أدب و تراث مختارات مقالات

رسالة امرأة مجهولة

رسالة امرأة مجهولة

بقلم: أ.د. عادل الاسطة

مرة نشرت في جريدة الأيام مقالا عنوانه “رسائل امرأة مجهولة”، وثانية نشرت تحت العنوان نفسه في موقع “رمان” الالكتروني. وللكتابة في المرتين قصة.

كانت تأتيني في المرتين رسائل بلفونية من جهة مجهولة تختفي وراءها أنثى ترفض الإفصاح عن نفسها وكنت أحيانا كثيرة  “ألاحق العيار لباب الدار” فأرد عليها، وغالبا ما كنت أرد بأدب جم، ثم مللت وملت المرسلة وتوقفت الرسائل التي فرغتها وصغتها في مقالين.

الرسائل هذه ليست الرسائل الوحيدة التي كانت تكتب إلي، فقد تواصلت معي فتيات معروفات الاسم وكتبن لفترة طويلة، ومرة قلت لأحداهن إنني سأوظف رسائلك في نص أدبي إن لم يكن لديك مانع، وسألتها عن رأيها، طالبا موافقتها، فما اعترضت إن كان ما سأكتبه نصا أدبيا – أي إن وظفت الرسائل لإنجاز نص أدبي، وقد فرغت رسائلها وإلى الآن لم أنجز النص الأدبي.

تذكرت تلك الرسائل وأنا أتابع الضجة التي أثارها مقال سليم بركات “أنا ومحمود درويش”، وتذكرت قصة طويلة للكاتب الألماني (اشتيفان زفايج) عنوانها “رسالة من امرأة مجهولة”  Brief einer Unbekannten)، فالسر الذي أعلنه بركات وبدا غريبا في مجتمعنا العربي، صاغه الكاتب الألماني في قصة.

في ٢٢ أيلول ١٩٨٩ اشتريت الأعمال القصصية الكاملة ل (زفايج)، فقد صدرت معا، في ٩٩٦ صفحة، عن دار نشر “فيشر” (Fischer) تكريما للكاتب، وبيعت بسعر زهيد يشجع الجمهور على اقتنائها، وبلغ في حينه عشرة ماركات – أي ما يعادل عشرين شيكلا.

في تلك الأيام كانت عائلتي غادرت ألمانيا عائدة إلى عمان وصار لدي فائض من الوقت يسمح لي بإنفاق بعض الوقت في قراءة نصوص أدبية غير النصوص التي أقرأها لإنجاز رسالة الدكتوراه.

ما إن اشتريت الأعمال القصصية ل (زفايج) حتى بادرت بقراءة قصة “رسالة من امرأة مجهولة”، وإن كانت طالبة ألمانية تدرس الاستشراق، اقترحت علي أن أقرأ قصة “لعبة الشطرنج” (Schachnovelle) و”ليلة ساحرة (Phantastische Nacht).

وظلت فكرة القصة التي قرأتها في ذاكرتي، وكنت وظفتها مرة في روايتي “الوطن عندما يخون” ١٩٩٦، ثم غابت عن ذهني إلى أن ألحت علي مؤخرا، فاقترحت على بعض الكتاب قراءتها وفعلوا وتأثروا بها.

تحكي القصة التي تقع في حدود مائة صفحة، وكتبت بأسلوب الرسالة، فكانت المرأة هي المؤلف الضمني، و(زفايج) هو الكاتب الحقيقي، تحكي على لسان المرأة قصتها وقصة الكاتب الكبير.

أقام الكاتب الكبير علاقة جنسية عابرة مع المرأة أسفرت عن ولادة طفل، ولم تعلم الأم الكاتب بالأمر، فهي لا تريد أن تزعجه، ثم مرض الطفل وأوشكت على الموت، فاحتارت الأم في أمرها ووقعت في الحيرة: أتخبر الكاتب بما يلم بطفله وتشغله عن كتابته التي تفرغ لها أم تتركه يكتب ؟

وتكتب الأم رسالة مؤثرة جدا.

كنت مرة اعتمدت على مقولة ل (يونغ) يبدي فيها رأيه في الأعمال الأدبية حيث يرى أنها صدى لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر، ف “هاملت” ل (شكسبير) و”السراب” لنجيب محفوظ تعالجان فكرة قديمة ظهرت في الأسطورة. هنا أسطورة “أوديب” التي كتبها الكاتب الإغريقي.

هل ما كتبه سليم بركات عن محمود درويش، وما كتبه (زفايج) ليس إلا إعادة صياغة لأسطورة قديمة مثلا تتردد في حياة البشر ؟

ربما بالغت في الأمر !

ما كنت أرغب في الخوض في مقال سليم بركات والسر الذي أفشاه، فأقام الدنيا ولما يقعدها، وسئلت لأبدي رأيي، بل وطلب مني أن أكتب مقالا في الموضوع.

شخصيا لم أنشغل بصدق الخبر أو كذبه، قدر انشغالي بموقف المناهج النقدية من التطرق لحياة الكاتب الشخصية.

يمكن هنا الإشارة إلى ثلاثة مناهج تجيز ذلك وتعتمد حياة الكاتب الشخصية في دراسة أدبه، فالمنهج الوضعي لا يفصل بين المؤلف ونصه، والمنهج النفسي لدى قسم من أتباعه، مثل (ادموند ولسون) يدرس سيرة الأديب ويعتمد عليها في تفسير أثاره، ولا يختلف المنهج الاجتماعي الماركسي الذي يدرس سيرة الكاتب، منطلقا لدراسة أعماله ومواقفه وسلوكه.

وتختلف عن هذه المناهج المناهج النصية التي لا تكترث لحياة الأديب، فما يعنيها بالدرجة الأولى هو نصه وجمالياته وترابط أجزائه.

كان الناقد العربي اللبناني ميخائيل نعيمة في كتابه “الغربال” كتب مقالا عنوانه “الغربلة” أتى فيه على موقف الناقد من حياة الكاتب، ورأى أن من حق الكاتب أن يعيش ملاكا أو شيطانا، فهذا شأنه الخاص، وما يهم الناقد هو نص الكاتب.

شخصيا أرى أن السر الذي أفشاه بركات قد يفيدنا في إعادة قراءة كتابات درويش وتفسيرها وفق مناهج لم تطبق حتى الآن في دراسة حياته وأعماله وأهمها – أي المناهج – هو المنهج النفسي، والأمر ينسحب أيضا على سميح القاسم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.