سياسة مختارات مقالات

المطبعون الخليجيون في ورطة أمام عجرفة الكيان المحتل!

المطبعون الخليجيون في ورطة أمام عجرفة الكيان المحتل!

بقلم: هبة داودي – الجزائر

يجد التيار الداعي إلى التطبيع مع الكيان المحتل صعوبات جديدة، على خلفية سياسات هذا الأخير في التنصل من كافة التعهدات والالتزامات السياسية، بل والتمادي في الاعتداءات والتوسع الاستيطاني، آخرها تلك المتصلة بمشاريع ضم غور الأردن، إلى جانب ضم جزء من الضفة الغربية، وهو السلوك الذي يضع التيارات والتوجهات التطبيعية مع الكيان، في وضع غير مريح، لأن كل المبررات المرتبطة بالترويج لسلام الشجعان، وكذا السلام القائم على مقايضة الأرض، ومبدأ حل الدولتين، تنتفي مع ما يحدث اليوم.

ورغم تجاوزات الكيان المحتل على أكثر من صعيد، فإن المسار الرسمي الخليجي يشهد منذ ثلاثة سنوات بالخصوص، تسارعا في نسج علاقات معه، فالتقارب الرسمي في عدد من العواصم الخليجية اتخذ أشكالا عدة، على غرار زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتيناهو لعمان، وتنظيم اجتماعات متعددة الأطراف، كما حصل في عاصمة البحرين المنامة، واجتماع وارسو في بولندا، ومشاركة الكيان المحتل في تظاهرات ثقافية وفنية وأخرى رياضية خليجية، وزيارات وفود الكيان لهذه الاخيرة، ناهيك عن الانخراط في مشاريع مثل “صفقة القرن”، الذي روج لها الرئيس الأمريكي الجمهوري دونالد ترامب، من خلال صهره جاريد كوشنر، بعد أن وجد الباب مفتوحا على مصراعيه، خاصة عقب نقله لسفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس المحتلة، دون أن يواجه اي رد فعل حقيقي من قبل الأنظمة العربية والإسلامية، ليكتفي الجميع ببيانات تنديد وشجب واستنكار، وكأني بالقدس يتحرر بمجرد كلمات مكتوبة على الورق، وهو الأمر الذي سمح لترامب بالتمادي أكثر، من خلال سلسلة من القرارات التي تصب في صالح الكيان، وتضرب القضية الفلسطينية في العمق.

ويعكف التيار التطبيعي على ترسيخ توجه تأهيل الكيان المحتل في المنطقة، واعتباره طرفا كامل الحقوق في منطقة الشرق الأوسط، من خلال اللقاءات والاجتماعات متعددة الأطراف، مع التركيز على الفصل بين مشاكل المنطقة المرتبطة بسياسات الكيان في حق الفلسطينيين، وبين واقع الكيان كدولة قائمة ومؤثرة في الشرق الأوسط، يتعين التعامل معه، بحجة واهية تعمل العديد من الأطراف على إقناع الشعوب العربية والإسلامية بها، وهي “مكافحة الإرهاب”، ما يطرح السؤال حول ما هبة الارهاب، ومن هو الارهابي الحقيقي؟ هل هو الطفل الفلسطيني التوحد إياد الذي اغتاله الكيان بكل وحشية؟ أو هي الممرضة رزان اليت لحقت حتفها على يد المحتل؟ أو هو الشاب الفلسطيني الذي لم يجد أمامه إلا حجرا يضرب به ذلك الجندي الذي انتهك عرض نساء بيته؟ أو ذلك تلك الفتاة التي ارتأت مواجه ذلك المغتصب للقدس المحتل؟

وعلى مثل هذه المقاربة هي التي كانت دافعا أمام وزير الدولة، والسفير الإماراتي في واشنطن، يوسف العتيبة لكتابة مقال في احدى أكبر جرائد المحتل “يديعوت أحرنوت”، والتي تبقى من بين أكثر الصحف انتشارا في الكيان، وجاء المقال باللغة العبرية، رغم أن الصحيفة تصدر بنسخة انجليزية، وحتى عربية، وهو مؤشر على أن الرسالة موجهة للكيان المحتل حصرا، وقد تضمنت عبارات تودد من مسؤول عربي، من قبيل اعتبار الكيان “فرصة وليس عدوا”، و هو الخطاب الذي يتم تطويره خليجيا بالخصوص، منذ فترة، على أساس أن الكيان ليس بالضرورة عدوا، بل يمكن أن يمثل حليفا داعما ضد ما يعتبرونه تهديدا ايرانيا.

