سياسة مختارات مقالات

مستقبل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الكورونا

مستقبل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الكورونا

(نظرة استشرافية)

بقلم/ رزان السعافين

لقد عملت جائحة كورونا على إثارة إشكاليات كثيرة في مختلف مناحي الحياة، ليس فقط على صعيد أنظمة الدول، بل بعلاقاتها فيما بينها أيضا.

يتساءل الكثير حول إن كان العالم سيشهد تحولات جديدة في بنية النظام العالمي أم لا، ويعتبر الكثير أن التغير شيء طبيعي وفقا لفلسفة التعاطي مع الأزمات الكبيرة ودرجة مواجهتها بين دولة وأخرى، حيث يأتي شيوع ظهور الصين إلى العالم كقوة مهيمنة أمر سائد بشكل سريع ملحوظ.

وهذا مؤشر قوي لتخوف تراجع قوة الولايات المتحدة كقوة مركزية أحادية القطب، أو ظهور ما يسمى بتعدد الأقطاب بين القوى المهيمنة في العالم، ليتبرمج الكوكب على هذا النظام العالمي الجديد القادم بعد كورونا. ولعل التفكر بالأمر، برغم المعطيات المشيرة إلى تصاعد الصين تدريجيا، لكن هل ستتزاحم مع الولايات المتحدة أم تطيح بها أم تتساوى معها، وهل الصين قادرة على قيادة العالم؟

نشأة النظام الدولي بين الانهيارات والتحولات

لقد هيمن الغرب ردحا طويلا من الزمن سالكا وحده جنة الهيمنة، وإذ بأزمة كورونا تجعله يعيش نار الهيمنة ليؤمن العالم أن لا قوة مستمرة في أصناف الدول سوى من تواجه الأزمات وتهيمن على تداعياتها. فالسياسة الدولية تعيش الانهيارات الحالية بشكل يفوق إرادة الكثير، وهذا وإن كان صعبا على كل من دول الغرب والشرق، لكنه بمنحى إيجابي هو تعزيز لوجود الهيمنة الشرقية أو منافستها للغربية، واستغلال الفرصة الأشد أثرا للتغلغل في التخلص من السيطرة الماضية.

يشير أليسون غراهام في كتابه حتمية الحرب بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة: “أنّ نصيب الصين من الاقتصاد العالمي ازداد بسرعة من 2 في المية عام 1980 إلى 18 في المية عام 2016، وهو في طريقه لكي يصل إلى 30 في المية من الاقتصاد العالمي في العام “2040.

فالنقاشات الحاصلة حول هذه التحولات والتغيرات الحاصلة في النظام العالمي تسودها التخوفات من ظهور أزمات جديدة أو متجددة ولن يوقف الزمن تعاقب تلك الأزمات إذا تداخلت العوامل السياسية والاقتصادية وغيرها على مستوى العالم.

لقد كان على غرار التحول العالمي الجديد تحولات عالمية أخرى في التاريخ، مثال ما حدث في القرن 19م، حينما هيمنت المملكة المتحدة “بريطانيا” على النظام الدولي، وظهور قوى متعددة الأقطاب بعدها حين انتهاء الحرب العالمية الأولى عام 1914م بين أقطاب في آسيا وأوروبا، وأيضا كما حدث في الحرب العالمية الثانية التي انتهت حينما تدمرت مدينتا نجازاكي وهيروشيما بالقنبلة الذرية، وبرزت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وتراجع دور المهيمن البريطاني والفرنسي، وكان النظام العالمي آنذاك بين قطبي الشيوعية والرأسمالية، وانتهى بانهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، بعد الحرب الباردة ومن ثم سيطرة الولايات المتحدة مع نهاية القرن الماضي وإلى الآن؛ ويتضح أن هيمنة الولايات المتحدة على وجه التراجع ليدخل العالم بتحول جديد واضح مختلف تماما في شتى المجالات.

وعلى صعيد عمل المنظمات الدولية سابقا، التي هي وليدة الحرب الباردة وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، فإن ليس لها فاعلية بشكل كبير ولم تثبت تلك الفاعلية في مختلف الأزمات الدولية ومنها القضية الفلسطينية، وقضية كشمير، وحرب العراق، والبوسنة وغيرها.

