مقالات

جعفر آل ياسين والريادة الفلسفية

سلسلة (مفكرون عراقيون) 2

جعفر آل ياسين والريادة الفلسفية

بقلم: ا.د. علي المهرج – العراق

جعفر آل ياسين (1932 _ 2008) ولد في مدينة الكاظمية، وتوفي في مدينة النجف الأكرم، أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، حصل على دكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة أكسفورد، واهتم بدارسة الفلسفة السينوية وتحقيق بعض رسائل الفارابي الفلسفية، وأهمها: التنبيه على سبيل السعادة، ورسالة تحصيل السعادة.

وقد حقق كتاب السماع الطبيعي من كتاب الفشاء لابن سينا، فضلاً عن اهتمامه بفلسفة مُلا صدرا.

من كُتبه المهمة: المنطق السنوي، دراسة للنظرية المنطقية عند ابن سينا، وكتابه الأهم: (فيلسوفان رائدان ـ الكندي والفارابي)، وكتاب (فيلسوف عالم ـ دراسة تحليلية لحياة ابن سينا وفكره الفلسفي، وكتاب (الفارابي في حدوده ورسومه)، وصدر له في عام 1955، كتابه (صدر الدين اليرازي، مجدد الفلسفة الإسلامية)، وله كتاب مهم في الفلسفة اليونانية بعنوان (فلاسفة يونانيون، من طاليس إلى سقراط)، صدر عن دار عويدات في بيروت عام 1975، وله كتاب (الفارابي في المراجع العربية، صدر بمناسبة مؤتمر الفارابي والحضارة الإسلامية الذي أقيم ببغداد عام 1977 وكتاب المدخل للفكر الفلسفي العربي عند العرب عام 1978 وكتاب (فلاسفة مسلمون) صدر عام 1987.

لم يتسن له التدريس طويلاً في الجامعات العراقية كثيراً، فقد أحيل على التقاعد بعد ضغط الأجهزة الأمنية (البعثية) في أوائل الثمانينيات، فأحيل إلى التقاعد وهاجر للتدريس في بلدان عربية، على رأسها ليبيا، فقد درّس في جامعة العين، و جامعة ليبيا، وجامعة مصراته، ليعود للعراق عام 2001،

أغتيلت احدى ابنتيه على يد مجموعات إرهابية بعد عام 2003، ومن قبل في الانتفاضة ضد نظام البعث رخسر

هو من جيل الكبار: مُحسن مهدي، وكامل مصطفى الشيبي، ومدني صالح، ونمير العاني، وحسام محيي الدين الآلوسي، وياسين خليل، وعرفان عبدالحميد، ولحق بهم عبدالأمير الأعسم، على ما بينهم من اختلاف، كل بحسب تخصصه وتوجهه المعرفي والأيديولوجي.

يُشارك جعفر آل ياسين مُجايليه، وفي مقدمتهم د.محسن مهدي في الاهتمام بفلسفة الفارابي، فقد حققة آل ياسين كما هو د.محسن مهدي العديد من كُتب ورسائل الفارابي الفلسفية، ويزيد عليه بتخصصه بفلسفة ابن سينا.

يهتم آل ياسين كثيراً بدراسة (المُنحنى الشخصي) للفيلسوف، لأنه يرى أن فكر الفيلسوف لا ينفصل عن تكوينه الاجتماعي والثقافي، لأن الفيلسوف ابن عصره.

يعتبر الكندي بمثابة “طفرة في تاريخ العلم، إن لم يكن رائداً للتدوين الفلسفي في عصره”.

ما يُميز الكندي ـ بحسب ما يرى آل ياسين في كتابه (فيلسوفان رائدان)ـ هو “الاعتراف” بفضل السابقين على اللاحقين، وإن خالفونا في المُعتقد.

مُنبهر بريادة الكندي الفلسفية، كاشفاً عن قيمته وقامته في اثبات قيمة القول الفلسفي بقوله: “إن هذا العلم (الفلسفة) إما أن يكون واجباً أو ليس بواجب: فإن كان الأول فهو سار في وجوبه على الجميع، وإن أُخذ بالثاني فوجب عقلاً تقديم العلة والبرهان على الخلاف، ففي العملية البرهانية تلك يُحقق الناكرون (للفلسفة) منهجيتها التي هي قُنَية علم الأشياء (أي معرفة حقيقة وأصل وجود الأشياء)، فيجب عليهم إذن اقتناءها والتمسك به”.

أشار لقيمة التعريفت ورسائل الحدود في كتابه هذا، وأظن أن د.عبدالأمير الأعسم تلقف هذه الإشارة، فذهب إلى تحقيق رسائل الحدود ونشرها تحت عنوان (المصطلح الفلسفي) كتابه الأشهر الذي عُرف به فضلاً عن كتابه (ابن الريوندي).

