مقالات

رعاةْ أركادياَ

رعاةْ قراءة في رواية رعاةْ أركادياَ

للروائي الجزائري محمد فتيلينه

بقلم: دفاف الكتب

في ظلِ التعبئةِ السياسية و الإعلامية منْ كلاَ الجانبين تطفوُ إلى السطحِ مراراً قضيةُ الاقدامِ السوداء في الجزائر ، يشهرها كلٌ من الجانبِ الجزائري و الفرنسي كورقةٍ رابحة في حساباتهِ السياسية ، بينما تطلُ من بينِ سحبِ العدو قاماتٍ بيظاءْ كغمامِةٍ حبلى بالياسمينْ لتنثرَ عطرها على أرضِ المولدْ الجزائرْ …

يطلُ عليناَ الروائي الجزائري محمد فتيلينه برواية رعاة أركادياَ بمزيج رائع من قصة حب شبه مستحيل بين الجزائري أوجي فرو و المستوطنة الفرنسية أركاديا و بين تداعيات الحرب الدائرة في أرض الجزائر خلال فترتي 1958 و 1962 مع خروج آخر جنديٍ فرنسي يغادر الجزائر المستقلة لتعود بعدها أركاديا لتشي لنا بكثير من الألم عن ذكريات شباب و جسدْ عشقَ الجزائر و أوجي فرو أيضاً.

(اذا كانَت حربُ الجزائر قدراً، فلنصنع قدرناَ بأيادينا يا عزيزتي أركاديا! الحبُ والحرب لا ينتظرانِ أن يطرقَ السلمُ بابيهما!!) كذلك فعل أوجي فرو [1] البديُ الجزائري مدرس الفرنسية في إحدى مدارس أعالي مدينة الضباب المدية (الأندلسية) لم ينتظر أن يطق السلم على باب قلبه المتعبْ و إتخذ من الجميلة المستوطنة : أركاديا بشارْ عنواناً لحبهِ كما إستوحى الرسام “نيكولا بوسان ” إسم منطقة أركاديا اليونانية عنواناً للوحته «رعاة أركاديا»[2] ليقول: “حتى في أركاديا أنا موجود” ، حبٌ كانَ قدرهُ فراق مع بذرةٍ …..

إنها ذاكرة جسد عرفَ الحبْ و ليستْ إختلاقاً :

راسلت أركاديا بشارْ الروائي محمد فتيلينه لتضع أمامه شهادة حية مثقلة بذكرى الياسمين خالطه ألم لتكشف لنا أيضا من خلالها جانباً ظلّ يستحي ربما الظهور وسط لعنات طاردت أصحابه تحت إسم الأقدام السوداء[3] : (أنت جزائري، و لا أشك في ذلك، وتبحث -كما قلت مرارا في مدونتك-عن الذهب …سأهديك شيئا ربما بحثت عنه، أعتقد أنه أشبه بذخرية ذهبية لأمثالك ممن يرغبون في التنقيب عن الذاكرة الجزائرية، الواقع أن هذه الثروة ليست إلا العشرات من الصفحات جمعتها طوال وجودي في الجزائر منذ 1955 وإن شئت فهي ذكريات امرأة ثمانينية، تمثل عينة من أوروبيات الجزائر ، إنها ذاكرة يا صديقي، ليست أبدا إختلاقاً ).

– وحدهم الأحرار من يصنعون المعجزات ، ريميوند التي تعتربها مجرد رقٍم، هي الحرة الوحيدة وسط آلاف العبيد … ريميوند بيسشارد [4] شقيقة أركاديا وهي المتهمة بكونها شريكة فيرنون إيفيتون ( جندي فرنسي منشق إنظم إلى صفوف الثوار الجزائريين، المتهم هو الآخر بعملية تفجير فاشلة بالعاصمة إستهدفت وحدة الغاز في الحامة )، لم تكن رميوند مسلمة، وليست من أصول جزائرية ولم تتعلم العربية في المداس، ولكنها قررت أن تدفع ثمن المعارضة و لم تكن تهتم بكونها فرنسية و لا بكونها من بلدِ المحتل ، ريميوند كانت الإنسانية و الثورة الصارخة في وجه عدو الإنسانية ، ريميوند ليست أعجوبة الصحافة، ولا فرنسا ،بل هي أعجوبة الجزائر التي إحتضنتها و منحتها لقب الشهيدة ،ذاك اللقب الذي يقترن بالدم و الروح قبل أن يكون شعارا و رمزاً للبطولة.