ولم يجد المسؤول الاماراتي، سوى التنبيه أن خطوة ضم الكيان المحتل لجزء من قطاع غزة، يمكن أن يقوض مساعي التقارب والتطبيع، لأنه يضع الطرف الخليجي المطبع في موقف ضعف، خاصة مع الانخراط الخليجي الواضح في ترتيبات “صفقة القرن”، ودعم موقع الكيان، إلا أن التاريخ حفظ الكثير من التنازلات العربية، مقابل مواصلة الكيان ترسيخ سياساته، التي ابتعدت عن أي منطق توافقي، بما في ذلك مسألة التوسع على حساب الأراضي الفلسطينية، وحتى العربية، كما حدث مع ضم الجولان، وترسيم ذلك بدعم أمريكي.

وفي سياق سياق متصل، غردت المستشارة الاستراتيجية في وزارة خارجية الإمارات، هند العتيبة، على “التويتر”، قائلة “نحن نقف كثيراً أمام أخطار مشتركة، ونرى وجود فرصة هائلة لعلاقة دافئة أكثر”، مردفة “في اتحاد الإمارات، وفي جزء كبير من العالم العربي، كنا نريد أن نصدق بأن إسرائيل هي فرصة وليست عدو”، و هي نفس المقاربة التي اعتمدت من قبل التيار المطبع ككل، بل أن المسؤول الاماراتي أوهم بأن الإشكال المطروح يكمن في قرار ضم الكيان لجزء من الضفة، رغم وجود سلسلة من القرارات المتلاحقة التي ضربت في العمق منطق السلام، بما في ذلك مبادرة السلام العربية، بداية من اعتبار القدس عاصمة للكيان المحتل، بينما تلح مبادرة السلام العربية، التي تعد الامارات من الدول التي صادقت عليها، أن القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، بينما تشير تصريحات نفس المسؤول الى حجم التنازلات المقدمة من قبل اطراف اقليمية، إذ يقول في مقاله “من مبادراتنا تجاه إسرائيل أننا صنّفنا حزب الله منظمة إرهابية، وشجبنا تحريض حماس”، في تصريح واضح مما لا يرقى اليه شك بأنه هناك تقديم للمصالح المشتركة بين الإمارات والكيان، على حساب الفلسطينيين، فقد قامت الأطراف الإقليمية بمحاصرة حركة “حماس”، وقطع كل أشكال الدعم عنها، إلى درجة وصول طائرة إماراتية خطوط “الاتحاد” الجوية، نهاية الشهر ماي الماضي، إلى تل ابيب، وقيل وقتذاك أنها محملة بمساعدات انسانية للفلسطينيين لمجابهة فيروس كورونا المستجد، إلا أن المسؤولين في الضفة الغربية المحتلة لم يصدروا اي تعليق، بينما نفى مسؤولو الصحة في غزة أن يكون لهم علم باي شحنة مساعدات لغزة من ابو ظبي.

كما أن ما قامت به الامارات، باعتبار حزب الله تنظيما ارهابيا كونه من اذرع ايران، أتى ارضاءا للكيان وللولايات المتحدة، بل وذهبت أبعد من ذلك في إقرار إمكانية التنسيق والتعاون، كما حصل في اجتماع وارسو سنة 2019، والذي تحول إلى مطالبة بتحجيم ومواجهة الخطر الإيراني.

ورغم التنبيهات المعلن عنها، سواء عبر التصريحات المباشرة في صحف الكيان المحتل، أو التغريدات على شبكات التواصل، فإن مسار التطبيع لا تحول أمامه حتى هذه الموانع أو التنبيهات، بدليل الكشف عن مشاركة رسمية لوزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، في مؤتمر المنظمة اليهودية السنوي للمؤتمر اليهودي-الأمريكي، الذي يعكس عادة تقاطع المصالح الامريكية الصهيونية، كما سيشارك في المؤتمر أيضا، الأمين العام لـرابطة العالم الإسلامي السعودي محمد العيسى، وهو وزير العدل السابق في المملكة، إلى جانب وزير جيش الكيان المحتل أي وزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان السابق بيني غانتس.

