فكر مختارات مقالات

امة الغفلة

امة الغفلة

بقلم: كرايس الجيلالي
باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

جاء في الآية 102 من سورة النساء: وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ۚ اي ان الكفار في المعارك والحروب، يتربصون بالمسلمين ويستغلون لحظة غفلة او سهو حتى ينقضوا عليه ويفتكون به، ولذلك امر الله سبحانه وتعلى ان تقوم طائفة بالحراسة في الوقت الذي تؤدي فيه الطائفة الاخرى الصلاة، وهذا اخذا بالأسباب وامتثالا لنواميس الكون، فالمؤمن الكيس الفطن لا يثق في عدون بل يحتاط له ويأخذ كل اسباب السلامة، لكن المشكلة اليوم ان الامة ليس غافلة في الحرب فقط، في اصلا قد تخلت عن الجهاد في سبيل الله، بل لم تعد حتى قادرة على الدفاع عن فسها وعن عرضها وارضها.

اليوم نحن امة غافلة، لكنها غفلة حضارية وفكرية والعلمية، اليوم نحن امة عالة على الامم، بل نتذيل الامم في كل شيء، لا فكر ولا علم ولا صناعة، نحن اليوم غافلون عن امتعتنا واسلحتنا وعن هويتها وعن دورنا الحضاري، ربما الآية حذرت من غفلة انية تكون في المعارك والحروب، وبينت مدى خطورتها وخطورة نتائجها وانعكاساتها، على المعركة وعلى نتائجها، وبينت كيف يمكن للغفلة حتى وان كانت للصلاة ان تجعل من جيش المسلمين لقمة سائغة لعدوهم، لكن اليوم نحن ايضا غافلون لكنها غفلة ربما اشارت اليها الآية في مدلولاتها بعيدة المدى، حيث ان الغفلة الحضارية والفكرية اخطر من غفلة النسيان او التهاون.

نحن اليوم غافلون عن الصناعة وعن انتاج ما نلبس وما ناكل وما نشرب، نحن غافلون عن صناعة اي شيء ونحن نعيش على ما يصدره الينا اعداؤنا، اعداؤنا الذين يتربصون بنا الدوائر، وهم لنا غير ناصحين، بل يتحينون فرصة الانقضاض علينا، وانقضاضهم الحضاري على المسلمين، يكمن في الاحتفاظ بالمسلمين امة ضعيفة و مهزوزة مخذولة، غير قادرة وغير قابلة للتطور ولا لمواكبة الحضارات التي نعيش معها ونعاين كل ما تعرفه من التطورات، لكنها الغفلة عن الدول الحضاري الذي من المفروض ان نقوم به، في عالم اصبح يبني كل رهاناته على العلم والمعرفة، واليقظة وعدم التراخي، لان اي تهاون او تكاسل سيكون ثمنه التبعية ونحن نعيشها في امر صورها.

نحن اليوم غافلون عن اسلحتنا، ليس عن طريق عدم التهب والاستعداد فقط، بل نحن لا نصنع اسلحتنا بأنفسنا، ونحن نشتريها من عدونا، من اجل الاستعداد لحربه، وهذا ما يعتبر قمة العبث، وقمة الفشل الحضاري، وقمة الغفلة التي حذرت منها الآية الكريمة، فل يمكن للعدو ان يكون مصدرا لأسلحتنا التي سنحاربه بها، لكن الاخطر اننا اصبحنا ننفق المليارات من الدولارات في شراء الاسلحة، لكنها اسلحة موجهة للداخل الاسلامي، وليس الى اعداء الامة، حيث اصبحت الامم الاخرى تحرش بين المسلمين، مثلما يحرش بين الكباش والديكة والكلاب، وها هي امة الاسلام تعيش حروبا طاحنة وتنفق اموالا طائلة من اجل ان يقتل بعضنا بعض، بينما نحن غافلون عن اعدائنا الحقيقيين، الذين يجب ان تكون اول خطوة في محاربتهم هي مقارعتهم علميا وتكنولوجيا وفك الارتباط بهم من حيث التزود بالمنتجات والاسلحة.

للأسف نحن نعيش اسوء غفلة حضارية وفكرية في تاريخ امتنا، ونحن بعيدون عن التفتيش في النص القرآني واستخراج تلك الاسرار والمكنونات التي توزن بماء العينين، وهي تقدم لنا خططا استشرافية وسيناريوهات لكل التطورات التي سيعرفها العلم، وتخبرنا عن دورنا، وعن اسباب قوتنا وعن اسباب ضعفنا، لكن للأسف ليس هناك مخبر علمي واحد في امة المليار ونصف مليار من المسلمين، ينطلق في دراساته الجيوسراتيجسة واللوجستية والاستباقية من النص القرآني، بل الكل يعمل على النظريات الغربية، ولذلك نحن في ذيل الامم وسنبقى في ذيل الامم، حتى نزيح الغفلة عن اعيننا وعن عقولنا ونلتفت لديننا نستلهم منه الدروس والعبر.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.