تاريخ مختارات مقالات

حرب يونيو 67: مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية – ج2

حرب يونيو 67: مؤامرة خارجية وأخطاء داخلية (ج2)
الحلقة 2 من المؤامرة الخارجية

بقلم: الكاتب المصري الكبير/ مجدى منصور

بدايات التدخل الأمريكي

هذا هو الجزء الثاني من سلسلة مقالاتي عن نكسة يونيو 67 ، وهو يتناول بدايات دور الولايات المتحدة الأمريكية في المؤامرة ، وسينتهى الحديث فيها عند مرحلة الرئيس كنيدي ، لأبدأ في الجزء الثالث الحديث عن بقية فصول المؤامرة مع الرئيس (الكاوبوى) ليندون جونسون.

ولكن قبل الدخول لعمق الموضوع لي ملاحظة أود ابدائها وهى: أن النظر على ما مضى من أحداث ليس وقتاً فائضاً لنبدده ونضيعه ، بل هو وقتاً بمعيار المسئولية غالٍ ، وليس عملاً هائماً على وجهه كالمجذوب الذى اختل عقله وتاه في الشوارع المزدحمة ، بل هي قراءةً عاقلةً متأنيةً واعيةً واقفةً على قدميها ، وليست مركباً بلا شراع يحركها الريح في أي اتجاه شاء ، بل هي سفينة لها محرك ولها رُبان يمتلك بوصلة وخارطة للطريق.

وأخيراً فإن مراجع المقال ستُذكر في نهاية المقال.

(1)

«لا ينبغي السماح لناصر بأن يتصور أن بوسعه أن يقول لنا (لا) ، وإذا قالها فإننا سوف نتصرف بما يجعله يقول (نعم)» جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأسبق

يمكن القول أن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية بالنظام الثوري المصري شهد محطات عدة وأساليب في التعامل مختلفة. ففي بداية عهد الرئيس آيزنهاور ومع قيام ثورة يوليو1952 حاولت إدارة آيزنهاور احتواء الضباط الثوار وجعلهم العوبة في يدها وفشلت في ذلك فشلاً ذريعاً ، وعندما نظرت أمريكا على المنطقة وجدت أن إسرائيل استطاعت أن تفرض حربها (1948) ولكنها عجزت عن فرض سلامها.

وحاولت بعدها الادارة لعب دور في صُنع صُلح بين العرب عامةً ومصر خاصةً (بحكم أنها أكبر الدول العربية) وبين إسرائيل.

ولعل إدارة آيزنهاور هي من وضعت الأساس الاستراتيجي للسياسة التفاوضية والتعامل مع عبد الناصر ومشى عليها كل من خلفوا الجنرال آيزنهاور سواء كنيدي أو جونسون.

الأول: أنه لا يجب السماح لأياً من كان من العرب أن يظُن أو يتوهم أن بمقدوره أن يقول للولايات المتحدة كلمة (لا) ، وإذا حدث وقالها فيجب أن يعلم أن العم سام لديه من وسائل الضغط (وتلك الوسائل تبدأ من الكلمة الناعمة حتى الرصاصة القاتلة) ما يجعله يعيد النظر ليقول في النهاية (نعم)!

 وهو ما صاغه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون فوستر دالاس في توجيهه للمفاوضين الأمريكان الذين كانوا يتفاوضون مع مصر الناصرية في عهد الزعيم القومي العربي (جمال عبد الناصر) قائلاً لهم:

«لا ينبغي السماح لناصر بأن يتصور أن بوسعه أن يقول لنا (لا) ، وإذا قالها فإننا سوف نتصرف بما يجعله يقول (نعم)».

دوايت ديفيد أيزنهاور (ولد 14 أكتوبر 1890 – توفي 28 مارس 1969)، هو سياسي وجنرال أمريكي شغل منصب الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة من عام 1953 حتى 1961. كان قائدا عاماً في جيش الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، وقائدا أعلى لقوات الحلفاء في أوروبا.

وكان ذلك رداً على ما قاله عبد الناصر للسفير الأمريكي وقتها:

«أننا لا نريد أن نبنى المصانع والمستشفيات والمدارس لكى نسلمها لإسرائيل ويتحول الشعب المصري بدوره إلى شعب من اللاجئين ». 

