ادارة و اقتصاد مختارات مقالات

ترسيم نهاية الفرنك الإفريقي

ترسيم نهاية الفرنك الافريقي وجدلية انحصار نفوذ باريس في القارة السمراء

بقلم: هبة داودي – الجزائر

تم ترسيم توقيف 8 دول غرب القارة السمراء، تداول عملة الفرنك الإفريقي، الذي ظل يرمز إلى إرث الإستعمار الفرنسي في افريقيا، وتؤشر الخطوة على تراجع دائرة النفوذ الفرنسي، وارادة الأفارقة في الانعتاق من الوصاية الإقتصادية والمالية، كما أنها ترمز إلى تغيرات تشهدها دول القارة السمراء، سواء من حيث النخب السياسية أو البنى الاقتصادية.

وتأتي الخطوة الرسمية، بعد أن أعلن رئيس كوت ديفوار، الحسن واتارا، رفقة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، نهاية سنة 2019، أن 8 دول غرب إفريقيا ستتوقف عن تداول عملة الفرنك الإفريقي، في عام 2020، بعد توصل 8 دول أعضاء في الاتحاد النقدي والإقتصادي لغرب إفريقيا، إلى اتفاقية يتم بموجبها استخدام عملة جديدة، تسمّى “إيكو”، لتحل محل الفرنك الإفريقي، العملة الموروثة عن الحقبة الاستعمارية الفرنسية.

ورغم تأكيد واتارا بأن الأمر يندرج ضمن مقاربة إصلاحية خاصة، وأن كوت ديفوار تبقى من الدول القريبة من فرنسا، وترتبط بها اقتصاديا وسياسيا وأمنيا، إلا أن نفس الإعلان كشف عن أبعاد فك الارتباط بالوصاية الفرنسية الكاملة، من خلال الإشارة إلى جانب تغيير تسمية العملة، ووقف مركزية 50 بالمائة من الاحتياطي لدى الخزانة الفرنسية، حيث كان بنك فرنسا يحتفظ بمخزون العملة الافريقية، الذي يقوم بطباعته، إذ دأب التقليد على أن تلتزم الدول الإفريقية يإيداع نصف احتياطاتها من العملات الأجنبية، في البنك المركزي لفرنسا، رغم أن هذه الدول تمتلك بنوكا مركزية خاصة.

وتبقى الدول الثمانية التي أعلنت إنهاء تداول الفرنك الإفريقي هي البنين، والطوغو، وبوركينا فاسو، ومالي، وكوت ديفوار، والنيجر، وغينيا بيساو، والسنغال، وهي دول معروفة بقربها من باريس، وبعلاقات النخب الحاكمة فيها بفرنسا، ولكنها شهدت بالمقابل خلال السنوات القليلة الماضية، توجها نحو تنويع علاقاتها سواء مع الصين أو مع روسيا وتركيا، وحتى إيران، ومع ذلك تظل منطقة غرب إفريقيا، وامتدادها في الساحل، من بين أهم مناطق النفوذ التي تحرص فرنسا على الإبقاء على سيطرتها، رغم اعلان فشل تجربة فرنسا شرقي إفريقيا ومراجعات سياسات “فوكار” الافريقية، خلال التسعينيات وسنوات 2000، لكن هذا لم يمنع باريس من القيام دوما بعمليات عسكرية أحادية، مثلما حصل في كوت ديفوار وليبيا في 2011، ثم مالي وإفريقيا الوسطى في 2013، وهو الأمر القائم حتى الآن في إقليم الساحل وغرب إفريقيا، سعيا من باريس على الاحتفاظ بنفوذها في منطقة حيوية وهامة، من الناحية الاستراتيجية، إذ يشمل الفضاء الجغرافي لإقليم الساحل والصحراء الإفريقية، المنطقة الفاصلة بين شمال إفريقيا، وإفريقيا جنوب الصحراء، الممتدة من البحر الأحمر شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ليشمل السودان، والتشاد، والنيجر، وموريتانيا والسنغال، كما أن إقليم الساحل يغطي القوس الممتد من السودان إلى موريتانيا، ويعتمد على بلدان ثلاثة رئيسية هي مالي والنيجر والتشاد، والتي تعد مربط الفرس بالنسبة للاستراتيجية الافريقية الفرنسية، وعمقا حيويا لها.