أما الشركات العالمية مرتبطة بالتأثر الاقتصادي وركوده وانهياره بين دولة وأخرى، وهو المعضلة الأوضح لإحداث تحول للهيمنة بين دولة وأخرى، فجائحة كورونا أصابت دول العالم كافة، خلاف الأزمات السابقة سواء كانت اقتصادية بشكل مباشر أو أخرى أثرت على الاقتصاد من حروب وغيرها.

نشر مركز الأبحاث الإستراتيجية (سام) التابع لوزارة الخارجية التركية دراسة موسعة لما بعد أزمة كورونا، قدم فيها رؤية استشرافية لمستقبل النظام العالمي، في الجانب السياسي والطبي والاستخباراتي، ومستقبل العولمة والذكاء الاصطناعي.

ويرى رئيس مركز الأبحاث الإستراتيجية في وزارة الخارجية، أوفوق أولوتاش، أن حجم الأزمة وإن لم يصل إلى مستوى الحرب العالمية الأولى أو الثانية، أو الحرب الباردة، فإن الآثار الناجمة عنه ستكون مساوية للأزمة الاقتصادية في 2007-2008، أو هجمات 11 سبتمبر على الأقل.

وأشار أولوتاش في البحث الذي أشرفت عليه وزارة الخارجية، وشارك في إعداده أكاديميون ورؤساء مراكز أبحاث تركية، إلى أن أزمة كورونا هي الأولى من نوعها، حيث لم تعتد دول العالم على مواجهة أزمات شبيهة في تاريخها.

واقع النظام الدولي في الألفية الثالثة:

إن ظهور وانتشار فيروس كورونا أظهر حالة من الهلع البشري من ظهور الضعف والعجز في السيطرة التامة عليه، هذا رغم كل التطورات التكنولوجية والعلمية، خاصة بعد عبوره للحدود.

إن هذا التهديد الخطير الحاصل في العالم يبرز تهديدات أخرى في القوى المواجهة له، ومن هنا يبرز دور ما يساعد من عوامل في تشكيل النظام الجديد.

كثير من الأقوال ظهرت عن مؤامرة حول فيروس كورونا بأنه قصدي للإطاحة بالنظام العالمي الحالي، وهناك من اعتبروها توظيفا سياسيا لهذه الفرضيات، أو هروب من إيجاد حلول للأزمة ككل من أجل التحدي الكبير في مواجهتها.

وإن تصاعد نمو الهرم الاقتصادي الصيني السريع سيحوّلها لقوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية، رأسا برأس وهذا يقلق الولايات إن لم تتدارك أمرها ببقاء الهيمنة أو التعاون العالمي وتقبل وجود قطب آخر بتبادل المصالح أو تشاركها.

النظام الدولي

إن عوامل سقوط الولايات المتحدة الأمريكية لهو تحت طابع الفرضيات أيضا، لأن لديها ما يكفيها من قوة عظمى في التكنولوجيا والصحة والعلم لمواجهة أكبر الجائحات؛ لكن التعنت السياسي الدولي يجعلها في أرجوحة السقوط في نظر الدول الأخرى، خاصة بعد الخروج من العديد من الاتفاقيات والمنظمات الدولية في عهد الرئيس دونالد ترمب.

ومن الجدير ذكره أن العولمة بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية عملت على تحول كبير في تاريخ البشرية، وينعكس ذلك على مختلف مناحي الحياة.

وعليه فإن المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية لم تستطع للحظة إثبات كفاءتها للحد من تصاعد وانتشار الفيروس، وهذا يعزز من بروز منظمات أخرى بشكل جديد أكثر فعالية.

يتضح مما سبق، ووفقا للمعطيات الحالية أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية نهاية العام سيكون لها أثر بالغ في تحول أو تبدل النظام الدولي بشكل بطيء أو سريع. ومع تراجع القوة الأمريكية خلال العقدين الماضين، وبروز أهمية الاقتصاد كدور فاعل في التغيرات الدولية، ومنافسة الدول الكبرى في ذلك، فهناك معطيات لظهور كيانات لنظام دولي متعدد الأقطاب، فلم تعد الولايات المتحدة القوة المهيمنة اقتصاديا وبالتالي سياسيا، فأن تلعب وحدها في ملعب القوى بدون منافس؛ أضحى شبه معدوم، هذا مع عدم إنكار قوتها العسكرية المهيمنة بها.

