قادة وأعلام مختارات مقالات

مولود قاسم نايت بلقاسم

مولود قاسم نايت بلقاسم
(06 يناير1927 – 27 أوت 1992م)

كتبت بقلم أ.د. نبيلة بن يوسف

مولود قاسم المفكر الجزائري وصاحب مشروع ثقافي، تقلد مناصب عليا في الدولة الجزائرية المستقلة.

المولد والنشأة:

ولد مولود قاسم سنة 1927م في قرية بلعيال ببلدية آقبوا ولاية بجاية (منطقة القبائل)، من أسرة فقيرة، لم تمنع الحالة المادية تعليم الأبناء، بداية من الكتاب (لحفظ القرآن الكريم) إلى المدرسة الفرنسية لما بلغ سن السادسة، ولما أكمل التعليم الابتدائي بتفوق أصر على مواصلة التعليم في الزاوية وبقي فيها أكثر من سنتين لكن لسوء الحال المادي لم يتمكن الاستمرار، ولكن تدبر الله أمره لما التحق بزاوية بني عباس التي كانت تشرف عليها جمعية العلماء المسلمين، حيث تعلم أصول اللغة العربية وتعمق في الفقه الإسلامي.

واصل تعليمه في جامع الزيتونة الشهير بتونس (1946م)، رغم القلة المالية وصعوبات العيش التي عاشها تلك السنين.

بعد استقلال الجزائر عين وزيرا التعليم الأصلي والشؤون الدينية ما بين 1970 إلى 1977 ثم وزيرا مكلفا بالشؤون الدينية ما بين 1977 إلى 1979م، ومهاما أخرى.

النضال السياسي:

لم يفوت مولود قاسم فرصة اللقاءات والأمسيات في جامع الزيتونة تفتح فيها قضايا متنوعة وكان تركيزه ونقاشه المطول في القضايا السياسية، لاسيما تلك اللقاءات التي كان ينظمها أعلام حركة انتصار الحريات كأحمد بودا والدكتور محمد الأمين دباغين ومحمد خيضر و أحمد مزغنة وغيرهم، وقد أصبح مولود قاسم عضوا قياديا بارزا في الاتحاد الطلابي الذي كان يرأسه المرحوم عبد الحميد مهري آنذاك.

كما كان ناشطا في لجنة تحرير المغرب العربي التي تأسست في القاهرة عام 1948م.

نشرت له مقالات في الجرائد على رأسها جريدة المغرب العربي التابعة لحركة انتصار الحريات الديمقراطية ( كان رئيس تحريرها محمد السعيد الزاهري) الكثير منها فاضحة لأطماع فرنسا في الجزائر، وفاضحة للانتهاكات.

لم تتوقف رحلة التعليم في تونس بل امتد نظره إلى مصر(جامعة الملك فؤاد لدراسة الفلسفة) عام 1950م بعد أن فشل في التسجيل في جامعة السربون الفرنسية للبحوث الشرقية. وفي مصر أيضا كان التفوق حليفه.

بعد حصوله على شهادة الليسانس عاد به التفكير في التسجيل في جامعة السربون، كان له ذلك في قسم الدراسات الشرقية تخصص فلسلفة، وأكثر المواضيع التي شغلت باله هو موضوع “المعتزلة”، ولظروف سياسية (متابعات البوليس السري الفرنسي) رحل إلى تشيكوسلوفاكيا وغيّر الوجهة إلى ألمانيا الغربية عام 1957م، وأخذ موضوع الحرية عنده الحيز الأكبر لاسيما الحرية في نظر الفيلسوف إمانويل كانط، لم تشأ الأقدار أن يكمل دراسته في ألمانيا لظروف السياسة المتقلبة وحال القضية الجزائرية. وقد سمحت له تلك الأسفار أن يكون ثقافة واسعة ومتنوعة ويكتسب لغات أجنبية كالألمانية والإنجليزية الى جانب العربية والفرنسية واللهجة المحلية ” القبائلية”.

انطلقت مسيرة النضال السياسي من مراحل النضال الطلابي لما انخرط في حركة انتصار الحريات الديمقراطية. وبعد اندلاع الثورة التحريرية المجيدة انضم مولود قاسم إلى جبهة التحرير الوطني القائدة للثورة، أوكلت له مهام التأطير والتعريف بالجبهة والثورة الجزائرية في المهجر بتجنيد العمّال والطلبة، وبعد إضراب الطلبة 1957م  الذي جاء على إثر القمع الاستعماري اللامتناهي (التحق معظمهم بعيد الإضراب بالثورة التحريرية تاركين المقاعد الدراسية، صاعدين للجبال رافعين السلاح في وجه العدو)، وكان السبب الذي جعل مولود قاسم يترك فرنسا ويتجه لبلد آخر طلبا للعلم من جهة، ومناضلا سياسيا رافعا لواء الجهاد عن طريق الكتابة والدعاية بالتعريف بمصداقية الثورة الجزائرية. إضافة إلى جمع التبرعات للثوار الجزائريين إلى أن تم توقيفه من طرف الشرطة الألمانية في مدينة بون عام 1961م، وسجن مدة شهرين معية عبد الحفيظ كرمان ثم طرد من ألمانيا.

