سياسة مقالات

أعمق البؤس وأظرف الفكاهة

غزة .. أعمق البؤس وأظرف الفكاهة

بقلم: ا. عدلي صادق

لم أكن في صباح هذا اليوم، في مزاج معتدل. وما أن تابعت المنشورات على فيسبوك، حتى اعتدل المزاج ووجب الضحك، لمجرد مطالعة تعليقات الشباب في غزة. لكن أطرف ما قرأت، واستثار القهقهة، هي تعليقات الشباب على “تفقد” السيد الرئيس، محمصة في رام الله!

في كتاب “جحا الضاحك المضحك” لعباس محمود العقاد، هناك تفسير رشيق لمنشأ النكتة. فهي ـ فيما كتب ـ تنشأ عن الفجوة بين الأمر على طبيعته السوية، وتناوله بطريقه مغايرة تماماً، في توظيف يختبر العقل ويستثيره ويبعث على الضحك. وكلما كانت الفجوة واسعة، كانت النكتة أقوى.

التعليقات على “تفقد” المحمصة، وغيرها من المنشورات الغزية الطريفة، جديرة بدراسة بأداة الـ Conten Anyisis أو تحليل المضمون، التي يستخدمها الباحثون، في بعض العلوم الإجتماعية، كالإعلام والتربية والإحصاء وثقافة المجتمع ومحمولات وسائل الإتصال.

عند “تفقد” المسؤول السياسي محلاً تجارياً، يبيع المكسرات، ينتفي المغزى الإجتماعي لعملية “التفقد”. ربما يكون هناك مغزى، لــ “تفقد” محل فلافل، باعتباره مأكولاً متاحاً للجميع في البؤر الشعبية الفقيرة. ذلك علماً بأن المحليْن التجاريين، لا يحتاجان الى “تفقد”، مثلما يحتاج اليه فقراء المخيم، وأحزمة المدن البائسة، والقرى المحاذية للمستوطنات، ومساكن المهمشين وهم يرسمون مشاهد حياتهم على الطريق بين رام الله وأريحا، ومنازل الأيتام الذين فقدوا آباءهم، وغيرهؤلاء كثيرون.

أحد المعلقين من غزة، وصف محل المكسرات بأنه يبيع “القضامة” ولا أعتقد أن مخيلته عجزت عن الذهاب الى أبعد، وصولاً الى “الكاجو” و”الفستق الحلبي”. وربما هو يتعمد مقاطعة سيرة خليط المكسرات الذي يُعجز سعره، ربما 90% من السكان!

عندما يتفقد الساسة مواضع وحالات، للزهو بمرفق صناعي أو للمواساة في كارثة، يؤدون واجباً ذا مغزى. بل إن خبثائهم، عندما يتسببون في إفقار شعوبهم ويجعلون أيام الإستعمار أفضل من أيام الإستقلال؛ تراهم يتفقدون ـ بعد ترتيبات خاصة ـ مراكز لاطفال سعداء ومزارعين مبتهجين، لإيهام الناس بأنهم يقيمون العدل وأنهم قد أسعدوا شعوبهم، وعندئذٍ يحرصون على التصوير والنشر. أما الذين يخربونها، بؤساً وانسداداً، ثم يقعدون على تلها؛ فإنهم “يتفقدون” محل المكسرات، دونما مغزى، ومع ذلك يحرصون على التصوير، لتزويد غزة بمادة للتفكه، بعد تزويدها يومياً بجرعات من الشقاء!

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.