سياسة مختارات مقالات

الوجود الإيراني في سوريا بين فرضية الانسحاب واعادة الانتشار

الوجود الإيراني في سوريا .. بين فرضية الانسحاب واعادة الانتشار

بقلم: هبة داودي – الجزائر

عادت إلى الواجهة خلال الأيام القليلة الماضية، مسألة التواجد الإيراني والقوى الحليف له في سوريا، على خلفية الجدل الذي أثارته اخبار متواترة بشأن انسحاب قوى ايرانية ومجموعات حليفة لها من عدة مناطق في سوريا، لاسيما دير الزور وشرق الفرات، التي تعد منطقة نشاط أمريكية، فضلا عن كونها منطقة سجال وتجاذب كبير بين أطراف إقليمية، ناهيك عن تحركات الكيان المحتل.

وما أثار الجدل أكثر، التغير الميداني المعلن، والمتمثل في انسحاب قوات وصفت بأنها قريبة من إيران، من منطقة دير الزور، لفائدة قوى أخرى مدعمة من روسيا، وجاء التغير الميداني وفق عدة معطيات، من بينها زيادة تحركات الكيان المحتل، واستهدافها لما تعتبره قوات إيرانية وقوات رديفة وحليفة لها، لاسيما حزب الله في سوريا، ونقاط امداد لإيصال السلاح لحزب الله اللبناني، فضلا عن بروز تجاذبات روسية أمريكية حول منطقة حساسة في سوريا، تشمل الحقول النفطية في شرق الفرات، إلى جانب السجال مع تركيا والقوى الحليفة.

وبرزت تساؤلات حول التحركات الحاصلة في المنطقة، وهل يتعلق الأمر بتقليص تواجد ايران وحلفائها بالمنطقة لفائدة قوات قريبة من موسكو، كضمان روسي، وتموقع لموسكو، مراعاة لموقف الكيان المحتل، حيث يطلق الأخير مرارا تهديداته بشأن التواجد الإيراني في سوريا ومخاطره، واقتراب قوى لاسيما من حزب الله من نقاط التماس القريبة من الجولان، فضلا عن تكوين حزب الله والحرس الثوري بالخصوص، لكتائب سورية مدربة على حرب العصابات.

وقامت وسائل اعلام الكيان، بالخصوص، مجددا، بالترويج لما اعتبرته “انتكاسة ايرانية في سوريا”، وطرح فرضية الإنسحاب الإيراني من عدة مناطق في سوريا، وإن كانت هذه الأخبار ليست بالجديدة، بل سبقتها نفس الأخبار تحت غطاء ضغوط مورست على طهران.

وجاء الإعلان عما اعتبر انسحابا للقوات الإيرانية ولقوى حليفة لها، خاصة من شرق الفرات، الذي يبقى من بين المناطق الأكثر حساسية حاليا، والقابلة للاشتعال، مترافقا مع تعليق مشاريع واشنطن لانشاء قاعدة جديدة لقواتها في منطقة الجزرات، في ريف دير الزور الغربي، وكانت القاعدة تهدف إلى الحد من حركة روسيا، شرق الفرات، ومنع وصولهم إلى حقول النفط فيها، لتضاف إلى القواعد التي أقامتها واشنطن بالمنطقة، لاسيما قاعدتي العمر وكونيكو اللتان توصفان بأنهما نقاط مراقبة لتحييد أنشطة إيران وحلفائها بالمنطقة، لاسيما غرب الفرات، فالانسحاب الإيراني المفترض يدفع إلى إبراز عدم الحاجة إلى إقامة قاعدة جديدة بالمنطقة، لاسيما مع الإعلانات السابقة للرئيس ترامب، بسحب قواته من سوريا .

ولكن، وبغض النظر عن اعلان التخلي عن إقامة قاعدة امريكية جديدة، والحديث عن سحب قوات أمريكية من سوريا، سجل التواجد الامريكي عودة بقوة في المنطقة، وتزامن ذلك خاصة في شهري أفريل وماي، مع تزايد نشاط روسيا في غرب الفرات.

هذا التطور طرح احتمالا جديدا يفيد بامكانية أن تكون روسيا، التي تسيطر على الميدان السوري، قد ضغطت بطريقة او بأخرى على إيران، لتحجيم قواتها بالمنطقة شرق وغرب الفرات لسحب البساط من تحت أقدام الأمريكيين، ومن ثم انتفاء الحجج الأمريكية لمراقبة التحركات الإيرانية وحلفائها بالمنطقة.

جدير بالذكر أنه في جانفي 2020، قام الأمريكيون بعمليات انسحاب وصفت بالمفاجئة في العديد من المناطق والقواعد، التي تسيطر عليها في شرق الفرات السوري، في ريف محافظتي الحسكة ودير الزور، وتم اخلاء قاعدة في خراب الجير، الواقعة في منطقة المالكية، بريف الحسكة، ثم تلا ذلك بداية إخلاء قواعدها في حقل العمر النفطي، ومعمل كونيكو للغاز، إلا أن العملية الأخيرة توقفت بعدها، ليعود النشاط الأمريكي بقوة في المنطقة، وتزامن ذلك مع معطيات تشير إلى تموقع روسي جديد، ودعم لمواقع الجيش السوري بالمنطقة.