كانت الوجهة الجديدة سويسرا  ثم إلى دول إسكاندينافيا كمهمة رسمية من جبهة التحرير للتعريف بالقضية الجزائرية ومناصرتها، فكان له حضورا  دبلوماسيا قويا ومساهما بارزا في تدويل القضية الجزائرية.

بعد الاستقلال لم ينته دوره النضالي بل استمر لما شغل مناصب قيادية منها وظائف دبلوماسية، ثم الإشراف على قسم البلدان العربية في وزارة الخارجية، ثم وزيرا مفوضا وذلك كله في السنوات الأولى من بعد الاستقلال. وعاد لأجهزة الرئاسة في فترة الرئيس محمد بوخروبة المدعو هواري بومدين، فشغل مستشار ديبلوماسي لدى الرئاسة من جوان 1965 إلى 1970م، وكان مساعد الرئيس في إعداد الخطب الرئاسية الهامة.

وانصب نضاله بعد استقلال الجزائر على إعلاء اللغة العربية في المدارس الجزائرية، ومواجهة أعداءها ودعاة الاستغراب “الفرنكفونية”، رغم أنه أمازيغي الأصول وكثير من الجاهلين لوضع الجزائر وتفكير الأمازيغ الأحرار، فأنه فضل النضال لأجل تعليم اللغة العربية لأبناء الجزائر لغة القران الكريم، متمسكا بالانتماء العربي الاسلامي.

آثاره الفكرية:

قدم إنتاجا غزيرا ومتنوعا، أثر به المكتبة الجزائرية والعربية، منها مجموعة من المقالات والحوارات نشرت له في عديد من الجرائد الجزائرية والمشرقية قبل استقلال الجزائر وبعدها التي تعد الأكثر عطاءا فقد كتب في جريدة المجاهد العريقة في الجزائر، والمساء والشعب والجمهورية، وفي مجلة الثقافة الصادرة عن وزارة الثقافة الجزائرية.

وشارك في تنظيم ورئاسة ملتقيات فكرية كثيرة، قدم فيها مداخلات قيمة.

وقد كان له الفضل في إنشاء مجلة الأصالة عام 1971م، أحيا فيها أمجاد الجزائر من شخصيات تركت بصماتها في تاريخ الجزائر.

ومن أشهر الكتب التي قدمها مولود قاسم نذكر؛

1ــ “إنية وأصالة” (الإنية يقصد بها الهوية، ولعلها الموضوع الأكثر اهتماما من طرف المفكر مولود قاسم)، وهو مجموعة من المقالات والمحاضرات (76 نصا)، مستوحى من كتاب التنبيهات والإرشادات للفيلسوف والطبيب المسلم ابن سينا.

2ــــ “أصالية وانفصالية؟” كتاب متكون من جزئين، وهو الآخر عبارة عن مجموعة من المحاضرات والمقالات معظمها التي نشرت في مجلة الأصالة[1].

3ــ ردود الفعل الأولية داخلا وخارجا على غرة نوفمبر أو بعض مآثر فاتح نوفمبر، يتكون من ثلاثة فصول في 253 صفحة، بيّــن فيه شعبية الثورة التحريرية وانتصاراتها، مستوحى من تصريحات وتقارير وبلاغات[2].

4ـــ شخصية الجزائر الدولية وهيبتها قبل 1830م؛ جاء الكتاب في جزئين (649 صفحة)، اثبت فيه وجود الدولة الجزائرية قبل تاريخ احتلال المستدمر الفرنسي لها. حمل الكتاب أدلة مختلفة على رأسها الرسائل التي كانت تتبادلها الدولة الجزائرية مع الدول لاسيما انجلترا وفرنسا، منها رسالة شكر من قادة الجمهورية الفرنسية الأولى إلى الداي حسين على القرض لشراء القمح الجزائري[3]، وفي الصفحة 12 من الكتاب يذكر أنواع المساعدات المتنوعة التي قدمتها الجزائر لفرنسا قبيل الثورة الفرنسية الشهيرة.

قدمت كتب المفكر مولود قاسم بأسلوب سلس بسيط وشيق، على حد ما جاء في كتاب “أحمد بن نعمان”: “أسلوب جزل وأنيق يأخذ من القديم سلامة الأداء وسجع المترادفات وأناقة الدلالة جعل أسلوبه يضاهي أسلوب فطاحل اللغة العربية”[4].

لم ينته عطاءه الفكري إلى أن وافته المنية بعد مرض عضال في أوت 1992م رحمه الله واسكنه فسيح الجنات.

مقال مزيد، كتب عام 2014م في اطار كتاب جماعي تحت عنوان ايقونات عربية للإشعاع الابداعي

ـ مولود قاسم نايت بلقاسم، أصالية أم انفصالية، ط1،الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1992[1]

[2]ــمولود قاسم نايت بلقاسم،ردود الفعل الأولية داخلا وخارجا على غرة نوفمبر أو بعض مآثر فاتح نوفمبر، قسنطينة: دار البعث،1984.

ـ مولود قاسم نايت بلقاسم، شخصية الجزائر الدولية وهيبتها قبل 1830م، الجزء الثاني، الجزائر: دار الأمة، 2007، ص124.[3]

ـ أحمد بن نعمان، مولود قاسم نايت بلقاسم، حياة وآثار وشهادات ومواقف، ط2، الجزائر: دار الأمة، 1997، ص 215.[4]

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.