ورغم أن مثل هذه المشاركة لا تعد الأولى، والاكيد أنها لن تكون الأخيرة، إلا أنها تؤكد أن توجهات الأطراف الخليجية لا تخرج عن نطاق لعبة التطبيع، بعيدا عن أية ترتيبات واضحة، بل في وقت تم وأد مبادرة السلام العربية، التي صادقت عليها جامعة الدول العربية، واعتمدت كإحدى المرجعيات في مسار السلام المزعوم، الذي لا يريده يمين الكيان المحتل بالخصوص، وهو الذي تنصل من كل الاتفاقيات السابقة، سواء تعلق الأمر بأوسلو لسنة 1993، أو الاتفاقيات المتلاحقة الملغاة بفعل الواقع.

ويتضح بأن الأطراف الساعية إلى تطبيع علاقاتها مع الكيان المحتل، تجد حرجا مع توالي القرارات التي تقوض اي مسارات للتسوية، فبعد ترسيم القدس عاصمة للكيان، ثم ضم الجولان المحتل، والتنصل من كافة التعهدات، جاء الدور على ضم غور الأردن، وجزء من الضفة الغربية، وهي تطورات تضع الأطراف المطبعة في موقع ضعف وحرج، وهو ما تبرزه خرجات بعض المسؤولين الخليجيين، بما في ذلك العتيبة، الذي ارتأى كسر طابو سياسي كان قائما، عبر التوجه مباشرة لمخاطبة الكيان المحتل، عبر وسائل اعلامه، ولم يكن اختيار سفير الإمارات في واشنطن اعتباطيا، بالنظر إلى الصلة القائمة بين الكيان المحتل وإدارة ترامب.

كما برزت ردود فعل منتقدة لخطوات تظل دون أي مغزى وجدوى، مثلما حدث مع سلطنة عمان، خلال الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى هناك، وكذلك بالنسبة إلى قطر وقت وجود لاعبي الكيان في بطولة العالم الأخيرة للجمباز التي استضافتها الدوحة.

وفي الواقع، فإن الخطوة التي قام بها العتيبة، بالتوجه إلى الرأي العام والكيان المحتل مباشرة، رغم انه من الناحية العملية لا ترتبط الامارات بعلاقات دبلوماسية وسياسية مع الأخير، تكرس التقارب المتدرج عبر كسر الطابوهات، وقد سبق للرئيس المصري أنور السادات أن قام بنفس الخطوات، بعد حرب 1973، من خلال تعدد التصريحات باستعداده للتوجه إلى تل ابيب، ومخاطبة الكيان، وغير ذلك من الخطوات التي تخللتها اتصالات سرية غير معلنة، لكسر الجليد، إلى أن بلغت حد الزيارة التي قام بها السادات إلى الكيان، بداعي إرساء السلام بين الكيان والفلسطينيين، لكن تم تقويض السلام المزعوم، واسترجعت سيناء تدريجيا، بشروط قاسية.

وتعكس اللقاءات بين مسؤولين في الكيان وآخرين عرب، رغبة من الطرفين بالوصول إلى ترسيخ علاقات تنهي حالة العداء، ليظل الشعب الفلسطيني وحده من يدفع الثمن، بعد ترسيخ واقع عزل المسار الفلسطيني عن المسار العربي، والقبول بدمج الكيان في منطقة الشرق الأوسط، كقوة فاعلة، وفرض ترتيبات جديدة، واعادة رسم الخارطة، فضلا عن زحزحة القضية الفلسطينية كقضية مركزية للأمة، بل وتجسيدا لمخطط الشرق الأوسط الجديد، والفوضى الخلاقة، وهو ما نعيشه اليوم في العديد من دولنا العربية، حيث يتم تجسيد مشروع كوندوليزا رايس بحذافيره بأياد عربية.

ويتوقع أن تتواصل خطوات مماثلة لما قام بها المسؤولون الاماراتيون، بأشكال متعددة، رغم عدم اظهار الكيان أي نية في تقديم أية تنازلات، ليتواصل مسلسل الخنوع والركوع وتقديم التنازلات فقط من قبل الطرف العربي، الذي تخلى بالتدريج عن مطالبه الجوهرية، بل وتخلى عن قضيته الام، وهنا أشير إلى أن الأمر لا يتعلق بالشعوب وانما بالانظمة، ليتم حصر القضية الفلسطينية في خانة الصرع بين فلسطين والكيان، قد يسوى بقطعة أرض صغيرة تمنح للفلسطينيين.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.