وبرغم أن الولايات المتحدة ما زالت أيضاً الاقتصاد الأكبر في العالم، بناتج محلي إجمالي بلغ عام 2018 نحو 21 تريليوناً، بينما الصين بلغ ناتجها المحلي الإجمالي في العام نفسه نحو ثلاثة عشر ونصف تريليون، فإن سرعة النمو في فترة وجيزة نسبياً في الصين، هو التحدي الأكبر للهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة.

وإذا استمر فيروس كورونا فإنه سيقلب الموازين رأسا على عقب، ليس على صعيد الاقتصاد للقوى المهيمنة فقط، بل أيضا السياسة كونها المحرك لعجلة الاقتصاد ومكملة له، ولا بديل عن الآخر في تنافس الأقطاب.

وعليه تعمل الصين على المحافظة قدر الإمكان على تقدمها وسط التحديات الحاصلة بانتشار الوباء، وتسعى أيضا لجعل العالم أكثر التفاتا لها من خلال تقديمها المساعدات الإنسانية لبعض دول أوروبا، فضلا عن تأثيرها السياسي في علاقاتها الدولية، أنها تنمي مصادر قوتها دون الإطاحة بالغير، بغض النظر انهارت القوى الأخرى المنافسة أو استمرت، لتتعدد الأقطاب وتتعدد الدول الموالية أيضا، ولا مانع لديها من ذلك كونها لا تتفوق في كل المجالات ومنها العسكرية.

وها هي جميع مجالات الحياة تتبرمج وفق القوة الصاعدة، لرسم سياسات جديدة يتبلور العالم فيها لنظام جديد، فالمرونة في تقبل أي شيء هو عنوان الرشد والسلامة لأي دولة وفقا لمصالحها ومنافعها، خاصة دول العالم الثالث؛ في تقبلها وانضمامها لقوة القطب الذي تنتمي إليه.

فإن كانت هناك قوة أحادية متمثلة بالصين أو الولايات المتحدة، أو ثنائية بينهما، أو تعدد الأقطاب في دخول روسيا وكوريا إلى هذا الحيز من التنافس الدولي، فالعالم سيتخذ منحى أصعب من عصور تاريخية سلفت، لأن العولمة ستخضع لسياسات متعددة، وربما مع التعدد سندخل في حرب باردة جديدة بنكهة التكنولوجيا أو بيضاء تخلو من الأسلحة، يسحق بها أحد الأطراف منافسه تلبية لنداء النظام وحكمه وهيمنته في تاريخ الأجيال.

 

النظام العالمي القادم “استشراف المستقبل:

 

يكمن التخوف الأكبر أن تنتهي هذه الجائحة بالتنافس الحاصل بين القطبين الذي يقودهما إلى مواجهة حربية على مستوى عالمي وفقا لتحليلات ومعطيات كبيرة يخشاها العالم، ولا يريدها.

فما يطرح حول النظام العالمي الجديد، هو بتراجع النظام الأحادي الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة، ليحل بدله النظام الإمبريالي بقيادة الصين. فضلا عن طرح آخر حول روسيا التي تسعى لتوسيع نفوذها، وهكذا تتسارع الأقطاب للسيطرة والهيمنة وفرض سياسة الأمر الواقع.

يقول د. وليد عبد الحي: “يفرز المشهد الدولي القادم بعد كورونا (كوفيد 19) التعرج أو التلكؤ، وقد يفرز مظاهر لم تألفها البشرية، لكني أميل إلى أنه لن يزحزح الاتجاهات الأعظم الأربعة عن مواصلة المسيرة، فلن تتوقف الزيادة السكانية (عند مقارنة عدد المواليد بعدد الوفيات حتى مع كورونا)، ولن يتوقف التراكم العلمي (فالعقل البشري قلق بطبيعته ولن يستقر أمام أي جديد، بل سيلاحقه للفهم والتكيف بل والتوظيف)، ولن تتراجع شبكات التواصل والاتصال بين الأفراد والمجتمعات، بل سيتم رتق أي فتق أصابها وعلى عجل، وأخيراً لن تتوقف ثنائية الصراع و”المماحكة” التاريخية بين الإنسان والإنسان وبينهما وبين الطبيعة وما ورائهما”.

