تاريخ مختارات مقالات موسوعة روافد بوست

ذكرى انقلاب 19 جوان 1965

 

صراع السلطة في الجزائر المستقلة.. ذكرى انقلاب 19 جوان 1965

بقلم: أ. عمّارية عمروس
باحثة في الشؤون الأمنية والإستراتيجية (الجزائر)

انعقد مؤتمر الصومام بتاريخ 20 أوت 1956 وأقر مبدأين أساسيين لإنجاح الثورة التحريرية الكبرى: أولوية الداخل على الخارج، وأولوية السياسي على العسكري، لكن ذلك ساهم مرة أخرى في انقسام جبهة التحرير الوطني من الداخل، انطلاقا من أن أولوية السياسي على العسكري لا تخدم العسكريين، وأولوية الداخل على الخارج لا تخدم القيادة في الخارج. ثم اشتد الصراع في مؤتمر طرابلس بين هيئة أركان الجيش والحكومة المؤقتة برئاسة بن يوسف بن خدة.

ويذكر الدكتور عبد النور ناجي، في كتابه: النظام السياسي الجزائري من الأحادية إلى التعددية السياسية، أن الباحث في تاريخ الجزائر محمد حربي صنّف الانقسامات داخل جبهة التحرير الوطني بعد انعقاد مؤتمر الصومام كالآتي:

*     إستراتيجية الحكومة المؤقتة، والمتمثلة في احترام اتفاقيات “إيفيان” والاستفادة من عملية الانتقال الطبيعي للسلطة من فرنسا إلى هذه الحكومة.

*     إستراتيجية قيادة الأركان، وقد رفضت اتفاقيات “إيفيان” وعارضت الحكومة المؤقتة، وربطت العمل السياسي بالجيش.

*     إستراتيجية أحمد بن بلة، وقد رفض الاتفاقيات وعارض الحكومة المؤقتة، في حين ساند قيادة الأركان بما في ذلك العمل على إنشاء مكتب سياسي.

ونتيجة كثرة الخلافات بين الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان، قررت الأولى بتاريخ 28 جوان 1962 طمسَ الثانية، لكن جيش الحدود رفض الخضوع لهذا القرار، واستمر الصراع على السلطة بتأسيس المكتب السياسي لجبهة التحرير بتلمسان.

نال أحمد بن بلة ثقة المجلس الوطني التأسيسي الذي جرى انتخابه في سبتمبر 1962، وخُولت له مهام تعيين الحكومة والتشريع ووضع دستور للبلاد، وبذلك أُعطي الدور الأكبر للجيش، وعُين هواري بومدين وزيرا للدفاع. لكن سعي بن بلة إلى الانفراد بالحكم، من خلال اتخاذ إجراءات وقرارات فردية كعزل بعض الأطراف، أدى إلى اتخاذ قرار بالانقلاب عليه، وتذكر بعض الروايات أن نيته في عزل عبد العزيز بوتفليقة عجّلت الانقلاب. وبذلك أطاح بومدين برفيقه بن بلة على إثر العملية المسماة بالتصحيح الثوري ليوم 19 جوان 1965، ليحكم الجزائر بعدها (1965-1978) باسم الشرعية الثورية وعبر مجلس الثورة والوزراء الذي ضم 26 عضوا من بينهم 24 عسكريا. وتم وضع بن بلة في إقامة جبرية دامت 15 سنة، أي أنه لم يخرج منها إلا بمجيء الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد وإصدار عفو رئاسي عنه.

جاء في بيان مجلس الثورة يوم 19 جوان 1965: “إن أي مواطن جزائري مهما عظُمت مكانته وعلت مسؤوليته لا يمكنه أن يدعي بأنه وحده يمثل الجزائر، والثورة والاشتراكية في آن واحد. ومهما بلغت السلطة من درجة في الفوضى فإنه لا يمكن بأية حال من الأحوال لأيّ كان أن يتصرف في مقدرات البلاد كما لو كانت ملكه الشخصي”. والمقصود بذلك هو أحمد بن بلة، كما تم وصفه بالكذب والفساد وممارسة الإرهاب للاستبداد بالحكم، و”الطاغية الذي عُزل اليوم من الحكم”، وأنه “سيلقى المصير الذي خصّ به التاريخُ كل المستبدين”.  

يذكر الدكتور رابح لونيسي في كتابه: الجزائر في دوامة الصراع بين العسكريين والسياسيين، أن الصراع بدا واضحا غداةَ الاستقلال بين ثلاثة أطراف هي: الحزب، الجيش ومؤسسة الرئاسة. وقد عكست أحداث 19 جوان 1965 صراعا عميقا حول السلطة في الجزائر المستقلة، حتى أن الانقلاب نتج عنه انقسام في المواقف الإقليمية والدولية. جمال عبد الناصر في مصر مثلا كان ضد العملية مما أدى إلى توتر في العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومصر لفترة محدودة، قبل أن تعود إلى مجراها الطبيعي نظرا للقضايا المشتركة التي تجمع البلدين ودفاع الرئيس الأسبق هواري بومدين عن كبرى القضايا العادلة (القضية الفلسطينية، المشاركة في حربي 1967 و1973).

        مع حلول ذكرى 19 جوان 1965 في الجزائر، يعود الجدل السياسي والتاريخي حول الحادثة التي تُعتبر أول انقلاب عسكري في تاريخ الجزائر المستقلة، خاصة وأنه من الممكن اعتبارها محطة أولى لتغلغل المؤسسة العسكرية في دواليب السلطة بالجزائر، وهو المشهد الذي ظل حاضرا لعقود من الزمن. والحقيقة أن تسمية العملية بالتصحيح الثوري، نسبةً إلى تصحيح مسار الثورة واسترجاع الشرعية الثورية للحاكم، ظلت محلّ جدل، خاصة وأن الانقلابات العسكرية من مظاهر الدكتاتورية وهو ما ميّز دول العالم الثالث. لكن الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان هو أن بومدين تمكّن من التأسيس لنظام قوي على الأقل من حيث إقصاء كل المعارضين طول فترة حكمه، ولم يختلف عن بن بلة من حيث الانفراد بالسلطة، كما لم يسلم من محاولات انقلاب (فاشلة) كتلك التي قام بها العقيد الطاهر الزبيري سنة 1967.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

One Reply to “ذكرى انقلاب 19 جوان 1965

  1. الجـــدل ســــوف يبقى قائما ، نظرا لابقاء نفس الذهينة في الحكم منذ 1962 ، لان طريقة اساليب الحكم تتوارث يغض النظر عن الاشخاص .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.