فكر مختارات مقالات

بيتر هاندكه يروي سيرة التعب

بيتر هاندكه يروي سيرة التعب

بقلم: علــي حســـين

عندما اصدر الكاتب النمساوي بيتر هاندكه كتابه الصغير والذي عنونه بـ ” عن التعب ” – صدر عام 1989 – كان كمن يتنبأ بما سيحدثه التعب في حياة الناس في ظل ازمة كورونا ، فهو يصف مصير البشرية بانها تعيش لحظاتها الاخيرة من التعب الكوني الذي ستضطر الى ان تتصالح معه في النهاية . الكتاب الذي لا تتجاوز صفحاته الـ 50 صفحة ترجمته الى العربية د .رضوى عاشور ، يؤكد فيه هاندكه انه لم يصادف في حياته أي صورة تعكس تعب الطبقة المتوسطة :” إذ يبدو لي أن التعب لاينطبق عليهم ، فهم يعتبرونه سلوكاً سيئا ، مثل السير بقدمين حافيتين،كما أنهم يعجزون عن استحضار صور التعب ؛ لأن الأنشطة التي يمارسونها لا تمت له بصلة، أقصى مايمكن أن يصلوا إليه هو أن يبدو عليهم التعب ، لكن من منّا ليس كذلك ؟ ” .

الكتاب الصغير اراده بيتر هاندكه ان يكون اشبه بسيرة ذاتية مختصرة ، يقدم من خلاله نتفاً عن حياته التي كان التعب جزءا اساسيا فيها ، وهو يقول ان التعب لم يسمح له بالراحة في سنوات مراهقته :” فما إن كنت أنام فور استلقائي على السرير، حتى أستيقظ مع بزوغ الفجر، لأبدأ العمل من جديد. ازداد شعوري بالتعب يوما بعد يوم، فقد سلب مني ذلك العناء أساس إحساسي بالحياة لدرجة أن ضوء الصباح الباكر ونسيم الهواء العليل، تحولا إلى إشارة صريحة تنذر بعدم وجود أي مفر من ذلك الموت الحي”
يرفض هاندكه ان يطلق وصفا محددا على التعب ، فهو عنده تعب ياخذ اكثر من صفة منها التعب الخبيث ومنها ايضا التعب الطيب ، ويرتبط التعب الخبيث بما يصيب النفس من معاناة ، اما الثاني ” الطيب ” فهو يتعلق بالصعوبات التي نواجهها في الحياة من اجل استكمال مسيرة حياتنا وهذا التعب الأخير هو الذي يصنع حياتنا ويشكل ملامحها ، وهو يكتب ان هذا التعب الذي عاناه في حياته ، هو الذي جعل منه يواصل السير في اتجاه معاكس لكل البشر :” عشت حياتي غير متاح للمجتمع، ولكل من حولي ” .
القرّاء العرب يعرفون بيتر هاندكه جيداً حيث ترجمت العديد من أعماله الى العربية ، ، وقدوصفت لجنة نوبل عندما منحت جائزتها عام 2019 الى هاندكه ، أعماله بأنها “مؤثرة وتستكشف ببراعة لغوية حدود وخصوصية التجربة الإنسانية” ، والغريب إن هاندكه البالغ من العمر 78 عاماً والذي يتميز بقامته التي تشبه قامة الرياضيين وبشعره الأشيب كان قد هاجم جائزة نوبل للآداب قبل سنوات وطالب بالغائها فهي في نظره ” تكريس زائف لا يفيد القارئ بشيء ، إنها جائزة تزعجك ، فأنت تزعج نفسك لأنك تفكر في الأمر. إنه لا تستحق كل هذا العناء ، وفي الوقت نفسه أنت لا يستحق ذلك “.. ويرى البعض أن نيله الجائزة، جاء متأخراً، بعد سنوات عاشها الكاتب النمساوي وحيداً ومنعزلاً بعد اتهامه بتأييد صرب البوسنة، في الحرب اليوغسلافية، وعلاقته مع سلوبودان ميلوسوفيتش الذي طلب حضوره كشاهد أمام محكمة لاهاي، ورغم أن هاندكه لم يحضر المحاكمة، لكنه شارك في جنازة ميلوسوفيتش عام 2006 وألقى كلمة دفاع عنه ، ودفع الثمن بأن منع المسرح الفرنسي عرض أعماله المسرحية ، وسُحبت منه جائزة أدبية كان يفترض أن يتسلمها في ألمانيا، ووصفه حينها الروائي سلمان رشدي بأنه ” معتوه ” ، وبعد فوز هاندكه بالجائزة قال سلمان رشدي لصحيفة الغارديان : “ليس لدي ما أضيفه اليوم ، لكنني سأبقى على ما قلته سابقاً ” ، وحال سماعه بخبر فوزه بالجائزة سار وحيدا في احدى الغابات لمدة اربعة ساعات وبعد عودته للبيت قال للصحفيين :”يبدو الأمر وكأن العمل الذى أنتجته يرى النور الآن ” .

