فكر مختارات مقالات

كارلوس زافون .. يرحل باتجاه مقبرة الكتب المنسية

كارلوس زافون .. يرحل باتجاه مقبرة الكتب المنسية

بقلم: علي حسين
كاتب ومفكر عربي

بعد صراع مع مرض السرطان الذي لم يمهله طويلا أعلن ، اليوم الجمعة ، عن وفاة كارلوس زافون الكاتب الروائي الشهير ، عن عمر يناهز ٥٦ عاما ، وذلك أثناء وجوده في لوس أنجلوس ، وكان قد سافر إلى العديد من البلدان بحثا عن علاج يؤخر دخوله إلى مقبرة الكتب المنسية . . الصحافة الإسبانية علقت على خبر الرحيل قائلة ان ارث كارلوس رافون الأدبي لن يذهب إلى النسيان ، وان المقبرة التي شغلته في معظم رواياته ستحفظ بجثمان الكاتب ، أما رواياته فستحتفظ بها ملايين البيوت ، وتظل حيه في اذهان القراء .

استقرّ في لوس أنجلوس قبل أكثر من عشرين عاماً ، لكنه بقي كاتباً أسبانياً خالصاً . ينتقد ما جرى في بلاده اثناء فترة حكم الجنرال فرانكو ، لكنه يعشق العيش في اميركا حيث الشغف بافلام ارسون ويلز ومتعة الاستماع الى موسيقى الجاز .كارلوس زافون المولود في برشلونة عام 1964 كان ينتابه احساس غريب وهو يعيش بعيدا عن مسقط راسه : ” في لوس أنجلوس ، تشعر في بعض الأحيان أن هناك دورية غامضة في الليل مهمتها محو الماضي ، انها مثل قصة راي برادبري اشبه بـ ” محايات الذاكرة ” .وهو يعرف جيدا ان مسقط راسه مختلف بعض الشيء عن العالم الذي يعيش فيه اليوم ، فالتاريخ المؤلم والمثير هناك يكمن في ذاكرة اهالي برشلونة : ” أرى المدن ككائنات حية ، كمخلوقات حية . بالنسبة لي مدريد رجل و برشلونة امرأة ، لكنها امرأة عبثية للغاية ” . تمنى وهو في السادسة من عمرة ان يصبح كاتبا ، ورغم ان عائلته غير معنية بالادب ، إلا ان الكتب كانت تاخذ حيزا مهما في منزلهم .

بدء تجربتة الادبية بالكتابة للاطفال ، عام 1993 ينشر اولى اعماله القصصية ليحصل من خلالها على جائزة مالية تمكنه من تحقيق حلمه بالسفر الى اميركا ورؤية دور السينما وصالات عزف موسيقى الجاز

يعترف بانه واجه صعوبه في نشر كتبه الاولى التي كانت ترفض من قبل دور النشر : ” صحيح أن أعمالي قد رُفضت كثيرًا ، وكل الكتاب يتلقون ذلك . . لكني كنت مؤمنا بان العالم سيعثر عليّ ذات يوم ” ، عمل في مجال الاعلانات وكتب السيناريو لبعض الافلام الشبابية ، اصدر في عددا من الروايات الخاصة بالفتيان ، في عام 1999 ينشر روايته ” مارينا ” لأول مرة في إسبانيا ، وفيها ينقل كارلوس زافون القراء إلى برشلونة عام 1979 ، حيث يعيش أوسكار البالغ من العمر 15 عامًا حياة مدرسية داخلية رتيبة حتى يلتقي بفتاة تدعى مارينا ، التي تاخذه إلى مقبرة قديمة هناك تجري امرأة طقوسا غريبة على قبر مجهول الاسم . سرعان ما يكشفون عن قصة ملتوية عن مرض وراثي غريب وجريمة قتل غامضة ، ونكتشف انها حدثت جميعها منذ سنوات وان اشخاصها ماتوا منذ سنوات بعيدة . عام 2001 تتحقق نبوءته حيث يعثر عليه العالم بعد ان ينشر روايته ” ظل الريح ” التي باعت ملايين النسخ وترجمت الى اكثر من خمسة واربعين لغة ، ليلحقها برواية لعبة الملاك عام 2008 والتي اعتبرت الجزء الثاني من رباعية ” مقبرة الكتب المنسية ” ، ثم عام 2011 اصدر سجين السماء واختتم مقبرة كتبه المنسية برواية ” متاهة الارواح ” التي صدرت عام 2016 ، يقول زافون : ” ما أريده هو أن يتم ترتيب هذه القصص كمتاهة لها نقاط دخول مختلفة ” . الروايات الاربعة التي اطلق عليها بعض النقاد تسمية ” الصندوق الصيني للخيالات ” ، تمتلك كل واحدة منها نغمة مختلفة ، ونسيج مختلف ، لكنها جميعها تروي لنا حكاية فيرمين مع الكتب : ” ” لقد كان دائما المركز الأخلاقي في الروايات الاربعة . إنه الرجل الذي يحمل الحقيقة بين يديه . فيرمين هو أيضا في كثير من الاحيان اشبه بتحية تحية لتقاليد الأدب الإسباني العظيم . لقد كان يحمل سرًا يمكن أن يأخذنا إلى القلب من هذه المتاهة ” .

