومية، وذلك من خلال تناوله لشخصية عبد الغني العريسي أحد رواد الصحافية القومية اللبنانيين. البحث الثاني عنوانه (بولص نجيم ولبنان الكبير 1908-1919)، قدمه مروان البحيري، وفيه يعرض لتبلور فكرة لبنان الكبير بجهود بولص نجيم، والتأثيرات الخارجية والمحلية التي عملت على نشأة هذه الفكرة وعرضها على النحو الذي قام به نجيم. البحث الثالث وعنوانه (الشيخ عبد القادر القباني وجريدة ثمرات الفنون)، وفيه يرصد محرره المؤرخ اللبناني هشام نشابة الدور الذي لعبه الشيخ عبد القادر القباني سواء على الصعيد التربوي من خلال جمعية المقاصد الإسلامية أم على الصعيد الصحفي من خلال جريدته المسماة ثمرات الفنون، في تأكيد البعد الإسلامي في لبنان. البحث الرابع يقدمه المستشرق الألماني ستيفان ويلد وعنوانه (نجيب العازوري وكتابه يقظة الأمة العربية)، وفيه يناقش الباحث نشأة فكرة القومية العربية من خلال قراءته لكتاب العازوري المذكور، محاولًا فهمه من خلال ظروف كتابته. البحث الخامس، يقدمه الصحفي السويسري الخبير بشئون الشرق الأوسط أرنولد هوتينجر وعنوانه (أمين الريحاني: نظرة ذاتية لعربي عصري)، ويتناول فيه شخصية أمين الريحاني، من خلال أصالة الريحاني اللغوية والفكرية، وتمرده وكفره بالحالة العربية الحالية ومن ثم بحثه عما يحررها من جمودها. البحث السادس ويقدمه المؤرخ البريطاني الفلسطيني طريف الخالدي وعنوانه (أحمد عارف الزين ومجلة العرفان) ويستقرأ فيها من خلال النشاط الصحفي والأدبي لأحد رواد الصحافة اللبنانية، أحمد عارف الزين، تبلور الهوية الإسلامية الشيعية لجبل عامل، وتأثيرها على مجمل الهوية اللبنانية.

القسم الثالث خصص للنشاط الفكري في العواصم الشرقية الكبيرة، في دمشق وبغداد وصنعاء. والبحث الأول في هذا القسم بعنوان (الحياة الفكرية الدمشقية في مستهل القرن العشرين: محمد كرد علي ومجلة المقتبس) للباحث سمير صيقلي، وفيه يناقش تكون الهوية الأدبية والثقافية العربية في الشام، والمناخ الذي تكونت فيه هذه الهوية، مقارنة بالنشاط الثقافي والأدبي العربي في مصر. البحث الثاني عنوانه (قراءة أخرى في مفهوم ساطع الحصري عن القومية العربية) للباحث وليد قريبه، وفيه يركز على أفكار أحد رواد القومية العربية – المتطرفة في رأي الشخصي – ساطع الحصري، مسلطًا الضوء على أفكار الحصري ونشاطه السياسي. البحث الثالث عنوانه (الأفكار السياسية ليونس السبعاوي) للباحث خلدون الحصري، والذي يتناول فيه نشاط السياسي العراقي القومي غير المؤدلج يونس السبعاوي. البحث الثالث عشر والأخير، يقدمه المستشرق الأمريكي جيرالد اوبرماير وعنوانه (جريدة الإيمان والإمام يحي: العقيدة الدولة في اليمن 1900-1948)، وفيه يناقش كيف استخدم الإمام يحي في اليمن الصحافة لتشكيل الوعي الجمعي بما يتناسب عن تصوره لدولة عقائدية.

لا يمكن الزعم بأن الكتاب دراسة متكاملة لتيارات الفكر العربي، ولكنه يسلط الضوء على مناطق غير مألوفة ولا تقليدية في تاريخ تطور هذا الفكر، كما أن الكتاب يتحرر من النظرة القطرية الضيقة لتطور التاريخ الثقافي العربي، ويحاول معظم محررو الأبحاث رصد أصداء أعمال من يؤرخوا لهم في الأقطار العربية الأخرى، ولدى غيرهم من المثقفين في قطرهم وفي الأقطار العربية الأخرى.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.