وقد عزز الأمريكيون تواجدهم، ليتجاوز في أفريل 2020 نحو 1500 عنصرا، ضمن خطة إعادة الانتشار، التي بدأتها واشنطن، مع إطلاق تركيا عملية “نبع السلام”، في الشمال السوري، بهدف محاربة “قوات سوريا الديمقراطية” الكردية، وإخراجها من المناطق القريبة من الحدود، ولتحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية في الأراضي السورية، أبرزها السيطرة على الموارد النفطية.

وتنتشر القوات الأمريكية حالياً في 14 قاعدة، موزعة على المناطق النفطية في محافظتي الحسكة ودير الزور، كما أنها تعمل على إنشاء قاعدتين إضافيتين في ريف الحسكة الشرقي والشمالي، الأولى في بلدة “تل براك”، والثانية إلى الشمال من بلدة “القحطانية”، وهو ما يؤكد زيف مسألة الإنسحاب المعلن من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي أثار جدلا واسعا في الولايات المحدة.

ويشير المراقبون والمتابعون للشأن السوري، إلى أن ايران واجهت عدة تحديات، في سياق ارسائها لشبكة تحالفاتها مع دمشق، وانخراطها في الأزمة السورية دعما لحليفها السوري، فمن جهة توالت هجمات الكيان المحتل، والقصف الذي استهدف قواعد وأهداف لقوات إيرانية أو حليفة بسوريا، والضغوط الممارسة، ناهيك عن كلفة الإنخراط بشريا وماديا، تضاف إليه الحسابات الإقليمية، لاسيما للاعبين الفاعلين والمؤثرين روسيا وتركيا، اللتان اعتمدتا عدة تفاهمات لاسيما في الشمال السوري.

ورغم الضغوط المسجلة على طهران، تبقى مسألة التواجد الايراني، ودعم طهران لدمشق ذات بعد استراتيجي، وهو ما يبعد احتمال الانسحاب الكامل، بقدر ما يمكن أن يكون عمليات إعادة انتشار وتموقع وتخفي، للتكيف مع سيرورة الأحداث، خاصة مع هدوء الجبهات الساخنة في سوريا، وقد اثيرت قضية الإنسحاب الإيراني منذ سنة تقريبا، على خلفية التهديدات التي أطلقها الوزير الاول للكيان المحتل بنيامين نتنياهو، لترد طهران على لسان قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري، بأنها ستحتفظ بجميع “مستشاريها العسكريين والثوريين”، في إشارة إلى حلفائها ، وكذلك “معداتنا وأسلحتنا في سوريا” .

إيران التي تواجه تبعات كورونا، فضلا عن انعكاسات تشديد العقوبات الأمريكية، وانهيار أسعار النفط، تجد نفسها في ظرف تحدي مزدوج، فانسحابها من سوريا يعني انتكاسة لها بالنظر إلى أبعاد تحالفها مع دمشق، وزيادة انخراطها يمثل عبئا كبيرا ومصدر نزيف كبير ومرهق، ناهيك عن تحدي زيادة وزن موسكو في الخريطة السورية.

وترى كل من واشنطن والكيان المحتل في النشاط الايراني في سوريا، مصدر خطر، خاصة مع تقاطع ذلك مع التموقع الروسي في المنطقة، وتبقى دمشق إلى جانب بغداد حلقة أساسية بالنسبة للاستراتيجية الإيرانية، وتعد دمشق بوابة هامة.

وكان صانع القرار الإيراني يراعي عددا من الاعتبارات في الملف السوري، على خلفية الانخراط القوي على الأرض، وإنعكاساته على ضمان إحداث توازن قوى، يدعم موقع النظام السياسي الحليف، خاصة مع التهديدات التي كانت تلوح بامكانية اسقاطه في الفترة ما بين 2012 و 2015، وبالتالي كان لزاما إبراز مدى قدرة إيران على التأثير، للحفاظ على مصالحها، خاصة بالنظر إلى طبيعة التحالف القائم مع العلويين.

ومثل الانخراط الأمريكي في سوريا، ورغبة واشنطن في تحجيم وتدعيم حصار إيران، عبر البوابة السورية، تحديا جديدا، فسقوط النظام السوري الحليف يعني إغلاق منفذ وبوابة لدى ايران، خاصة وأن واشنطن قامت بنفس المسعى لتحجيم ما تعتبره نفوذا إيرانيا في بلاد الرافدين، ومن ثم فإن سوريا والعراق ورقتان حيويتان لإيران، وعمقا استراتيجيا لا يمكن أن تتخلى عنهما بسهولة، ومن ثم فإن مسألة سحب قواتها أو القوى الحليفة معها، سيراعي حسابات تعكس طبيعة التواجد في الأراضي السورية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.