سياسة مختارات مقالات

وجهة نظر في قانون قيصر

سياسات العصا الغليظة الأمريكية تتواصل من خلال  ” قانون قيصر ”  على سوريا

بقلم: هبة داودي – الجزائر

عادت السياسة الامريكية الى انتهاج سياسات العصا الغليظة والعقوبات ، التي دأبت إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب بالخصوص ، على اللجوء إليها ، لتمس هذه المرة سوريا ، عبر  ” قانون قيصر ”  الذي تعود إرهاصاته في الواقع ، الى ادارة سلفه الديمقراطي باراك اوباما ، وبعد أن دخل القانون حيز التنفيذ ، اعتبرت واشنطن أن العقوبات ستساعد في محاسبة الرئيس السوري بشار الأسد وأنصاره على ما اعتبر  ” جرائم حرب ”  ، أما دمشق فتؤكد أن العقوبات مؤشرا على تصعيد للحرب الاقتصادية على مواطنيها ، في وقت اعتبر فيه متابعون للشأن السوري بأن القانون لا يستهدف النظام السوري فحسب ، بل يراد منه إحداث امتدادات تخص حلفاء دمشق ، لاسيما موسكو وطهران .

وينص القانون الذي اعتمدته الإدارة الأمريكية الجمهورية ، ودخل حيز التنفيذ رسميا في 17  جوان ، على فرض عقوبات على الحكومة السورية ، وعلى الدول التي تدعمها ، لاسيما إيران وروسيا لمدة 10 سنوات ، في مجالات الطاقة والهندسة والأعمال والنقل الجوي ، ويشكل القانون بالتالي عاملا رادعا لكل طرف يسعى الى التعامل مع سوريا ، وهو في ذلك يماثل العقوبات التي اعتمدتها نفس الادارة ضد ايران أيضا ، في تحول جديد لما يمكن أن يوصف بإستراتيجية احتواء مزدوج ، يضم دمشق وطهران ، بعد أن كانت الاستراتيجية الامريكية السابقة معروفة بالاحتواء المزدوج ، وخصت ايران والعراق .

ويمكن للرئيس الأمريكي بموجب  ” قانون قيصر ”  فرض عقوبات جديدة على أي شخص أو جهة تتعامل مع السلطة السورية أو توفر لها التمويل ، بما في ذلك أجهزة الاستخبارات وكذا الشركات والبنك المركز ،  كوسيلة لخنق النظام واضعافه ، وبالتالي العمل على دفعه لتقديم تنازلات أو الوصول الى حد اسقاطه .

ويأتي القانون الامريكي الجديد ، في وقت تغيرت المعادلة على الارض السورية ، وبروز توازنات جديدة تميل إلى صالح النظام السوري القائم ، بفضل شبكة التحالفات القائمة ، لاسيما مع الدعم الروسي والايراني ، ومع ذلك فإن واشنطن تلعب ورقة جديدة ، في وقت اعادت تموقعها في مماطق الشمال السوري ، وأصرت على الاحتفاظ على بعض من مواقعها ، لاسيما تلك المحاذية لحقول الشمال السوري .

ومن المعلوم أن المشهد يتسم بتعدد أطراف الصراع ، وقد تشكل في سوريا صراع بين مجموعات معارضة متعددة المشارب والتوجهات ، والنظام السياسي السوري ، ويتخلل ذلك  صراعات فرعيّة عبر الأذرع المتعدّدة الاتجاه ، وصراعات أصليّة بين الدول الإقليميّة الداعمة للأطراف المحليّة ، مازاد من تعقيد المشهد السوري وتأزمه .

ومن شأن القانون الامريكي أن يعقد من الوضع أكثر ، في ظل أزمات تواجهها دمشق ، فإلى جانب عدم الاستقرار ، زادت هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الطين بلة ، كنتاج عمليات النزوح لمئات الالاف من السوريين واللاجئين في دول الجوار ، فضلا عن التدمير الذي لحق بالبنى التحتية ، ما يجعل من مثل هذا القانون أداة ضغط وخنق ، ومن ثم فإن هذا الأخيرسيؤدي إلى أزمة اقتصادية أكبر ، خاصة مع انهيار قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي ، ناهيك عن كونه وسيلة للضغط على روسيا وإيران ، وتجريدهما من نفوذهما في المنطقة .

ولكن بالمقابل ، يعتبر مراقبون بأن سياسات العقوبات التي مافتئت الادارات الامريكية تلجأ اليها لا تؤدي بالضرورة الى الأهداف المتوخاة ، بدليل عجز واشنطن في أن يؤدي حصارها على كوبا إلى اسقاط او تغيير النظام ، ونفس الامر ينطبق على ايران ، وحتى فنزويلا ، وقبلها العراق الذي أسقط نظام الرئيس صدام حسين بغزو البلاد ، وبتكلفة عالية بشريا وماديا .