ثمة الكثير من تشارلز ديكنز في روايات كارلوس زافون التي يحاول ابطالها إعادة بناء مدينتهم برشلونة وذكرياتها اثناء الحرب الاهلية . وهو يطرح السؤال الهم : هل يجد الانسان العزاء في الكتب والحب والصداقة والمغامرات ؟ وبرغم العيش بعيدا عن اسبانيا إلا انه مثل ديكنز لديه مدينة يكتب عنها ، برشلونة التي وفرت له شوارعها وحدائقها ومقابرها ومكتباتها وبناياتها الغربية الاطوار ارضا خصبة للخيال ، ومكانا متميزا للاعمال الروائية المزروعة بالغموض والتوتر : ” برشلونة هي شخصية في حد ذاتها ” هكذا يعترف زافون ” ، ولهذا نجده في رواياته يدعونا باستمرار لرؤية ” مدينة الملعونين ” هذه كما يسميها .

ظل يحلم مثل ابطال رواياته بان يجد اسمه مطبوعا على غلاف ورقي يُعمر في الحياة اكثر من صاحبه ، يتذكر ان والده كان يشتري له قصص ديكنز ومختصرات ملونة من رواية سيرفانتيس ” دون كيشوت ” ، يصر انه لايكتب روايات عن الكتب وانما عن الناس الذين يدورون في فلك الادب ، تمتليء رواياته بشخصيات مرتبطة بعالم القراء والمطابع : اصحاب مكتبات كتب ، مطابع ، ومؤلفنين : ” لا أظن جازمًا أنني أكتب عن الكتب ، بل عن الناس والقصص واللغة والأفكار ” ، يعترف انه يكتب من اجل القراء ، وليس من اجل الادب ، ويؤمن مثل امبرتو إيكو الذي سحره بروايته اسم الوردة انه لايكتب لنفسه : ” ولكن لأشخاص آخرين . اشخاص حقيقيون وأعتقد أن إيكو كان على حق عندما قال أن الكتاب الذين يقولون أنهم يكتبون لأنفسهم ولا يهتمون بامتلاك جمهور كبير ، واهمون ، لأن الشيء الوحيد الذي تكتبه لنفسك هو قائمة تسوق من البقالة ” ، يصارح محرر جريدة الغارديان الذي التقاه بشقته الانيقة في لوس انجلوس انه يتخذ من الكتابة مهنة ليعيش منها : ” لقد كنت أقوم بالكتابة وأقوم بتصنيع أشياء لتغطية نفقاتي منذ أن تركت المدرسة . إنها طريقتي للبقاء على قيد الحياة ، وكسب لقمة العيش والإبحار في هذا العالم ” ، وهو سعيد لان الكتابة ساعدته على الاستمرار في العيش : ” لقد اصبحت لقد أصبحت كاتباً ، وصيرفياً للحكايات ، لأنني لولا هذا الفعل لكنت قد مت من زمان ” .

يرفض كارلوس زافون تحويل اجزاء مقبرة الكتب المنسية الى افلام شييهة بافلام هاري بوتر ، ورغم انه مارس كتابة السيناريو السينمائي لايعتقد ان كل رواية يجب ان تتحول الى فيلم سينمائي أو لعبة فيديو ، أو برنامج تلفزيوني ، ، أو مادة للترويج لمجرد الحصول على المال : ” لا شيء يمكن ان يضاهي الرواية بعجائبها وفعاليتها ، رواياتي كتبت للاشخاص الذين يحبون القراءة ، ويحبون الكتب ، وستبقى كذلك . لا يمكن لأحد تقديم فيلم أفضل من هذه الرواية . ومع هذا لايمكن ان ننكر ان الفيلم هو لغة روائية مثيرة للاهتمام للغاية ، وأنا استخدم العديد من عناصره وتقنياته لإثراء بناء الرواية ، ساظل مؤمنا ان التذكرة الوحيدة لدخول عالم الانسان هي رواية مكتوبة بشكل جيد ” .