وُلد بيتر هاندكه في السادس من كانون الثاني عام 1942 في بلدة غرين كان أبوه عسكرياً يهوى قيادة السيارات ، لكنه سيكتشف وهو في المرحلة الثانوية أن هذا الرجل الذي يناديه أبي ، لم يكن والده الحقيقي ، فوالده الذي غاب قبل ولادته اسمه شونيمان وكان يعمل موظفاً في أحد البنوك ، تولّت أمّه تربيته وهي من أصل سلوفيني فتعلق بها كثيراً، وقد كانت طفولته قاسية ما جعله يراقب أحوال البؤساء من حوله : ” يجب أن يُضاف الشقاء الى الكتابة، لأن الرغبة وحدها غير كافية “.. قضى طفولته في حي من أحياء برلين التي كانت محتلة من السوفيت ، بعد ذلك عاد الى بلدته الأولى حيث قضى مرحلة الشباب فيها .. تخلى عن دراسة القانون بعد أشهر من قبوله في كلية الحقوق ، قال لوالدته إنه يعرف طريقه جيداً ” سأعمل كاتباً ” ، انضم الى مجموعة من الأدباء التقدميين ونشر عام 1960 أولى أعماله الأدبية رواية قصيرة بعنوان ” الزنابير ” ، لينتقل بعدها للعيش في المانيا ، وهناك تجرأ الشاب البالغ من العمر آنذاك أربعة وعشرين عاماً على حضور الاجتماع السنوي لجماعة 47 الأدبية الشهيرة ، في ذلك الوقت رأى فيه أعضاء الجماعة كائناً متطفلاً وهو بملابسه الغريبة وشعره الطويل ، حيث سخر من أعضاء الجمعية وأتهمهم بالعجز عن وصف العالم المحيط بهم ، ورأى في الجماعة مجتمعاً من البطاركة الذين وصفتهم الروائية إلفــريدة يلينك الحائزة نــوبل عام 2004 بـ ” الســاديين”.

في ذلك العام 1966 ينشر هاندكه مقالاً مهماً بعنوان ” أنا ساكن البرج العاجي ” وضع فيه وجهة نظره بالأدب الذي يسعى إليه :” ليست لدي موضوعات . لدي موضوع واحد فقط وهو أن تتضح لي نفسي ، وأن تزداد اتضاحاً ” وفي المقالة يؤكد على أن الأدب يجب أن يَعين الكاتب لأن يقول ” إنني كنت هناك .. إنني كنت في هذا العالم ” ويحدد هاندكه المنهج الأدبي الذي سيسير عليه :” إنني لا أريد أن اسمي الاشياء باسمائها ، ولكنني أريد أن لا تظل مستغلقة على الفكر . إنني أريد بالمنهج الذي اتبعه أن أجعل من الممكن التعرف عليه ” .. ويصر على ضرورة تحطيم التسلسل المنطقي للأحداث سواء في الرواية أو المسرحية ، :” لم يعد هناك ما يدعو لابتداع واختلاق نسيج قصصي يُحمل الى القارئ “.
في تشرين الثاني من العام 1971 ، يتعرض هاندكه إلى خسارة شخصية مؤلمه ، فوالدته البالغة من العمر 51 عاماً تنتحر ، وفي رسالة قصيرة تخبره بانها ” لا تستطيع الاستمرار في الحياة”. بعد بضعة أشهر يصدر كتابا صغيراً بعنوان ” الحزن وراء الأحلام: قصة حياة” يروي فيه علاقته بأمه وتعلقه بها ، قبل هذا التاريخ كان قد عرض مسرحيته ” الاساءة الى الجمهور ” والتي حققت نجاحاً كبيراً ، كان الممثلون فيها يخاطبون الجمهور ، لكنها تسببت باثارة الغضب بين أوساط المسرحيين ، فقد أصرّ هاندكه على إقناع الجمهور أن ما يشاهده على خشبة المسرح حقيقي وهو أشبه بـ ” صفعة من الحياة الحقيقية ” فالممثلون كانوا ممثلين وليسوا شخصيات ، وقد ألقوا خطابات بدلاً من الحوار. وفي بعض الأحيان ألقوا بإهانات على الحاضرين ، وسخروا منهم وقد وصف النقاد مسرحيته بأنها “سلسلة من الشعارات وكلمات السر التي لا صلة تربط بينها ” .

