سياسة مختارات مقالات

تركيا تستنسخ النموذج السوري في ليبيا

إلى أي مدى يمكن أن تنجح تركيا في التدخل العسكري في ليبيا؟

بقلم: هبة داودي – الجزائر

تتجه تركيا إلى استنساخ نموذج إدارة الأزمة السورية في ليبيا، مستثمرة التحولات المسجلة في موازين القوى وشبكة التحالفات القائمة، والتي وضعت أنقرة في موضع تفاوضي قوي، تجاه الأطراف المنافسة .

وبرزت عدد من المؤشرات التي تؤكد تموقعا تركيا في المشهد الليبي، على حساب العديد من الأطراف الإقليمية الفاعلة، والاي تقلصت هوامش حركتها، ومن بين هذه المؤشرات، سماح التدخل التركي بقلب موازين القوى في ليبيا، حيث استعادت قوات الوفاق الوطني، التي تحولت من حالة الدفاع أمام زحف قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر المدعومة اماراتيا ومصريا وروسيا، إلى موضع هجوم، مع توسيع دائرة السيطرة على الأرض، بفضل الدعم اللوجستيكي والتغطية الجوية التي وفرتها القوات التركية.

كما تتجه قوات الوفاق، عقب السيطرة الكاملة على المنطقة الغربية من ليبيا، إلى حسم معركة سرت، التي تعد نقطة تحول استراتجية، مع ما تمثله الأخيرة من نقطة ربط وتقاطع بين المناطق الشرقية والغربية الليبية، وكذا قربها من أهم النقاط الحيوية الممثلة في الهلال النفطي، إلى جانب التوجه نحو حسم معركة لا تقل اهمية، وهي الجفرة، التي تعني السيطرة تقريبا على أهم القواعد الجوية ونقاط الارتكاز الجوي.

أضف إلى ذلك الإعلان التركي عن التحضير لإقامة قاعدتين عسكريتين، الأولى في الوطية، والثانية في مصراتة، وهي نقاط حساسة جديدة، فمصراتة واجهة بحرية والوطية نقطة ارتكاز وعمق استراتيجي هام، وجاء هذا التوجه تكريسا لاتفاقية وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق، بشأن التعاون العسكري والأمني، نهاية السنة الماضية، إلى جانب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، التي أثارت الكثير من الجدل وردود الفعل الرافضة، وأعقب ذلك اعلان تركي ثان، يتمثل في مباشرة عمليات الاستكشاف على المحروقات في السواحل الليبية، والذي قابله ردود فعل مناوئة قبرصية ويونانية وحتى مصرية، وقد برز هذا التوجه في أعقاب زيارة قام بها رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج، في 4 جوان الجاري إلى تركيا، الإعلان عن نتائج المعارك وتحرير المناطق الغربية الليبية ككل.

ويكتسي التواجد العسكري التركي في ليبيا، أهمية بالغة من الناحية الاستراتيجية، على مستوى قاعدة الوطية الجوية العسكرية، فضلا عن قاعدة بمصراتة، وهو تموقع يشبه تقريبا الانتشار الروسي في سوريا، حيث اختارت موسكو قاعدة حميميم الجوية، وقاعدة طرطوس البحرية، الأولى لضمان الانتشار الجوي، والثانية لموقعها ومنفذها على البحر المتوسط، فبتواجد تركيا في الموقعين، يتم توفير الغطاء الجوي الدائم للحليف الليبي، فضلا عن توفير منفذ في البحر المتوسط لتركيا، يضمن حماية سفن الاستكشاف، وكذا أية ترتيبات أخرى، خاصة مع حادثة توقيف سفن عسكرية يونانية في نطاق عملية “ايريني”.

فالقراءة التركية تعتبر أن الاستفزازات اليونانية في شرق المتوسط، والتوتر المتزايد على خلفية ردود الفعل المصرية، يتطلب وجود قوات بحرية تركية في المياه الإقليمية الليبية، وهو ما يدفع إلى اختيار ميناء مصراتة الليبي، ليكون قاعدة بحرية تركية، يضمن تموقعا لهذه الأخيرة.

بالمقابل، فإن مثل هذا التواجد، سيفتح المجال لتطوير الاستكشاف النفطي والغازي في السواحل الليبية، وبالتالي إعادة توزيع الأوراق في المنطقة، بعد أن كان الأمر من نصيب مصر واليونان وقبرص والكيان المحتل في شرق المتوسط، على خلفية اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، الذي تم عام 2013 .