اربعة كتب في خمسة عشر عاما ، وثروة تفوق ما حصل عليه كبار الكتاب ، لايبدو الاختصار ممكنا لرباعية ” مقبرة الكتب المنسية ” والتي ترجمها منها الى العربية المترجم المبدع والمتميز معاوية عبد المجيد ، ووفق الغارديان البريطانية ، فان النجاح الذي حصده كارلوس زافون أمر مدهش لا يحدث سوى مرة واحدة كل نصف قرن لان : ” كتابة رواية ممتعة وكثيفة وغنية بالافكار وجماهيرية في نفس الوقت ، امر اصبح نادر الحدوث ، منذ ان اصدر غابريل غارسيا ماركيز رائعته مئة عام من العزلة ” .

تبدأ ” ظل الريح ” بعبارة تذكرنا بافتتاحية رواية ماركيز مئة عام من العزلة : ” لن انسى ذلك الصباح الذي اقتادني فيه والدي إلى مقبرة الكتب المنسيّة . حدث الأمر في أوائل صيف العام 1945 ” ، كان بطل ماركيز قد اصطحبه والده ليتعرف على الجليد لاول مرة ، اما دانيال فانه والده فسيصحبه الى مكان حيث يكشف امامه احد الاسرار الخطيرة : ” إياك ان تخبر أحداً بما ستراه اليوم يادانيال ” . . نحن الان في برشلونه وهي تنفض عنها غبار الحرب الاهلية التي استمرت من العام 1936 وحتى العام 1939 ، ودانيال الفتى الذي سيتم عامه الحادي عشر عما قريب ، بوجه الحزين على وفاة أمه قبل عدة سنوات : ” لا اتذكر وجه أمي ” ياخذه والده إلى مقبرة الكتب المنسية ، وهي مكتبة ضخمة محفوظ فيها الكتب القديمة التي نسيها الناس . وفقًا للتعليمات الصارمة التي يضعها حارس المكتبة ، يُسمح لكل شخص يدخل هذا المكان ان ياخذ معه كتابا واحدا على شرط ان يتعهد بحمايته ، يختار دانيال كتاب ” ظل الريح ” لمؤلف منسي اسمه ” جوليان كاراكس ” ، وبسبب شغف دانيال بصاحب ظل الريح يقرر البحث عن اعمال اخرى له ، لكنه يفشل في الحصول على اي شيء باستثناء مصادفته لرجل غريب الاطوار يتخذ من بطل رواية ظل الريح ” لايين كوبرت ” اسماً له ، شخصية تذكرنا بشيطان غوته الذي يعقد اتفاقا مع فاوست ليحقق له كل رغباته ، ، لكننا نجده عند زافون يريد ان يعقد اتفاقا مع دانيال ليسلمه كتاب ” ظل الريح ” فهو يبحث عن كتب كاركس ليحرقها . وفي رواية تذكرنا بعمل امبرتو إيكو المدهش ” اسم الوردة ” ياخذنا زافون في حكاية داخل حكاية . .حيت يسعي دانيال لاكتشاف اعمال جوليان كاركس ، زنتعرف على مكتبة سيمبيري وفيرمين الذي تعرض للسجن والتعذيب بسبب مشاركته في الحرب الاهلية .ومثل ما يحصل في الاواني المستطرقة تتوالد حكايات دانيال وفيرمين وجوليان وبينلوب وبياتريس ، واسرار الحب والحرب والغيرة والثأر ، باجواء ساحرة وغامضة ورومانسية ، لنتعرف من خلالها على برشلونة مثلما تعرفنا على لندن من خلال ديكنز وباريس في روايات فكتور هيجو وبلزاك : ” أعتقد أن العديد من التأثيرات المباشرة وغير المباشرة تدخل في عمل كل مؤلف . في حالتي ، أعتقد أنني أدمج العديد من العناصر من العديد من التقاليد المختلفة لرواية القصص ، من الروائيين الفيكتوريين إلى الألعاب الأدبية في مجال التصوير ، التي تذكر بعض القراء برواية ” اسم الوردة ” ، بالإضافة إلى تقنيات أخرى . طموحي هو مزج كل أدوات سرد القصص هذه لتزويد القارئ بتجربة قراءة أكثر كثافة وإثارة وجاذبية في النهاية . وكلما كانت ترسانة المؤلف على نطاق واسع من الأدوات ، كلما كانت الحكاية أفضل ” .