وفي العام 1967 قدم مسرحية قصيرة بعنوان ” صيحات النجدة ” وصفها النقاد بانها قطعة كلامية يلقيها متكلمون وقد قدم لها بمقدمة قال فيها :” من الممكن أن يشترك في تأدية هذه القطعة أي عدد من الأشخاص ، ومهمة هؤلاء الأشخاص المتكلمين هي أن يبينوا الطريق الممتدة فوق الجمل الكثيرة والألفاظ الكثيرة الى الكلمة المطاولة وهي كلمة النجدة” ، يؤمن هاندكه ان اللغة هي الشكل :” والشكل هو الثبات، لأنه خلاف ذلك لا يوجد دائم في الوجود الإنساني ” .

عام 1968 ، يفوز بجائزة جرهارت هاوبتمان المسرحية، وفي نفس العام يقدم مسرحيته الشهيرة ” كاسبر ” – ترجمها الى العربية مصطفى ماهر – وفي هذه المسرحية لا يتمرد هاندكه على المسرح تمرداً كاملاً ، فهو يستعمل الحركة المسرحية والبانتومايم ويقدم حكاية مسرحية مفهومة .. وقد عدت كاسبر من أهم أعماله المسرحية حيث يتناول فيها محنة الإنسان الذي يأتي الى الحياة كصفحة بيضاء لا يعرف شيئاً عن نفسه و لايعرف شيئاً عن العالم ، تحيط به مؤثرات المجتمع وبخاصة اللغة ، فيؤدي به الكلام المنهمر حوله الى أن يتعلم الكلام ، ثم يندمج في المجتمع ويرتبط بالواقع الى أن يكتشف الوهم الكبير : كلما زاد وعيه وارتباطه بالمجتمع ، كلما زادت شكوكه في العالم المحيط به ، واتضح له أن الصدفة هي التي تحكم هذا النظام .

عام 1969 يصدر أول مجموعة من القصائد القصيرة بعنوان “العالم الداخلي للعالم الخارجي من العالم الداخلي” ، بعدها ينشر روايته ” ، قلق حارس المرمى في ركلة جزاء ” وفيها يروي قصة شاب مرتبك شديد الفوضى ، يرتكب جريمة قتل لا معنى لها ، والرواية تتناول موضوعات الوحدة والشعور بالعنف والنفاق الاجتماعي وهي الموضوعات التي نجدها في جميع أعمال هاندكه والتي صدرت على التوالي المرأة العسراء ، الشقاء العادي ، رسالة قصيرة للوداع الطويل ، محنة ، الحادث الكبير والتكرار والتي أراد من خلالها أن يطبق نظريته في الأدب والتي يلخصها بقوله :” الأدب هو اللغة في اللغة، اللغة التي تتقمص، أكتب مع النفَس، لاكتشاف المقدّس، مقدس الحياة. أظن أنني رومانتيكي حازم، يثني على الذاكرة ” .

كان بيتر هاندكه مغرم بكتابات الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتغنشتين الذي كان يقول : ” إن اللغة لا تزيد عن لعبة ” ، وقد اكد فتغنشتين في فلسفته أن اللغة في أحسن أحوالها تصور الواقع، ولكن ليس من واقعة مرتبطة بأخرى بأي وسيلة من الوسائل، وهذا يعني أن اللغة وهم، ولعل أفضل ما فيها أنها قناة تواصل ، ولكن من خلال الاستعمال فقط ، فالكلمة لا تحمل المعنى ، بل نحن من يشحنها بالمعنى .. يكتب هاندكه أن :” اللغة هي دليل قائم على الحياة. ليس فقط بالنسبة لي ككاتب، ولكن أيضًا لمن يمتلك اللغة. معظم اللغة التي تعد لغة لم تعد كذلك.