الثاني: أن الجانب الأمريكي لا يستطيع عملياً الضغط على الجانب الإسرائيلي لأسباب متعددة ، فيكون الحل من وجهة نظرهم هو أن الأسهل هو الضغط على الجانب العربي.

وهو ما يُظهره توجيه لوزير الخارجية لمبعوثه روبرت أندرسون بالقول: 

« لا بد أن تجئ بناصر إلى موقف تقبله إسرائيل».   

ومن يومها وهدف السياسة الأمريكية أن يأتوا بناصر لموقف تقبله إسرائيل ، ولكنهم جميعاً (جمهوريين وديموقراطيين) فشلوا في ذلك سواء عن طريق اللين أو الشدة ، بطريق العصا أو الجزرة.

ولعل رأى إدارة آيزنهاور في عبد الناصر وسياسته هو ما عبر عنه جون فوستر دالاس بعد انتهاء عدوان السويس1956 حينما قال لوزير الخارجية البريطاني: «إن سياسية عبد الناصر كفيلة بأن تهزم نفسها بنفسها ، فهو وطني طائش مفتوح العينيين بجرأة وحشية ، وأنا (أكرهه) ، ولكننا لسنا بحاجة إلى دحره بهذه الطريقة (يقصد الغزو المسلح كما حدث في السويس) ، ومن الأفضل أن يتصدى له جيرانه».

ويُضيف دالاس: «إن أمريكا تريد أن (تكسر) عبد الناصر تماماً كما تريد ذلك بريطانيا وفرنسا، ولو استمر الضغط الاقتصادي والسياسي لمدة سنة لأودى به. لكن البريطانيين والفرنسيين كانوا حريصين على الخلاص منه تماماً قبل الكريسماس».

وبعد السويس وفى منتصف عهد الرئيس الأمريكي آيزنهاور خرج تقرير مخابراتي على مستوى الأمن القومي تحت عنوان:

«احتمالات الاستقرار في مصر وتأثيراتها على السياسة الخارجية»

ورد في البند الأول منه حرفياً:

من الواضح أن نظام ناصر سوف يبقى مسيطراً على الأمور في مصر لسنوات قادمة إلا إذا حدث أحد أمرين:

* اغتيال عبد الناصر.

* هزيمة ساحقة أما إسرائيل.

وظل هذا التقدير هو المرجع في التعامل مع مصر الناصرية منذ آيزنهاور حتى جونسون.

(2)

«وقد أنذرنا ناصر مرة بعد مرة بأن لا يدوس على أصابع أقدامنا». جزء من تقرير مرفوع للرئيس كنيدي

وفى عهد (كنيدي) كانت سياسة إدارته تجاه مصر الناصرية مزيجاً من مرحلتي (الغواية) و (الاحتواء) ، ويمكن وصفها ببداية مرحلة (الحصار).

خصوصاً أن تلك الفترة شهدت أحداثاً دراماتيكية مثل انهيار الوحدة المصرية السورية ، وعملية خليج الخنازير ، والأهم ثورة اليمن والتدخل المصري لمساندتها وما نتج عنه من حدوث حرب عربية عربية بين النظام الثوري التقدمي في القاهرة وبين النظام الملكي الرجعى الموجود في الرياض.

ويمكن فهم سياسة كنيدي في موضوع حرب اليمن من خلال مذكرة كتبها روبرت كومر (مستشار الأمن القومي وقتها) رداً على مقال كتبه الصحفي الشهير في جريدة النيويورك تايمز في ذلك الوقت (جوزيف ألسوب) وكان معروفا أن أهم مصادره في ذلك الوقت هم كبار المسؤولين في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والبنتاجون ، وكتب ألسوب في هذه الفترة مقالاً أثار ضجة جاء فيه: «ناصر يستعد لغزو المملكة العربية السعودية ، وأن النشاط الذى يقوم به سلاح الطيران المصري على مناطق الحدود سواء بالاستطلاع أو بغيره من الوسائل هو نوع من عمليات التمهيد العملي أو النفسي للغزو».

و قرأ كنيدي المقال ووضع على رأسها علامة استفهام ، وبعث بها إلى  روبرت كومر ، الذى رد على رئيسه بالتقرير الآتي:

مذكرة إلى الرئيس

« إن هناك من الدخان أكثر مما هناك من النار في الكلام الذى كتبه جو ألسوب من أن ناصر سيغزو المملكة العربية السعودية ، وما قاله أيضاً من أن البنتاجون يتلهف على استخدام الأسطول السادس (الأسطول الأمريكي في البحر الأبيض) لردع ناصر ولكن السُذج في وزارة الخارجية يعارضون ذلك.