في ليلة الملاك ، يعود بنا زافون الى برشلونة ايضا ولكن هذه المرة في فترة زمنية بين الحرب العالمية الاولى والثانية . بطل الرواية مارتين ديفيد ياخذ ملامحه من ابطال تشارلز ديكنز ، يرتبط بعقد لكتابة روايات بوليسية ليتدبر معيشته ، لكنه مع كل جهوده يعاني من الفقر الشديد . لكنه بعد سنوات من المعاناة يكتب روايته الجيدة التي انتظرها طويلا ، لتحظى بثناء النقاد واعجابهم لكن بدلا من ان يسعد مارتين بالنجاح الذي حققه يكتشف اصابته بمرض السرطان ، وفي تلك الفترة يلتقي أندرياس كوريلي الذي يعقد معه اتفاقا ، حيث يعده من خلاله بالثروة والشفاء من المرض مقابل ان يكتب له كتابا يبشر بدين جديد ، وياخذنا زافون في متاهة جديدة حيث يكتشف مارتن أثناء البحث كتاباً كان قد عثر عليه في مقبرة الكتب المنسية . وفي الكناب هناك شخصية البطل ” مارلاسكا ” الذي كلف أيضاً في البحث عن دين جديد لكنه ينتهي الى الجنون الذي يثؤدي به الى الانتحار ، ونجد مارتن يتساءل عما إذا كان هو لا يزال يتمتع بسلامته العقلية أو انه بدأ يفقدها بفعل الهلوسات التي تداخلت مع الحقيقة . ليكتشف ان صاحب الاتفاق كوريلي ا لذي وقع معه قد مات محترقا منذ سنوات طويلة

في الجزء الثالث من مقبرة الكتب المنسية ” سجين السماء ” يحتفظ زافون باحواء مدينته برشلونة ، نجد انفسنا مرة اخرى امام شخصية دانيال سمبيري التي ظهرت في ظل الريح وهو يساعد والده في المكتبة التي تعاني من الركود ، بسبب عزوف الناس عن شراء الكتب ويأمل ان يتحسن الوضع بمناسبة اعياد الميلاد . فجاة يدخل رجل كبير في السن يتكأ على عكاز ، يصر على ان يدفع مبلغا كبيرا في نسخة نادرة من رواية الكسندر دوماس ” الكونت دي مونتي كريستو ” . وبدلا من ان يحملها معه فانه يهديها الى صديق دانيال ، فرمين لمناسبة زواجه القريب . يثير الرجل فضول دانييل فيتبعه ، ثم يطلع صديقه فيرمن على الكتاب . الذي يعتقد ان الماضي يتلصص عليه وان الاعداء يتربصون به ، كان فرمين قد شارك في القنتال الى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الاسبانية ، لكنهم خسروا الحرب ، لينتهي به الامر في احد السجون المظلمة مثل مثل الكثير من معارضي الجنرال فرانكو ، لككنه بعد اطلاق سراحه اعتقد انه دفع الثمن ، ولهذا آثر ان يبدأ حياته من جديد ، مسدلا الستار على ما مضى ، وليصبح جزءا من مكتبة سيمبيري التي نجت من الحربين العالميتين

والحرب الأهلية

وسيكشف في روايته ” متاهة الأرواح ” ، التي تعتبر الجزء الرابع من سلسلة ” مقبرة الكتب المنسية ” ، كل الأسرار المتبقية ، والتي تراكمت في الأجزاء السابقة .

ليختتم حكاية عائلة سيمبري وعشقهم للكتب .

يخبرنا كارلوس زافون انه يكتب رواياته وكانه يكتب فيلماً سينمائيا على ثلاث مراحل . المرحلة الأولى هي مرحلة ما قبل الإنتاج ، والتي يقوم فيها بإنشاء خريطة لما سيفعله : ” على الرغم من أنني غالباً ما انتتهي بتغيير كل شيء . ” ثم مرحلة التصوير حيث يقوم بجمع كل العناصر الخاصة بالفيلم . : ” خلال هذه المرحلة غالباً ما تصبح الرواية أكثر عمقاً مما كنت أتوقع ، ولهذا اعمل على تغيير الكثير من الاحداث ” . ثم المرحلة النهائية هي جعل كل شيء يبدو طبيعيا : ” وهذا هو الجزء الذي يأخذ مني أكبر قدر من الجهد ، وفي النهاية فانا احاول ان اخرج من صندوقي السحري كل الحكايات التي

تحتفظ بها ذاكرتي ”

في كلمة النعي كتب ناشره الإسباني

: ” إن وفاة زافون هو فقدان أحد أفضل الروائيين المعاصرين في العالم ” . واقتبس سطرا من رواية الراحل ” ظل الريح ” : ” كل كتاب وكل مجلد تراه هنا ، له روح . روح من كتب ، ومن قرأ ، ومن عاش ، ومن حلم .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.