سياسة مختارات مقالات

 بين السلطة والمقاومة “أم جبر نموذجًا”

بين السلطة والمقاومة “أم جبر نموذجًا”

د. وسام الفقعاوي

أصعب ما يكون على المرء هو أن يكون الشيء ونقيضه، أو أن يعيش انفصامه “بالمعنى النفسي” برضى وقبول ذاتي، رغم كل محاولات الإدعاء أو الظهور بعكس ذلك. فما جرى بالأمس في “مخيم” البريج ومع عائلة “وشاح” تحديدًا يطرح السؤال التالي: هل ما جرى تصرف سلطة قهرية أم مقاومة حقيقية؟ 

إن طرح هذا السؤال وبكل هذا الوضوح، كون ما جرى أمس لا يمكن عزله عما جرى بالأمس القريب ضد عائلة شعت في خان يونس، أو البحيصي في دير البلح، أو دغمش في غزة… وما جرى من قمع لأهلنا وحركاتهم المطلبية من حراك 15 آذار 2011 ضد الانقسام، إلى حراك بدنا نعيش في 2019 ضد سوء واقع الحال، مرورًا باعتقال الكتَّاب والمثقفين ومخالفي الرأي.. وليس انتهاء بكل أشكال القمع والتشويه وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات العامة والخاصة.. أي إننا أمام تصرف “سلطة” توظف أدوات قهرها وقمعها ضد جزء من شعبها، وكأن السلطة لا تستقيم إلا بالقهر والقمع والتهشيم والحرمان والتطاول، وهنا لا يعوزنا الدليل لتأكيد أن معالم الطريق ضاعت رغم أنها كانت ولا زالت واضحة. فاستخدام القوة وحدودها الذي جرى في حادثة البريج وما قبلها، لم يكن تعهيرًا لكل علاقة صحيحة وعقلانية بين السلطة والمقاومة، بل تعريصًا بالمقاومة نفسها وبندقيتها عبر تدمير المجتمع والسياسة والقيم.. فلا يمكن أن تكون المقاومة كما “سلطة الشعب” ضد الكرامة، فتهدر كرامات الناس ولا تصونها، وحينها يكون ابن التسعين في عُرفها، كما ابن العشرين.. ولا يمكن أن تكون المقاومة في تعاملها مع حاضنتها الشعبية، لا يرقى لتعامل “الراعي” مع قطيعه، فالشعب أدنى من قطيع في عرفها، فتهوي على جسده بالهراوة من دون أن ترمش لها جفن.. ولا يمكن للمقاومة أن تكون دون قلب وحب، فإذا ما عادت كذلك تزرع الكره والبغض.. ولا يمكن للمقاومة أن تكون بلا قيم اجتماعية عليا، لأنها حينها لن ترى المشكلة في نفسها، بل في شعب ضلّ طريقه بين مدينة “فاضلة” وأخرى “فاسدة”.. وهم “بالطبع” أهل الفضل والفضيلة التي يجب أن يخضع الشعب “لمدينتهم”.. 

إن كل الكليشيهات اللفظية والخطابات والتمايزات الجزئية هنا أو هناك، لا تخلو من خداع واعٍ لم يعد ينطلي على أحد، وهو أن السلطة القائمة هي سلطة القهر والقمع والتغول على الشعب وحقوقه وحرياته، أما المقاومة وأخلاقياتها وقيمها التي نعرفها، فليس منها بشيء.. وأقتبس هنا جزءًا مما كتبه رفيقي وصديقي “هشام عبدربه” على صفحته الشخصية لعل فيه ما يرد “لأم جبر” بعضًا من حقها: “لا أدري أي اعتذار يكفي منا لتسامحينا، نحن أبناء العجز والخطيئة الهاربين من يديك الحانيتين، الملعونين بحب وطن لم يبقَ فيه أي وطن. لا تسامحينا ابصقي على ذكرانا، ولملمي ذكرياتك وانثريها بالأزقة وعلى الغيم، قد يأتي من يستحق قطرة ماء لمست يديك الحانيتين”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.