ما يُميز الكندي عند آل ياسين أن ينهل من أفكار اسابقين ويستفيد منها في تنظيم رؤاه، ولكنه ليس تابعاً لا لأرسطو ولا لأفلوطين، ولا يسير معهما (حذو النعل بالنعل) كما يُقال، فهو لا يؤم بقدم المادة التي قال بها أرسطو، لأن الله عنده “مؤيس الأيسات من ليس”، أي خالق الوجود من عدم (ليس)، ولكنه يؤمن بأن الله هو (المُحرك الذي لا يتحرك) بتعبير أرسطي.

ذات المنهجية يتبعها في قراءته لفلسفة الفارابي عبر ربطها بـ “المُنحنى الشخصي” وتأكيده غُربة الفيلسوف (الفارابي) منذ طفولته، فصرنا لا نعرف له توثيق انتماء حقيقي .

الفارابي هو “فيلسوف السلام والمحبة” والداعي إلى رجحان كفة العقل، فيلسوف زاهد يهيم بالموسيقى وأنغامها فكتب عنها وألفَ كتابه “الموسيقى”، وعمل ناطوراً في بُستان يعمل النهار في سُقيا الزرع والأزهار، ويقرأ على ضوء قنديل فلسفة أرسطو وافلاطون!!.

في ما يكتب الفارابي اعجاب وشغف في الفلسفة، ينهل من الفلاسفة السابقين، ليتسنى له ربط الفلسفة بالدين: “الشريعة والملَة والدين والسُنة أسماء مُترادفة…فالملَة الفاضلة شبيهة بالفلسفة، وكما أن الفلسفة منها نظرية وعملية…كذلك الملَة”، كما يقول الفارابي في كتابه (الملَة)، لأن الفلسفة فيها “تنبيه إلى سبيل السعادة” وفي السير وفق نهج الأسبقين من الفلاسفة “تحصيل السعادة”، فلا بُدَ أن تكون هي الوسيلة التي ننال بها السعادة، لأنها بمضومنها “الهدف الأصيل الذي يهدف إليه الإنسان”، لأن الفيلسوف لا يلتفت لملذات الدنيا وبُهرجها، مُحب للعلم وأهله، صادق ووفي، مُنصف (عادل)، أمين والأمانة سجية أو فطرة فيه، يؤدي الفرائض وتجنب الموبقات ويُحصن نفسه عن كل ما حرم الله، حسن الخُلق، حكيم يحترم الكبير (الخبير)، غير طامع ولا يُغريه جمع المال.

الفيلسوف هو الذي يستخدم عقله بمناح شتى، لأن العقل قوة لأدراك ماهيات الموجودات، وهو من له القدرة على إدراك المعاني العمة، كالوجود والجوهر والعرض والعلَية والمعلولية، والغاية، والوسيلة، والخير والشر والفضيلة والرذيلة والحق والباطل.

العقل قُدرة يمتلكها العُقلاء من البشر لتمييز العلاقات وارتباط بعضها ببعض، والعقل يُدرك الموجودات المادية وغير المادية أي أسباب وجود المادة.

يبحث آل ياسين في رؤية الفارابي لمفهوم النبوة، فيكشف لنا عن ربط الفارابي للقوة المُتخيلة بالإنسان بحسب فاعلية وجودها وضعفه، فقد توجد القوة المُتخيلة عند إنسان كقوة كاملة، لتكون (النبوات) “ذات درجات ومراتب تتباين بعضها مع البعض حسب حاجة المجتمع إلى هذا الإنسان المُمتاز. ولكن العامل المُشترك بين الطرفين هو مقياس الكمال الذي يجتمع في هذا الكائن العاقل من حيث كونه فيلسوفاً ونبياً ومُرسلاً، أو بالأحرى حين تتوحد فيه المُتخيلة النادرة وقُدرة العقل العملي”.

ورغم أن الفارابي في كتابه “الحروف” يفضل أسبقية الحكمة على الملَة، لكن آل ياسين يرى أنها “أسبقية وجودية فحسب، من حيث أن المُتخيلة قوة من قوى التعقل”، “لأن النبي يحمل دلالتين: النبوة والفلسفة معاً لأنه تمكن من اقتناص الحالتين: التصال بالعقل الفعَال، واستلام الرسالة بواسطة الله، فإذا قيس الأمر من هذه الزاوية كأن النبي أرقى مرتبة في المعرفة من الفيلسوف”، “ومن هنا يكون النبي جامع للسعادتين، بينما الفيلسوف مُفتقر إلى واحدة منها”.

لذا يربط الفارابي بين الفيلسوف والإمام والمُشرَع، فهي لا تختلف نوعاً ولكنها تتباين درجة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.