لقد قمنا بالفعل بالكثير في سبيل (ردع) الجمهورية العربية المتحدة عن التصعيد. وجعلنا المدمرات الأمريكية تزور ميناءً سعودياً وقاذفات القنابل تطير إلى هناك ، والأن يوجد في السعودية فريق لقوة خاصة.

وقد أنذرنا ناصر مرة بعد مرة بأن لا يدوس على أصابع أقدامنا. أما فيما يتعلق بلهفة البنتاجون على استعمال السطول السادس ضد ناصر …(عبارة محذوفة) ويستدل من مراجعة سريعة قمت بها (أي كومر) أنه ليس في البنتاجون حتى هذه اللحظة صقور حرب يمكن تحديدهم بالاسم.

صحيح أن ناصر ربما حاول برغم ذلك الضغط على السعوديين ضغطاً أشد..(عبارة محذوفة) وقد قدرنا باستمرار ، وتقديرنا صحيح حتى الأن أن ناصر سوف يقوم بالتصعيد عوضاً عن الخروج من اليمن.

وها هو قد استأنف القصف فعلاً ، واكتشفنا  أن مظلات الجمهورية العربية المتحدة أسقطت مؤناً على من يفترض أنهم مشايعون لهم في الحجاز ويعتقد بعض ..(عبارة محذوفة) بان الجمهورية المتحدة قد تحاول إحداث ثورة في الحجاز أو الإغارة على مستودع سعودي للمؤن.

ونحن ننذر ناصر مرة أخرى …(عبارة محذوفة). ولأن كل جهدنا الحالي مؤلماً وغير مؤكد ، وهو كذلك فعلاً ، فلست أرى بديلاً عملياً في الوقت الحالي ..(عبارة محذوفة) ».

إمضاء

ر.و.كومر

يمكن القول أنه رغم بُعد الهوة وبرغم تصادم المصالح بين مصر وأمريكا كان كل من عبد الناصر وكنيدي يجرب نفس الأسلوب: يستعمل امكانياته إلى مداها ، ويفرق بين التكتيك والاستراتيجية ، ويحاول قدر ما يستطيع أن يحتفظ بحريته في الحركة داخل إطار معين لا يتجاوزه بحيث «لا يدوس على أطراف أصابع الطرف الأخر» على حد التعبير الذى استعمله كومر في مذكرته لكنيدي.

ومنذ منتصف فترة رئاسة كنيدي وإسرائيل تُلح على كافة الأجهزة الرسمية والخفية في الولايات المتحدة الأمريكية على فكرة «أنه لو قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم كافة الوسائل العسكرية وحمت ظهر إسرائيل سياسياً ودعمتها اقتصادياً فإنها قادرة على الخلاص من المشكلة الكبرى لها ولأمريكا المسماة (جمال عبد الناصر)».

وكانت الأجهزة الأمريكية تُذكِر القيادة الأمريكية بالتقرير الأمني الشهير بأن نظام ناصر سوف يبقى مُسيطراً على الأمور في مصر لسنوات قادمة إلا إذا حدث أحد أمرين:

* اغتيال عبد الناصر (وقد تم تجريبه من قبل كثيراً من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل وفشل)

* هزيمة ساحقة أما إسرائيل (وكان هذا الخيار مستبعداً في عهد كنيدي ، ولكنه بعد كنيدي أصبح على وشك أن يُستخرج من الملفات و أن يوضع على مائدة البحث و التفكير والتخطيط و التنفيذ فيما بعد).

وعنما اغتيل (كنيدي) وخلفه نائبه (جونسون) ، ثم انتُخِب بعدها كرئيس كانت مرحلة الحصار في أوجها لأن أسباب الخلاف بين القاهرة وواشنطن زادت وتراكمت وتعددت كل ما هو مسموح به أمريكياً. وذلك ما سنتحدث عنه بالتفصيل في الجزء القادم.

المراجع:

المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل – محمد حسنين هيكل.

سنوات الغليان – محمد حسنين هيكل.

تقرأون في المقال القادم: اعتراضات أمريكية وردود إسرائيلية؟!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.