سياسة عروض كتب مختارات مقالات

الحرب والسلم

المصدر: نجوى الجزائرية

علّمنِي تولستوي أن أقرأَ التاريخَ من عيونِ الثكالى .. وأن أعي الأحداثَ من  جراحِ  الجنودْ …  وأن استنطقَ الوقائعَ من فوهة  المسدسِ والمدافعْ .. وكيفَ يكون النصرُ حين ذاك عنواناً لهزيمة.

علّمنِي تولستوي  أنْ ليسَ كلَ ما كُتبَ حقيقةَ وأنّ النصرَ لا يعني الفوزَ بقدرِ  ما يعنيِ عددَ القتلى وحجم الخرابْ… وأنّ و وسامَ الشرف يعني أيضاً نهاية سيرةَ ومسيرة.  

 علمنيِ تولستوي أن التاريخَ لنْ يخلوا أيضاً من نزوةِ مؤرخ وكتابةِ لمنتصر وقهرٍ  لمغلوب ودماءِ ضحايا ومجدٍ لظالمْ.

تدور أحداث الرواية بين تاريخين مهمين 1805 إلى 1812 (وتقريباً سبع سنين تلتها) في حين كتب تولستوي الرواية سنة 1863 أي بعد أكثر من خمسين سنة من الأحداث فإكتملت المسودة الأولى للحرب والسلم في 1863. وفي الوقت الذي أكملت فيه النسخة المطبوعة، كان ما يقارب الثلث من مجمل العمل قد تم نشره في المجلة الأدبية تحت العنوان “1805”، إعتمد فيها تولستوي على عدة مصادر تاريخية من الجانبين الروسي والفرنسي وهذا ما مكنه من الاطلاع على معظم التقارير والمراجع والروايات وحتى شهادات لمن عايشوا المعارك، وبراعة تولستوي تكمن في رأيي في دقة إقحام شخصياته (الخيالية منها) في جلُ هذه المشاهد والمواقع وأحياناً مشاركتها في الفعاليات والأحداث، لهذا كنا نحن القراء على مقربة كبيرة بالأحداث وحتى بالنزاعات التي تحدث والتي لن نجدها في كتب التاريخ المزيفة.

– لنرى كيف يؤثر المحيط الأسري والمنشأ على الإنسان يجب أن نلقي نظرة على حياة تولستوي الخاصة، ولد ليو تولستوي في عام 1828م  جنوب مدينة موسكو من طبقة النبلاء (برأيي هذا ما ساعده على دقة الوصف والمعرفة بهذه الطبقة من المجمتع) فوالده هو الكونت نيكولاس تولستوي، وأمه الأميرة ماريا فولكونسكي، وكانت أسرة والدته من سلالة روريك (أول حاكم ورد أسمه في التاريخ الروسي) توفيت والدته عندما كان عمره سنتين، وقامت إحدى قريباته تاتيانا بمساعدة والده في تربيته واخوانه، وقضيا معا حياة سعيدة، ولكن توفي والد تولستوي في صيف عام 1837م، فتم وضع أطفاله تحت رعاية حاضن شرعي، وهي الكونتيسة الكسندرا أوستن، وفي عام 1844 ألتحق بجامعة كازان ليدرس اللغات الشرقية العربية والتركية، بغية أن يلتحق في النهاية بالسلك الدبلوماسي،  عندما وصل مع شقيقه إلى القوقاز عام 1851م، ما لبث أن أغرم بمشهد الجبال الجميلة هناك، وبعد تسعة أشهر من سفره انضم إلى الفرقة الروسية القوقازية في القتال ضد قبائل السهول التتارية، وقد سجل جانبا كبيرا من إنطباعاته التي كونها خلال تلك الفترة في روايته هذه لهذا يصور تولستوي  الحرب ببراعة و المعارك أيضاً من خلال هذه التجربة التي أفادته في أدبه.

رواية الحرب و السلم هذا المخلوق العحيب الذي مزج بين الرواية،  القصيدة والتأريخ، بين الأدب والفن، بين الانسان وبين الجماد الذي لا يحس بما حوله من أهوال الحرب، إنها حقاً وفعلاً لمخلوق عجيب.

آنه عمل ضرب عرض الحائط كل الأشكال المتعارف عليها من ألوان الأدب والكتابة وهو بذلك ليس له نظير،  إنها ثمرة خمس سنين من عمل متواصل عمل العقل والنفس الروسية بالأخص الذي يحملها هذا الدب الروسي ليو تولستوي (دب الأدب الروسي كما اسميه أنا) وأيُ  ثمرة هذه التي أينعت ولازالت تُقطفُ ثمارها كلّ حين بكثيرٍ من الدهشةِ والإعحاب لا لترصَّ علي رفوف المكتبات لتأكلها الغبرة بل لتنطلق جهاراً تُحاججْ من نسي أنه إنسان وسعى لقتل أخيه الإنسان، تولستوي يحاجج كل هؤلاء المتجاسرين الحاقدينَ على النوع البشري الساعين للدمار و إزالة الانسانية لهذا لا عجبْ أن نجدَه مرجعاً و قدوةً كل شخص عبرَ العالم ينادي بنبذِ العنف وإشاعة السلام وغاندي مثالاً لذلك.  