وقد سبق لتركيا أن وجهت رسائل مشفرة، على أساس أن السفن الخاصة بالاستكشاف ستكون محمية ببوارج حربية، نفسها من أية تهديدات محتملة، في رسالة موجهة بالأساس إلى الطرف اليوناني.

وتعد تركيا أكبر داعم عسكري خارجي لقوات حكومة الوفاق الوطني الليبية، في المواجهة مع ما يعرف بالجيش الوطني الليبي بقيادة الللواء المتقاعد خليفة حفتر، وبإقامة مثل هذه القواعد تكون تركيا قد وضعت نقطة ارتكاز في المتوسط، حيث تمتلك قواعد عسكرية في الصومال وقطر وقبرص الشمالية، وكانت بصدد إقامة قاعدة بحرية في جزيرة سواكن السودانية، إلا أن االإطاحة بالرئيس عمر حسن البشير حالت دون استكمال الخطوة، إلى جانب تواجدها عسكريا شمال سوريا والعراق، لمواجهة الاكراد، والعمل على الإبقاء على تأثير تركي لاسيما بالنسبة للملف السوري، حيث ضمنت تركيا تواجدا دائما في الشمال السوري، بفضل ترتيبات تفاهم مع روسيا، وتسيير دوريات مشتركة فضلا عن مسارات مشتركة يضمن الابقاء على تواجد قوى تدعمها أنقرة، بداية بالجيش الحر .

وعلى شاكلة الملف السوري، فإن ثنائية تركية روسية برزت مؤخرا في الملف الليبي أيضا، لكن بمعطيات متباينة، بداية بتموقع تركي أكبر، فروسيا التي دعمت قوات حفتر بطرق مختلفة، لاسيما من خلال قوات غير نظامية لمجموعة فاغنر، وجدت نفسها في موقع أضعف من موقعها في الملف السوري، ورغم التدارك الروسي للأمر عبر اطلاق مبادرات، وإعلان الترحيب والدعم للمبادرة المصرية التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي لوقف اطلاق النار، إلا أن إصرار قوات الوفاق على مواصلة معركة سرت ينم عن التغيير المسجل في موازين القوى، وأن الأوراق التي تحوزها تركيا تبدو الأكثر تأثيرا، رغم الايحاءات بإمكانية الوصول في مرحلة ما إلى ترتيبات لوقف الصدام بين الفرقاء الليبيين، لكن مع اقصاء خليفة حفتر من المعادلة، وقد تكون الزيارة التي قام بها عقيلة صالح إلى الجزائر، والحديث عن لقاءات تركية روسية، مؤشرا على سيناريوهات ترتيبات يتم التحضير لها، لكن بعد حسم المعارك في منطقة الوسط الليبي.

ولعل هذه التطورات هي التي أدت إلى الاعلان عن الغاء روسيا زيارة كانت مقررة لوزير خارجيتها، سيرغي لافروف، ووزير دفاعها سيرغي شويغو، إلى مدينة إسطنبول التركية، لمناقشة تطورات الوضع في ليبيا مع المسؤولين الأتراك، مع الاعلان بالموازاة مع ذلك عن مواصلة الاتصالات من أجل التوصل إلى اتفاق سريع لوقف النار، وإنشاء آلية تفاوضية بين الأطراف الليبية في المجالات المختلفة، سياسيا واقتصاديا، تحت رعاية الأمم المتحدة، وفقا لمخرجات مؤتمر برلين والقرارات الدولية .

ورغم اعلان الخارجية الأمريكية عن ضرورة إخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، ودعوتها جميع الجهات الخارجية لسحب معداتها العسكرية من هناك، الا أن واشنطن تحبذ بطريقة أو بأخرى تواجدا تركيا في ليبيا، على أن تتحول الأخيرة إلى بوابة ومنفذ جديد لروسيا في البحر المتوسط، وهو ما يفسر غض الأمريكيين الطرف عن التحرك التركي الواسع في ليبيا، وهي الدولة الحليفة العضو في الناتو، كما حدث في سوريا، حيث تتقاطع التحركات الامريكية مع التركية في الشمال السوري .

ولعل اشارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أعقاب استقباله لعقيلة صالح، إلى أن الأطراف التي تصارعت في سوريا هي تقريبا نفسها المتصارعة في ليبيا، وتشديده على أن الجزائر ليس لديها أطماع توسعية أو اقتصادية في ليبيا، يؤكد بأن لعبة التجاذبات التركية الروسية بالخصوص، استنساخا للسيناريو السوري على الأرض الليبية، بأدوات متعددة، تتداخل فيها أطراف إقليمية تؤجج الصراع بين الفرقاء الليبيين، وتقلص هامش الحل، رغم التطورات العسكرية في الميدان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.