دين مختارات مقالات

بواعث الإيمان

بواعث الإيمان

بقلم: أ. ماجد الصالح خليفات

هذا من الكتب الثقيلة على النفس، ثقيل بمصطلحاته الجديدة كليا عليّ. ثقيل بصياغته. ثقيل بالترجمة التي لا أستطيع أن أتخيل كيف يمكن لمترجم آخر أن يجعلها أبسط دون أن يتخلى عن الدلالات المهمة التي ذهب إليها تيليش . ثقيل بترتيب موضوعاته. وثقيل كذلك بصفحاته الأولى التي اعتدت أن تأتي في كتب الفلسفة عموما خفيفة الظل ممهّدة بمكر لمضمون الكتاب دون أن تفضح عن وعورة متنها.

هدف الكاتب من هذا الكاتب واضح جدا، فهو لاهوتي* أصيل يدمج بين الفلسفة وما يمكن تسميته أصول الدين. وهنا تحديدا يقصد الإيمان ومنشأه الذي عزاه إلى “الهم الأقصى” كما أطلق عليه، مقتبسا مصمونه عن العهد القديم الذي يعتبر أن غاية الإنسان القصوى هي الخلاص (الهم) الذي يتطلب إيمانا لا مشروطا (أقصى)، ولا معلّقا على نتيجة مرتبطة به. فقد ورد في سفر التثنية: (ستحب الرب إلهك بكل قلبك، وبكل نفسك، وبكل قوتك). وفي المحصّلة: الإيمان اللامشروط ستكون نتيجته خلاصا لا محدود. آمل أن أكون قد فهمته كما شرحه.

يتطرق الكاتب كذلك إلى أثر الثورة العلمية في القرون الأخيرة على فكرة الإيمان، وتشويشها في نفوس المؤمنين عموما. حيث صار على المؤمن أن يأتي لعقله ببيّنة (يعني دليل يخضع لأدوات المنطق التجريبية) تجعله يحافظ على إيمانه الذي نشأ عليه ويضمن ثباته وتماشيه مع عجلة العلم أو أدواته. وأشير إلى أن بواعث (ومفردها باعث) تعني دافع، أي الأسباب التي تدفع للإيمان؛ هذا حرفيا. وبالتوسّع، بالنظر لمضمونه نجد أنه الأسباب المجتمعة التي شكلت فكرة الإيمان في النفس الجمعي (الطائفة) وما ارتبط به من سلوكيات أخلاقية انبثقت عن الأوامر بفعل أمر أو النهي عن فعله.

نلحظ كذلك أن الكاتب فرّق بين مفهومي الاعتقاد والإيمان، وجعل الاعتقاد مرتبطا بسلطة تعطي البينة أو البرهان على ما يؤدي للاعتقاد: كأن تعتقد بأن النظرية العلمية الفلانية صحيحة وذلك لأن سلطة علمية -تثق بها- وتتبع لها بموضوعها أيدت ذلك. أو أن تعتقد بان أمرا غيبيا صحيحا لأن هناك دليلا ولو ضعيفا أكدته المؤسسة الدينية التي تتبع لها. ومن ذلك أعطى مثال بان الإيمان المفترض بالكتاب المقدّس ليس إلا اعتقادا لأنه نابع من ثقة بكتابه، وأقتبس: “وهذا التمييز مهم لكون اللاهوتيين السابقين قد حاولوا البرهنة على السلطة اللامشروطة لكتّاب الكتاب المقدس بإظهار أنهم يستحقون الثقة كشهود عيان. قد يصدّق المسيحي كتّاب الكتاب المقدس، ولكن ليس بصورة لا مشروطة. فهو لا يؤمن بهؤلاء الكتّاب. بل هو لا يؤمن حتى بالكتاب المقدس. لأن الإيمان أكثر من مجرد الثقة في السلطات الأكثر قداسة. بل هو المشاركة في موضوع همّ المرء الأقصى بكل وجوده. ولذلك يجب ألا تستعمل مفردة “الإيمان” فيما يتعلق بالمعرفة النظرية، سواء أكانت معرفة قائمة على أساس بيّنة مباشرة ما قبل علمية أو علمية (يعني سواء كانت شكا لم يخضع لأدوات المنطق والتجريب أو خضع لها) أو قائمة على أساس الثقة بالسلطات التي تعتمد بدورها على بيّنة مباشرة أو غير مباشرة”.

يقول سلافوي جيجيك: “لا تصبح بواعث الإيمان مقنعة في عيوننا إلا عندما نقرر أن نؤمن وليس العكس.” ومنه ما أعتقده الهدف الأسمى للكاتب بول تيليتش في كتابه بواعث الإيمان وهو تنزيه الإيمان تماما عن الصراعات والتجاذبات التاريخية الفكرية، بين من هم مع ومن هم ضد، أو حتى بين من هم مع ذات أنفسهم، بتحميل مفردة الإيمان استحقاقات لم تكن أبدا من متطلباتها. والله أعلم.

بالتأكيد هناك مواضيع عديدة متشعبة تطرق لها الكتاب فهمت بعضها وأعرضت عن أكثرها لقصور فهمي عن إدراكه وما أعلاه سوى لمحة سريعة.

المحصلة فإنني لا أنصح بقراءة الكتاب لمن هم غير مختصون أو معنيّون بهذا النوع والأسلوب على حد سواء من الكتب الفلسفية اللاهوتية، التي أعتقد بأنها متقدمة قليلا أو كثيرا، وتحتاج إلى قراءات مسبقة في كتب ومواضيع تمهّد لها. إلا أن الخلاصة الفكرية التي يخرج بها القارئ المتمعن لهذا الكتاب هي خلاصة عظيمة وتستحق العناء الذي ذهب عليها.

بقي أن أقول أمران:

الأول أنني حاولت بحذر بالغ أن أُسقط كثيرا من أفكار الكاتب على عناصر أو أركان الإيمان في الإسلام، لتقريب وفهم بعض المعاني التي رمى لها، لأن كثيرا منها كان يلزم معرفة لصيقة بالتشريع المسيحي وعناصره لفهم المنطق الفلسفي للكاتب.

الثاني: لزمني قراءة ثلاثة مجموعات قصصية جميلة جدا ومبدعة خلال قراءتي لهذا الكتاب حتى أتمكن من تقبّل جفاف معانيه باعتباري غير معتاد مسبقا على مثل هذه الكتب الفلسفية.

___________

• اللاهوت: البحث العقلاني في أسس العقائد، كمصطلحات الإيمان والغيب وطبيعة الإله. وأساس بحثه التطبيقي هو المسيحية.

• سلافوي جيجيك: من أشهر الفلاسفة المعاصرين وربما أغزرهم إنتاجا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.