دين فكر مختارات مقالات

حرب الردة في زمن ما بعد العصابة

حرب الردة في زمن ما بعد العصابة

بقلم: كرايس الجيلالي
باحث دكتوراه في علم الاجتماع السياسي – جامعة وهران 2

لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، ظن المرجفون والمنافقون، ان المشروع قد انتهى، وان الاسلام قد ولى، وظنوا ان ليس بين من ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، من صحابة اجلاء، من بمقدوره ملأ الفراغ، او المحافظة على ارث النبوة، وقد اخبرنا الله سبحانه وتعلى عنهم، في قوله سبحانه وتعالى، فيس سورة التوبة الآية 98 : وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98).

وبالفعل ما ان مات النبي صلى الله عليه وسلم، حتى انقلبوا على اعقابهم، وارتدو عن دينهم، واعلنوا الحرب على الاسلام والمسلمين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم، ترك من بعده نخبة قال الله فيها مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ فكانوا لهم بالمرصاد، وانتصرت الدولة العريقة، على الدولة العميقة.

اليوم نحن في الجزائر نعيش الردة الثانية، فبعد ان ارتد الحراك على عقبيه، وسلم امره للخونة والعملاء واصحاب المشاريع الخارجية، وخسر مصداقيته، واصبح يهدف الى اسقاط الدولة وتقسيمها، بدل الحفاظ عليها وتدعيمها، واصبح العوبة في يد شرذمة من المنحلين اخلاقيا، والمفلسين سياسيا، والمنبطحين من حيث المواقف والمبادئ، واصبحت مطالبه في كل مرة تصبح اكثر اغترابا عن واقع المجتمع الجزائري، فببساطة الحراك اصبح يفكر في اسابيعه الاخيرة، بعقول خارجية، وينفذ بأجساد داخلية، اجساد قال عنه الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (4) وبعد ان كان الحراك سيد الموقف، اصبح خادم الاجندات الخارجية.

اما الردة الثانية والتي نعيشها اليوم للأسف، هي ردة الدولة العميقة، وخروج ضباعها وغربانها، حدائاته، وثعابينها، وحربائاته، وكل حيوانتها القمامة، من جحورها، وانخراطها في تنفيذ مشروع الردة الكبير، وهو العوة الى ما بقل الحراك، وبالضبط الى العهد البوتفليقي، بكل تفاصيله، نعم الدولة العميقة، التي كتمت الكفر واظهرت الايمان، طيلة الحراك وما بعده، ها هي اليوم تجهر عن طريق ممارساتها ودسائسها ضد الدولة العريقة، التي بدأت ملامحها في الظهور.

لكن هناك جمعات مصالح، وجماعات ضاغطة، وتركة من الاداريين والمنتخبين المحسوبين على العهد البائد، قد بدؤو ينفثون سمومهم ويفسدون كل مشروع اصلاحي، ويشوشون على قرارات الدولة، ويطبعونها بطابعهم الخبيث، نعم هي مواجهة لا بد منها بين من ارتدوا عن التغيير وعن الحراك، وبين من لا يزالون على العهد باقين، لكن عليهم الاتحاد والتعاون، وتفويت الفرصة على الخونة والمندسين.

الدولة العريقة تبنى لبنة، لبنة، وتطبخ على نار هادئة، وعلى المؤمنين بها ان يعلموا، ان النظام السابق يمتلك جهازا اداريا، وماليا، واقتصاديا، ضاربا في كل انحاء الوطن، شعاره الفساد والافساد، ولذلك لا يمكن بين ليلة وضحها، ان نربح معركة التغيير، وان تقوم دولة الحق والقانون والمؤسسات، وان نتخلص من ارث المرحلة السابقة، الامر يحتاج الى صبر والى حكمة، والى تيقظ من طرف الجميع، والتفاف حول الشرفاء داخل اجهزة الدولة، ومساعدتهم على التخلص من الطفيليات والحشرات، التي لا تزال تسكن بعض الجحور والشقوق، وهي تتربص بنا الدوائر، لتخرج فتفعل فعلتها ثم تعود الى بيئتها الرطبة العفنة القذرة، فلذلك نحن مطالبون جميعا، بحماية المكابس والحفاظ عليها، والعمل على الاستثمار فيها، وفي نفس الوقت رسم اهداف جديدة، وتفكيك القنابل القديمة، دون ان تنفجر وينفجر الوضع، ونحن ايضا بحاجة الى حرب ردة على بقايا العصابة في كل مكان، والتضييق عليهم وفضحهم، وعدم السكوت على ممارساتهم الخبيثة والخطيرة، اليوم نحن نعيش معركة حرب الردة بين الدولة العريقة التي هي في مرحلة التأسيس، وبين الدولة العميقة التي هي في مرحلة الشيخوخة والهرم والانهيار، رغم كل المساحيق التي تضعها على وجهها البائس، فقط على المواطنين والشرفاء، ان يفوتوا الفرصة عليها.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.