فكر مختارات مقالات

الفلسفة والأيديولوجيا

الفلسفة والأيديولوجيا

 بقلم: أ.د. علي المرهج

الفلسفة ليست حُلماً، إنما هي وعي نقدي ونشاط إنساني يحضر بحضور أصحابها واصرارهم على المُشاركة في تغيير الواقع لا الاكتفاء بتفسيره، ولا أستثني كل جهد فلسفي من مساحة التاثير والتغيير سواء أ كان هذا الجهد ذا نزوع (يوتوبي) مثالي، يأمل بوجود مُجتمع أفضل، أو نزوع واقعي يعمل أصاحبه على تغيير هذا الواقع عبر طرح الرؤى النظرية والعمل على اتساقها والمُمارسة العملية.

الأيديولوجيا حُلم نحتاجه للأمل والعمل على التغيير، ولكنه في الوقت ذاته، فعل اقصائي لكل (آخر) يقف ليُعيق تحقيق هذا الحُلم ولو اضطره دعاتها ومؤيدوها لاستخدام القوة من أجل تحقيق هذا الحُلم المنشود.

في الفلسفة رؤية ونظر عقلاني حتى في نزعاتها (اليوتوبية)، وهي دعوة للتفكر والتغيير عبر الحوار ومقبولية (الآخر) بوصفه مكمل للذات، فلا قوة للفلاسفة سوى قوة التأثير في العقول وتغيير مسارتها من الإنغلاق إلى الإنفتاح.

لا يصلح أمر أمة من دون وجود مُفكرين (فلاسفة كانوا أو مُصلحين) على اختلاف توجهاتهم (مثاليين كانوا أم واقعيين)، فكل أمة لا مُصلحين فيها ولا فلاسفة إنما هي أمة تنشد الفناء وترنو لعالم آخر لا حياة فيه إنما فيه حساب وقضاء.

الأيديولوجيا قبول بهذا القضاء، والفلسفة دعوة للتعقل وتمحيص فكرة البداية والفناء واشتغال معرفي وحجاج ومُساءلة لمُشكة القضاء والقدر.

تستعين الأيديولوجيا بالفلسفة وتستخدمها وتستعملها لتحقيق غاياتها، لتكون الفلسفة أداة بيد الأيديويولوجيين، بينما لا تحتاج الفلسفة للأيديولوجيا ولا تستعين بها ولا ترتكن إلى مواقها الدوغمائية (القطعية).

إذا كان هُناك بعض من القائلين بأن الفلسفة موقف والدفاع عن موقع، فهي كذلك، ولكنها موقف عقلاني لا حساب فيه ولا تعنيف ولا قصاص لمن لم يرّ فيه أنها كذلك، لأنها فكر حر (يتحرك من جميع الجهات إلى جميع الجهات)، بينما في الأيديولوجيا والتبني الأيديولوجي و “الدوغمائي” للفكر إنما فيه حساب وقصاص، ونزوع فرداني وقناعة بامتلاك الحقيقة عند أصحابها، فهي تتحرك من جهة واحدة بقصد إلغاء جميع الجهات وإلغاء الأبعاد، بل وفرض قناعة فكرية واحدة.

إن كل فلسفة تهيم بالوثوقية ويظن أصحابها أنهم أهل اليقين الذي لا مجمجة فيه إنما هي رديفة للأيديولوجيا في نُظمها المعرفية وقواعدها التطبيقية.

إن كل فلسفة يعتقد أصحابها بأنهم هم من يستحقون الاتباع في عالم المعرفة لأنهم الأعرف بتفسير علل الوجود ومعرفة كُنه العلة الأولى، إنما هُم لا يختلفون عن الأيديولجيين والدوغمائيين الذي لا يرون من الحقيقة سوى طرفاً منها فظنوا أنهم من يمتلكونها، بل وهم “الراسخون في العلم”.

تأكد أن كل فلسفة يدّعي أصحابها بأن رؤيتهم للوجود والعالم والحياة هي رؤية خلاصية ولا حلّ لمن لا يرغبون بها سوى وقوعهم في الوهم، فثق أنها ليست فلسفة إنما هي عقيدة يُسبغ عليها أصحابها بعض من رؤى عقلانية كي يخدعوا الآخرين فيوهموهم بأنهم قد تعقلوا ما كانوا قد اعتقدوا به أيديولوجياً، وتلك هي الخديعة في خلط ما هو دوغمائي بما هو فلسفي، فيتوهم البعض أن ما يقوله من مُنطلقات التسليم الإيماني ومحاولته الدفاع عنه بطرق عقلية إنما يقوله هذا فلسفة!.

في مجتمعاتنا تسري هذه الظاهرة وتسود، ألا وهي غلبة الأيديولوجي على الفلسفي من دون وعي منّا أن في تصدير هكذا خطاب تشكيل للوهم وتزييف للعقل.

لذلك ضعف دور الفلسفة وخفت صوت أصحابها النقديين، لأن مقولات الأيديولوجيا قد طوت تحت جناحيها نزوع الفلسفة النقدي لتكون الفلسفة رهينة زيف الأيديولوجيا وأحبولاتها وألاعيباها.

لذلك أجد دوماً أن في فلسفة نيتشة ما ينفعنا ليكون زاداً لنا للخلاص من سطوة الأيديولوجيا، لأنه لم يرهن يوماً رؤيته لليقين بقدر ما كان يسعى لتكييف فلسفته وفق مُتغيرات الواقع وراهنيته ورغبة (الإنسان الفائق) في التغيير.

أما الأمر في الأيديولوجيا فهو مختلف لأنها تنطلق من التسليم وتنتهي إليه وأصحابها إنما يطرحون أفكارهم على أنها أفكار خلاصية، فيها نعيش، ومنها نستقي حلولنا النهائية في فهم العالم والوجود.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.