– لماذاَ كتابُ الحرب والسلم ليسَ برواية ولا بتاريخ، يقول تولستوي (أن المؤرخ يدرس الدور التاريخي الذي قام به الأبطال بينما الفنان يدرس أفعال فرد من الأفراد في جميع ظروف حياته فهو لا يرى أبطالا فقط بل بشراً أيضاً) تماما هي رواية الحرب والسلم، لسيت تأريخاً ولا قصة ولا رواية بمفهومها المتعارف، هي نظرة الفنان، نظرة تولستوي، لمرحلة من تاريخ شعب، أمة بعيون أشخاص عايشوا الأحداث، إكتووا بنار الحرب عن قرب وأصيبوا بطلقات من رصاصها وقنابل مدافعها الدامية، هي ما لن تجده في كتب التاريخ المزيف والمبهرج بالفخر أو حتى المزور الداعي للنقمة، وأيضا لن تجده في القصائد والروايات الحالمة الزاهية بالبطولات الخرافية، هي رواية إنسانية وعالمية بما تحمله الكلمة من معنى الشمول والأهمية للجنس البشري ككل رافضة بصفة أو بأخرى هذا الجرم الذي إبتُليَ به بنو آدم منذ أول خطيئة على الأرض وهي قتل الإنسان آخيه الإنسان، فحين يقول تولستوي ( …إن عقلناَ عاجز عن معرفة أسبابِ الحوادث التي جرتْ … إن حادثاً إحترقَ فيه ملايينُ البشر وقُتل فيه نصف مليون من الرجال لا يمكن أن تكون إدارة فردٍ هي سببه. فما هي الأسباب ؟!!
لقد إقتتلوا و قتلواُ لأن القتال أمرْ لا مفر منه، فكانوا حين يَقتتلون إنما يخضعون لذلك القانون الأوليْ القانون الذي يخضعُ له عالم الحيوان … ليس هناك جواب آخر نجيبُ به عن ذلك السؤال الرهيب) فهو يعني ذلك تماماً كيف يمكن أن نفهمَ معنى هذا ومغزى ذلك القتل الرهيب.  

تحملُ  الرواية بجانبِ طابعها التاريخي (غير تاريخ السلطة) جانباً إجتماعياً واقعي يصور فيه تولستوي حياة الطبقة النبيلة وكيف تنتقل حياة شخوصها بين المشاهد، بين صالات الرقص إلى ميدان المعارك والقتال بين حياة الترف والبذخ إلى زمن التقشف والفقر والإستدانة وهنا برأيي أنها رواية ركزت أو إهتمت بالطبقة النبيلة على حساب الطبقة الوسطى والفقيرة في روسيا القيصرية.

كما تجدر الإشارة إلى أن  تولستوي إستعمل اللغة الفرنسية في روايته الحرب والسلم في مقابل كان سرد الرواية ككل باللغة الروسية، وهذا كي يضعنا تولستوي في ميزة ذلك العصر وهو عكس للواقع فالأرسطوقراطية الروسية في القرن التاسع عشر كانت كلها تعرف الفرنسية وتتحدث بها غالبا فيما بينها، مفضلةً إيَّاها على الروسية، ثم نرى انه خلال الحرب مع نابيلون أصدر بيان و قرار بمنع استعمال اللغة الفرنسية وحتى بوضع غرامة مالية لمن يستعملها ثم بعدها نراه يستعملها  لتوصيف المكر والنفاق في حين أن الروسية تبرز كلغة الصدق والأمانة والجدية.

تتناول الرواية أيضاً الكثير من القضايا، الأسرة، الحب، الزواج والكثير مما يشغلُ تولستوي نفسه من قضايا الحرب والسلم، الخير والشر، الإرادة و كلها أتتْ في شكلِ حوارات جانبية أو حديث نفس لدا الشخصيات (شخصية الأمير أندريه والكونت بطرس)، (ماَ الذي يجبُ أن يعدَّ شراً وما الذي يجِب أن يعدَّ خيراً ؟ ماذا يجبُ أن نحبَ وماذا يجبُ أن نبغضْ ؟ لماذا ينبغِي للمرءِ أن يحياَ وما هيَ الذاتْ ؟ وما هي الحياةُ وما الموتْ ؟ وما القوة التي توجهُ كلّ شيء؟؟ لسوفَ تموتْ ذات يومٍ فينتهيْ كل شيءْ، سوفَ تموتُ و تكفّ عن آلقاءِ أسلئة  على نفسكْ ….)  (… و كما ان الشمس، ككل ذرة من الاثير، كوكب تام في ذاته، وهي في الوقت نفسه ذرة لا غير من كل لا يدركه الانسان في ضخامته، فكذلك كل فرد يحمل في ذاته اهدافه ومع ذلك فهو يحملها ليخدم اهدافا عامة لا يدركها الإنسان)  (و أما السؤال الرهيب: لماذا؟ الذي كان يدمرُ قديماً كل ما يشيدهُ فكره فلم يعدْ يَطرح نفسه عليه، كان الحواب الوحيدْ عن ذلك السؤال: لماذا؟ جاهزاً في نفسه الآن: لأن الله موجودْ، الله الذي لا تسقط شعرة من رأسِ الإنسان دون مشيئتهِ).

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.