ومع ذلك ، فإن العقوبات الامريكية من خلال  ” قانون قيصر ”  تبقى الأقسى ، وهي كفيلة بأن تزيد الضغوط على الحكومة السورية ، التي تصارع أزمة اقتصادية متصاعدة ، نتيجة الحرب المستمرة منذ 10 سنوات .

وفي الواقع تخضع سوريا إلى عقوبات تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ، جمدت أرصدة الدولة ومئات الشركات والأفراد ، كما أن واشنطن تصنف دمشق منذ فترة في قائمة الدول  ” المارقة ”  و ” الداعمة للارهاب ”  ، كما تحضر على الأمريكيين تصدير أي سلع إلى سوريا ، وكذا الصفقات التي تشمل منتجات النفط والغاز ، وهو نفس السلوك الذي تعتمده ازاء ايران .

وتشترط الادارة الأمريكية جملة من المطالب ، لرفع تطبيق القانون ، من بينها وقف  ” قصف المدنيين ”  ، والإفراج عن عشرات الآلاف من المعتقلين ، والسماح بعودة اللاجئين بأمان ، وتسعى واشنطن من خلال  العقوبات إلى ثني المستثمرين بدرجة أكبر عن دخول سوريا ، وتعميق عزلتها ، الا أن العارفين بخبايا مثل هذه التدابير يؤكدون على قدرة الانظمة على تجاوزها ، خاصة في منطقة يتفاعل فيها لاعبون لا يميلون إلى قبول الاملاءات الامريكية بالضرورة ، خاصة وان سوريا تفتح باب مشاريع اعادة البناء ، تتجاوز قيمتها سقف 100 مليار دولار  .

ومع ذلك ، فإن العقوبات يمكن أن تكون لها تبعات على دول المحيط السوري ، بداية بلبنان ، الذي يعد معبرا تقليديا للسلع والتمويل إلى سوريا ، وكذا ايران ، وكان شبح تطبيق العقوبات الجديدة أحد العوامل التي تسببت في انهيار العملة السورية في الآونة الأخيرة ، خاصة وأن الأثرياء السوريين في الخارج سيمتنعون عن استثمار أموالهم في بلادهم أو يقلصون تدخلهم ، ورغم أن العقوبات تستهدف الحكومة السورية بالأساس ، فإن المنظمات الإنسانية تخشى أن يتضرر المواطنون ، الذين يعانون من تبعات الحرب منذ عام 2011 .

لكن بالمقابل ، هناك بوادر تشكل جبهة معارضة تضم جملة من الدول ، على غرار بكين وموسكو وطهران ، في وقت قامت فدمشق بعد دخول العقوبات حيز التنفيذ ، بمراجعة قيمة صرف الليرة السورية ، كرد فعل اولي ، حيث رفع مصرف سوريا المركزي سعر صرف الليرة الرسمي مقابل الدولار من 700 إلى 1250 ليرة ، علما ان انهيار العملة السورية اثر على مستوى اسعار المواد الاساسية ، وعلى القدرة الشرائية ، وسط مخاوف متزايدة في الشارع من التداعيات المحتملة على الأوضاع المعيشية ، وانعكاساتها على الاقتصاد المنهك .

على صعيد متصل ، يعتبر مراقبون للشان السوري أن رسائل  ” قانون قيصر ”  الامريكي ، تندرج ضمن الادوات المتصلة بالرهان الانتخابي في الولايات المتحدة ، لضمان كسب نقاط اضافية ، من خلال ابراز الحزم الامريكي ضد كل الاطراف المناوئة ، ودعم الخطوات المرتبطة بالحليف الكيان المحتل ، خاصة في ظل استمرار عملية الاصطفاف مع مشاريع ضم الأخير لغور الاردن ، وجزء من الضفة ، فضلا عن ترسيم ضم الجولان ، إلى جانب الضغط على دمشق ، بما يدفعها الى مراجعة سياسات المحاور والتحالفات ، بداية بالدور الايراني وحلفائه من حزب الله ، الى غاية الدور الروسي المحوري ، خاصة وان القرار يتزامن مع عودة دعم التواجد الامريكي بالشمال السوري ، والتشديد على الحق في الاستفادة من الموارد النفطية بالشمال .

كما تهدف الادارة الامريكية ، حسب المتابعين ، إلى دفع سوريا الى حوار سياسي معها ، عنوانه خروج حلفائها من اراضيها ، وبالتالي خروج حزب الله وعدم مساعدته لاحقاً في حال وقوع اي صراع مع الكيان  المحتل ، لكن بالمقابل يلاحظ أنه على مدار تسع سنوات فشلت الولايات المتحدة وعقوباتها وتدخلها العسكري المباشر وغير المباشر ، في احداث تغيير للنظام السياسي السوري ، لذا تعمل حاليا ،  على جعل روسيا وايران وحلفاها عاجزين عن تقديم الدعم المالي أو الدبلوماسي اللازم ، لإعادة الإعمار ، ومواصلة الدعم الكفيل بمواصلة حسم الصراع في سوريا .

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.