وهذا يوضح أنه برغم التغيرات العالمية لكن هناك ركائز أساسية تستمر، والتعاطي مع تلك الركائز هو محور المنافسة بين الأقطاب والقوى. وعلى صعيد الدول ككل، فمن المعروف أن الدول الضعيفة غير المتمكنة من حماية شعوبها من الفيروس ستستمر بها التبعية أو أعمال التمرد تجاه السياسة الحكومية وتقاعسها واتكاليتها، وستكون مرمى لدول عظمى تتحكم بها، وهذا خلاف الدول القوية التي ستكون ضمن دول الهيمنة في النظام العالمي الجديد؛ لقدرتها على مواجهة أزمة الجائحة.

إن التحولات الحاصلة القادمة ستتبلور وفقا لوتيرة الاقتصاد بين قطبي الصين والولايات المتحدة، أو الأقطاب المتعددة، وذلك حسب سيناريوهات مختلفة من تفوق قطب في أحد المجالات يعقبه تفوق قطب آخر في مجالات أخرى. فعلى صعيد الشركات متعددة الجنسيات، فهناك شركات تأثرت بركود السوق فترة العزل الصحي، وأخرى استمرت، مما أدى إلى خسارة العديد منها تأثرا بالظروف.

ومن الشركات أيضا شركات الطيران والنفط والسيارات العالمية التي تأثرت أيضا بانخفاض الأسعار عالميا، مما سيجعلها تلجأ للتحالفات الدولية والدمج مع شركات أخرى لتبقى في السوق حاضرة ومستمرة. ومن الطبيعي أن التبادل والتنقل التجاري سينكمش بالتدريج، وإذا استطاعت دولة تعويض شركاتها فإنها تحمي بلادها من الركود الاقتصادي الحاصل ولو بشكل جزئي.

ويبدو واضحا أن القادم سيشهد شركات متعددة الجنسيات تختلف عما هو الآن، ومن المتوقع اعتماد البنوك الالكترونية، والعملة الدولية الموحدة بشكل جديد لم يسبق له شكل.

كل ذلك يقود إلى تغيرات أخرى في شكل الأنظمة السياسية والاقتصادية وما يعقبها من تحولات وتكتلات وتحالفات اقتصادية، وربما يهتدي العالم إلى حوار متمدن للتعاون الدولي للخروج من الأزمات بشكل جماعي موحد.

ويتوقع أيضا أن تتغير طبيعة عمل المنظمات الدولية السابقة التي نجمت عن النظام الأحادي للولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، نظرا لعجز إدارتها عن مقاومة جائحة كورونا، وقد يتم في المستقبل تمويل وجعل تلك المنظمات أكثر استقلالية في خدمة الناس حول العالم.

ويتضح أن المؤسسات الدولية ستزيد من تأثيرها ودورها الفاعل بشكل تعاوني بعيدا عن تفرد دولة دون أخرى في مختلف المجالات وعلى رأسها الاقتصاد، فالقوة الدولية ستتوزع على محاور دولية متمثلة في القوى الصناعية الكبرى السبعة، أو القوى الاقتصادية الكبرى العشرين.

واستعراضا لما سبق، فمن المحال تغيير النظام العالمي بسهولة، فمختلف الأقطاب أو القوى المتفوقة عالميا لا ترغب أحدها في قيادة العالم، وتحمل تكاليف ذلك، بما فيها الصين ذاتها، فهي بلا شك قادرة على الإطاحة بالولايات المتحدة الأمريكية، كونها تمتلك 52% من الأسهم والسندات الأمريكية؛ لكنها تبتعد عن ميدان مواجهة القطب الآخر للصعود بدله، لأنها في واقع الحال غير مؤهلة بشكل كامل لقيادة العالم خاصة أنها لا تتمتع بالكيانات الثقافية التي تركز عليها من عادات وتقاليد ولغة وجغرافيا. أما الولايات المتحدة فهي تحاول أن تتبرمج وفق المتغيرات، وإن حدث تعدد أقطاب في النظام العالمي الجديد، فهو بالنسبة لها أمر مقبول لكن دون التأثير على مصالحها؛ ويتضح ذلك مثلا من انسحابها من أجزاء من الشرق الأوسط، ومنها يسوريا لصالح روسيا، القطب الثالث المتمرد، واصبحت أيضا الولايات تعتمد مؤخرا على الوقود الحجري بعد النفط الخليجي. وهذا يعكس أن النظام العالمي لا زال يتبلور وفقا لقوى اقتصادية عملاقة تتماشى مع بعضها على التوازي، ولا سيطرة لطرف على آخر في قيادة العالم.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.