ما زالنا نستقلُ نفسَ الحافلة و غُبار التاريخِ و الذكرى يحول دون الرؤيا :

مع كل كيلومتر يستيقظ سؤالي: كيف لهؤلاء الركاب أن لا يشعروا بالغبار؟ وببقاياه المتناثرة من سطح الحافلة الداخلية كلما انتقلت المركبة من مطبٍ إلى آخر؟ … لون عمامة الفرقاني يشبه ذلك الغبار، الذي يدفعني مجبرا ، كي أتآلف مع ذاتي ومع بلدتي ، هذه البلدة المكسوة مساكنها بطوب متواضع، ما يربطها بالعامل الخارجي غير محطة القطار، وها هي حافلة الفرقاني تسرع في وتيرة الحضارة ، رغم حبي لبلدتي وألهلها إلا أن كثيرا من سذاجتهم وطبعهم الجلف يدعوين لليأس … غبارُ التاريخ الذي كتبَ بدماء الشهداء يزيدُ من قتامة الرؤيا تلك العتمة التي يدخلناَ فيها عنوة أيُ نبشٍ للجرح الذي لم يتدملْ لا بلْ الخنجر الذي تركته ذات إتفاقية لعينة لطخت الأيدي و مسحتْ على وجوه أجيالٍ و أجيالٍ كي تزيدَ من جنون العمى فيهم عمى.

ما الذي جَعل ديغول يستسلمُ للجزائرين وخلفهُ كل هذه القوات؟

حينها، طفت في ذاكرتي صورة كل من أوجي فرو ورميوند، ودفعتني لجوابها( الحياة لا تهب للجنرالات أكثر من انتصارٍ واحد يا ماما!)

هل إستسلم حقاً ديغول للجزائرين ؟!!! هيهات على ثعلبٍ ماكر هزم النازية أن يستسلمَ للجزائرين.

مَن يزيلُ الأثرَ الصغير :

تحاولُ عيشة (الدرويشةَ عمة أوجي) يائسةً أن تزيل ذلك الأثر الصغير بداخل الفنجانْ من خلال غسلها المتكرر ، في الحقيقة لم أكن أرى تلك النقطة السوداء فتجيب : إنه يذكرني بقلب أخي النذير ! ، النذير هو عم أوجي الذي غصب أوجي و عمته من ميراث جده ، النذير الذي صار غداة الاستقلال برتبة مجاهد و أصبح بذلك أبناءه ينعمون بمنحة الأب و تأشيرة مرور صالحة لكل مكان و أيضاً بخيرات البلاد التي آلت إليهم دوناً عن بقية الشعب الكادح ليكسب لقمة العيش.

إن الصراعَ السياسي مسألة أمزجة، لا مسألة مبدأ … واقتنعتُ أكثر أنها مثلي لم تعدْ تعبأ بمن رحلَ أو غادر أو بمن رُمي في السجن ، ربما هذا التصريح يدلنا على موقف بطل الرواية أوجي فرو الذي أحسست ربما أن له وجهة نظر أخرى عن السياسة فهو غارقٌ أحياناً في صراعه مع غبارِ بلدتهِ و عمه الغاصب لميراثه و أحيانا أخرى غارقٌ في عطرِ الياسمين و عيون أركاديا الزرقْ إلا أننا نلاحظ شرخاً واضحاً يوحى من خلال حوار أوجي و أركاديا حول الحرب و الثورة حيث تصر أركاديا أن الجزائر فرنسية بيننا يدافعُ أوجي بالقول ان الجزائر في حرب و فرنسا تحكم بالنار و الحديد و لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون فرنسية ، يظهر أيضا أوجي متاثراً بالقيادي مصالي الحاج كان واحد من المطالبين بالاستقلال عن فرنسا منذ العشرينات و لم يشارك في مفاوضات إيفيان الشهيرة .

عن طريق تقنية الفلاش باك يتناوب بطلاَ الرواية أركاديا و أوجي فرو سرد ذكرياتِهما و يتعرف القارئ من خلالها عن أهم الأحداث الشخصية و السياسية التي برزت خلال فترة الرواية ، كما تميزَ أسلوب الروائي محمد فتيلينه بالسلاسة زاده التشويق و وصف الصحراء و مدينة حاسي بحبح بلدة أوجي فرو جمالاً في لغة سردية بسيطة جميلة في حبكة متقنة كما كانت الرواية أيضاً مثقلة بالكثير من المعاني والرمزيات بدءاً بلوحة أركاديا و هي إختصار لحياة أركاديا بطلة الرواية (“رعاة أركاديا” فيها كل ألوان حياتي ومماتي ! وفي كل هذا يطل أوجي خلف الصورة و خلف نظرات نيكولا) ، مصطفى لقرع صديق أوجي الثوري الذي لم ينلْ بعد 1962 الا الجحود و النكران و حتى الإتهام بأنه حركي (أي خائن و عميل لفرنسا) مثلما إتهم أوجي فرو أيضاً ، تطلُ عليناَ أيضاً شخصية بارزة جداً ربما من وحي الكاتب ،هي شخصية زوخروفا المرأة البدوية الطبيبة المعالجة القديسة أيضاً التي تشفي مرضاها بتعويذات قرآنية لم يفهمها الفرنسي ، هي أيضاً تمثل الهوية الأمازيغية التي جَذبتْ الفرنسي إلى عمقِ صحراء الجزائر الساحرة.