نعثر في روايات هاندكه على صور شعرية واضحة ولقطات كأنما التقطتها كاميرة سينما ، فقد احتلت السينما مكاناً خاصاً في تجربته الأدبية حيث ارتبط اسمه مع صديقه المخرج فيم فيندرز بفيلمين مهمين هما ” أجنحة الرغبة” ١٩٨٧ و” الأيام الجميلة في أرانغوي” ٢٠١٦ .

خلال مسيرته الأدبية التي امتدت لأكثر من نصف قرن، تمكّن هاندكه من أن يصبح واحداً من أبرز الأصوات التي تكتب باللغة الألمانية في خريطة الأدب العالمي.

يصف نفسه بانه الملك وفي حوار اجرته مع الكاتبة والصحفية اللبنانية جمانة حداد يقول :” انني مقتنع باني الملك ، وبان الادب واللغة والكلمات مملكتي ، كا من يجرح الكتابة يجرحني شخصيا وتنتابني الرغبة في طرده من بيتي ، ثمة عدد هائل من الكتاب المزعومين الذين يعتدون على الكتابة “. تنوّعت إبداعاته بين كتابة الشعر، والرواية، والمسرحيات، والقصص القصيرة، والمقالات. .وقد حصد العديد من الجوائز الأدبية أشهرها جائزة جورج بوشنر عام 1973 وجائزة فرانز كافكا عام 2009 وجائزة إبسن الدولية عام 2014 .

ورغم أهمية بيتر هاندكه الأدبية باعتباره واحداً من أبرز كتاب العصر الحديث إلا أن منحه جائزة نوبل أثار الكثير من اللغط بسبب آرائه السياسية المثيرة للجدل، حيث أعرب الناقد رون شارليز، في صحيفة الواشنطن بوست، عن استيائه من الجائزة قائلًا “هذه ليست الطريقة المثالية لإظهار الحكم الجيد أو لاستعادة الثقة، إنها مجرد حيلة صماء أخرى من قبل مجموعة من السويديين الذين يستحوذون على انتباه غير متناسب وغير مستحق من العالم.”

فيما أصدرت الروائية جينيفر إجان ، رئيسة منظمة الأدب وحقوق الإنسان ، بياناً قالت فيه :”لقد صُعقنا باختيار كاتب استخدم صوته العلني لتقويض الحقيقة التاريخية وتقديم خاضع علني لمرتكبي الإبادة الجماعية ، مثل الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفيتش وزعيم صرب البوسنة رادوفان كاراديتش”. واضافت “نحن نرفض القرار الذي يستحقه الكاتب الذي دأب على التشكيك في جرائم الحرب الموثقة توثيقاً كاملاً ، على الاحتفاء” ببراعته اللغوية “. في لحظة تصاعد القومية والقيادة الاستبدادية والتضليل الواسع النطاق في جميع أنحاء العالم ، يستحق المجتمع الأدبي أفضل من هذا. نحن نأسف بشدة لاختيار لجنة نوبل
يكتب في ” عن التعب :” أردت أن أثبت أنني قادر على قول شيء ما عن التعب. في دراستي، قارنت بين كيفيّات تعب مختلفة. كان هدفي هو إظهار وجود إرهاق أساسي ومفيد لأنه يزيدك ويمنحك إمكانية الوصول إلى العالم. أما بالنسبة إلى اليوم الناجح، يبدو لي أنه يكمن في معركة بين الفراغ السعيد والعمل السعيد. أنا حذر من موقف فاوست ، الذي يريد أن يكون نشطاً ويبحث عن السعادة في النشاط. لا أعتقد أن اليوم الناجح يمكن تخصيصه بالكامل للعمل. لكنني لا أشيد بالتأمّل أيضاً. في الحقيقة، بالنسبة لي، فإن اليوم الناجح هو اليوم الذي ينجح في حل التناقض بين الفعل والتأمّل ” .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.