ورغم أن فك الارتباك لن يكون كليا، إلا أن خطوة دول غرب إفريقيا تعكس انحصارا في الدور الفرنسي في المنطقة، وقطيعة مع الإرث الاستعماري والوصاية المباشرة، حيث أكد الخبراء أنه بدون فكِّ الارتباط مع الفرنك الإفريقي والتخلص نهائيًّا من الوصاية الفرنسية، فإن اقتصاديات دول غرب ووسط إفريقيا ستظل في تبعية مستمرة، ومعلوم أن إفريقيا تشهد في الوقت الراهن تنافسًا بين قوى دولية متعددة الأهداف، فإلى جانب فرنسا، هناك الولايات المتحدة والصين وروسيا فضلًا عن إيران وتركيا والكيان المحتل وماليزيا والهند وكوريا وتايوان والبرازيل، والتنافس في منطقة الفرنك الإفريقي، وهي كانت الى عهد قريب منطقة نفوذ تقليدية لفرنسا، ينحصر بين فرنسا والصين وإيران وروسيا والولايات المتحدة.

ويعتبر الفرنك الإفريقي العملة الموحَّدة ل 14 دولة إفريقية عضو في منطقة الفرنك الإفريقي، 12 دولة منها كانت سابقًا مستعمرات فرنسية، بالإضافة إلى غينيا بيساو، وهي مستعمرة برتغالية سابقة، لكنها استقطبت من قبل باريس، وغينيا الاستوائية، وهي مستعمرة إسبانية سابقة.

وظهر الفرنك الإفريقي في 26 ديسمبر 1945، تاريخ مصادقة فرنسا على اتفاقيات بريتون وودز، المنشأة لمنظمات دولية،مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وما يلاحظ أن للفرنك الإفريقي قيمة ثابتة مرتبطة بالأورو، رغم أن هذا الأخير يعرف تقلبات في الصرف أمام العملات الرئيسية، بداية بالدولار.

وتسعى باريس في سياق التحولات التي تشهدها القارة السمراء، تدارك تأخرها، وقد جاء سعيها مصاحبة قرار الدول الافريقية انشاء عملة “الايكو”، ضمن مقاربة اعتمدتها ادارة الرئيس ايمانويل ماكرون، للظهور بمظهر المراجع الجديد للسياسة الفرنسية في افريقيا، بعيدا عن منطق الوصاية المباشرة، وابراز علاقات أكثر براغماتية، خشية فقدان كافة المصالح مع جنوح الدول الافريقية إلى تعديل بوصلتها تجاه دول وأطراف أخرى، كما كشفت عنه ما اعتبر مؤخرا “تمردا تشاديا” على باريس، مع إعلان التشاد على لسان رئيسه ادريس ديبي، الامتناع عن التدخل خارج دائرة بلاده، واعتبار الدعم الروسي في مكافحة الإرهاب هاما وحيويا، والدعوة الملحة إلى تقاسم المعلومات الاستخباراتية والتدريب والتكوين.

وفي ظل بروز عجز فرنسي لاحتواء حالة عدم الاستقرار في الساحل وغرب إفريقيا، اتجهت الأنظار إلى البديل الروسي، ولا سيما بعد الدور البارز الذي قامت به موسكو في الأزمة السورية.

وشهدت مالي مثلا بروز تيارات مثل حزب مجموعة الوطنيين الماليين، وهو حزب سياسي مؤيد بشكل صريح ‏لروسيا، كما وقّعت باماكو اتفاقًا للتعاون العسكري مع روسيا في جوان 2019.

وفي المقابل، تحاول روسيا جاهدة تقديم بديل “متوازن” للهيمنة الفرنسية في “منطقة النفوذ” الفرانكفونية، بإبراز قدرتها في مجال محاربة الإرهاب، خاصة أن موسكو نجحت في إنشاء محور نفوذ إفريقي، يربط بين ساحلي المحيط الأطلسي والبحر الأحمر، عبر جمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية إفريقيا الوسطى والسودان.

وعلى ضوء ذلك، يتضح أن هناك ترابطا بين ما يحدث في غرب القارة وفي الساحل، كخطوات متتالية تصب في مجملها في خانة انحصار متدرج لنفوذ باريس، في مناطق ظلت لعقود فضاء استقطاب واحتواء لفرنسا.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.