اجتماع مختارات مقالات

الاغتصاب، بين الطبيب والرجل العادي

الاغتصاب، بين الطبيب والرجل العادي

بقلم الدكتور: عبد الصمد الديالمي

ترجمة: ناصر السوسي

مراجعة الترجمة: عبد الصمد الديالمي

باعتباره ظاهرة اجتماعية، يتوجب تحليل الاغتصاب في علاقته بالمتغيرات السوسيو- ديموغرافية وبظواهر اجتماعية أخرى. وهو ما يقتضي تفسير الاجتماعي بالاجتماعي. فالاغتصاب يحيل إذن إلى عوامل اجتماعية وثقافية تجعله يندرج ضمن تخصص عالم الاجتماع والأنثروبولوجي، وهما العالمان المؤهلان أكاديميا لتشخيص المحددات الاجتماعية والثقافية للاغتصاب.

أيضا، الاغتصاب موضوع من تخصص عالم النفس. فهو المسؤول عن معالجة آثار الاغتصاب السلبية في نفسية المرأة المغتصبة. وهو المؤهل لفهم نفسية الرجل المغتصب، ذلك الرجل الذي قد تعرضه حالة العود إلى إخصاء كيميائي، وهو عمل من مهام طبيب الأمراض العقلية تنفيذا لحكم قضائي جنائي.

 والواقع أن أول مهني يتدخل في معالجة الاغتصاب هو الطبيب. فهو الذي من صلاحياته القيام بتشخيص وقوع الاغتصاب وتقديم العلاجات الأولية الضرورية. ومن التدابير الوقائية الأولى التي على الطبيب القيام بها، تشخيص احتمال الإصابة بفيروس السيدا والأمراض المنقولة جنسيا، واحتمال الحمل اللاإرادي وإيقافه بفضل الحبة المجهضة إن كانت المرأة المغتصبة لا ترغب في الاحتفاظ بحملها (إن كان القانون يسمح بذلك)، تجنبا لاحتمال إجهاض سري خطير ولولادة غير مرغوب فيها ولقتل مواليد جدد أو التخلي عنها.

لكن الطبيب، ولو كان متخصصا في طب النساء والتوليد أو حتى أستاذا في هذا التخصص، فليس مؤهلا علميا للقيام بتشخيص المحددات الاجتماعية والثقافية للاغتصاب. فإذا غامر في هذا الميدان فسيكون بفعله ذاك قد تجاوز مجال مؤهلاته الأكاديمية. إن اقتحامه لتلك المحددات يجعله يكف عن أن يكون طبيبا. فنلفيه إما يعيد تحليلات سوسيولوجية أو أنثروبولوجية دون إشارة إلى مراجعه، وإما يعيد تكرار آراء عادية للإنسان العادي.

آراء يسمها كره شديد للمرأة ويميزها استعلاء رجولي بشكل عام. ومن المحقق أن هذه الآراء هي آراء رجل الشارع الذي يتهم النساء بكونهن هن المسؤولات عن الاغتصاب الذي يتعرضن إليه. ومعلوم أن مثل هاته الآراء يوظفها رجل الشارع كآليات دفاع لتبرئة نفسه من مسؤولية الاغتصاب. والأسوأ، بالنسبة لرجل الشارع هذا، سجين شباك اللاشعور البطريركي، أن اغتصاب النساء هو اغتصاب تأديبي مقصده تخويف النساء والحد من رغبتهن في الحرية وإعادتهن إلى” الطريق الصحيح”، إي إلى الخضوع (الجنسي) للرجال، عبر الزواج تحديدا.

لنسجل على سبيل الختم أن الطبيب، عندما يتبنى الرأي الرجولي المتنصل التصحيحي التأديبي في وسائل الإعلام الجماهيرية، فإنه يوهم المشاهد العادي أنه ينصت إلى طبيب. والواقع أن المشاهد العادي لا ينصت إلا لرجل بطريركي عادي مثله. من هنا يتبين أن الرجل العادي الملفوف في زي الطبيب المرموق يشكل خطرا لأنه يضلل إعلاميا ولأنه يحول دون الوعي النَّسَوي والجنسي، ويناهض بالتالي المساواة والحرية. ورجل عاد كهذا، المتخفي في زي الطبيب، ينبغي إخصاؤه إعلاميا من أجل إيقاف الفيروس الإيديولوجي الذي ينشره وسط الجماهير.

إن مثل هذا ” الحجر الإعلامي ” إجراء وقائي من شأنه أن يساهم في الحد من جائحة “الأخبار الزائفة” البطريركية والكارهة للنساء.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.