_______________

[1] نسبة إلى اوجين فرومنتان رسام وكاتب فرنسي حيث يضيف فرومنتان إلى الوصف الظاهري للمناطق التي زارها والشعوب التي قابلها أحكام قيّمة مبنية على معايير مركزية أوربية، وهذا ما يجعله يقول مثلاً: « إن العرب هم الشعب الوحيد الذي استطاع الاحتفاظ بكبريائه لأنه عرف كيف يبقى بسيطاً في حياته وتقاليده وأسفاره وسط الشعوب الأخرى المتمدنة” .

[2] اللوحة مستوحات من قصة أسطورية جلبها من قصيدة للشاعر الرومانى الشهير فيرجيل، ورسمها فى الفترة ما بين عامى 1637 و1638، مستخدمًا فيها ألوان الزيت على القماش و تعد من أشهر لوحاته الفنية، لوحة «رعاة أركاديا»، وفيها تشاهد 3 رجال وامرأة، يتأملون قبرًا مبنيًا من الحجارة، فى بقعة نائية، ويبدو الرعاة الـ4 يحاولون تهجئة جملة كتبت على القبر باللاتينية تقول: “حتى فى أركاديا أنا موجود” .

[3]تسمية الأقدام السوداء هي الترجمة الحرفية لمصطلح (بالفرنسية: Piéd-noir)‏ في القاموس الإنجليزي لأوكسفورد تعني : الأقدام السوداء هي نعت لكل أوروبي الأصل (خاصة الفرنسيون منهم) عاش في الجزائر أثناء فترة الحكم الفرنسي لها ورحل عنها عند استقلالها سنة 1962 في قاموس لاروس لا يقصر الأمر على الجزائر بل كل شمال أفريقيا الخاضع للحكم الفرنسي (أي بإضافة المغرب وتونس). الأمر سبب جدالا كبيرا بين الأشخاص المعنيين ورفضه اليهود الذين غادروا الجزائر مع المحتل بدعوى أن أصولهم ليست أوروبية ، ولا تزال فلول “الأقدام السوداء” متمسكة بالعودة إلى الجزائر، بل إنهم يعتبرون ذلك حقا طبيعيا وقانونيا، كما يطالبون باسترداد ما يزعمون أنها ممتلكاتهم التي تركوها بعد فرارهم وتركهم لها بعد الاستقلال، عكس ما تنص عليه اتفاقيات إيفيان. وتبقى قضية المغني “أنريكو ماسياس” أبرز مثال على جدلية عودة الأقدام السوداء ، وإلى غاية اليوم، لا يزال “الأقدام السوداء” ينظمون مظاهرات وتجمّعات للمطالبة بـ “حق العودة.

[4] ريموند بيسشارد ، المولودة في 15 سبتمبر 1927 وقتلت في 26 نوفمبر 1957 ، هي المرأة الجزائرية الوحيدة من أصل أوروبي التي اعترفت بها السلطات الجزائرية “الشهيدة” بعد الاستقلال دفنت في قسنطينة ، قامت بحملة من أجل الحزب الشيوعي الجزائري واتحاد القوى من أجل ولجنة مكافحة القمع الذي دفعها إلى طردها من قسنطينة في 5 يوليو 1955 في عام 1956 ، انضمت إلى جبهة التحرير الوطني وعُهد إليها ببعض المهام قبل اتهامها ظلماً بإعطائها فرناند إيفتون قنابل تحت التعذيب ، وعرفت نفسها تحت اسم طاوس (“الطاووس” باللغة العربية) ، تكريماً لجمالها في نوفمبر 1957 ، اتخذت المجموعة التي انتدبت إليها تونس في فجر 26 نوفمبر ، حاصرت المجموعة الفرنسية بقيادة مصطفى لاليام الجيش الفرنسي على مقربة من مديانا وقتلت ريموند بيسشارد مع عشرة من رفاقه في السلاح.

[5]مصالي الحاج الملقب بـ “أبو الأمة” ولد بمدينة تلمسان في 16 مايو 1898، وتوفي بالعاصمة الفرنسية باريس في 3 يونيو 1974، ودفن بمقبرة الشيخ السنوسي بمسقط رأسه. زعيم وطني جزائري كان واحد من المطالبين بالاستقلال عن فرنسا منذ العشرينات، وهو مؤسس حزب سياسي وطني نجم شمال إفريقيا الذي تحول إلى حزب الشعب الجزائري، ثم إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية وأخيرا حزب الحركة الوطنية الجزائرية ، حاولت فرنسا الاستفادة من الانقسام داخل الوطنيين الجزائريين، بإشراك حزب حركة الوطنية الجزائرية في المفاوضات، إلا أن جبهة التحرير عارضت وتصاعدت التصفيات بين المنظمتين ولم يشارك مصالي في محادثات إيفيان وغادر الجزائر إلى المنطقة الباريسية إلى وفاته عام 1974 و له جملة شهيرة التي أطلقها مصالي الحاج “هذه الأرض الجزائر ليست للبيع”

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.