سياسة مختارات مقالات

ليبيا تدخل مرحلة التعفن العسكري

ليبيا تدخل مرحلة التعفن العسكري

بقلم: هبة داودي – الجزائر

يتضح جليا من خلال التطورات الميدانية التي تعيشها ليبيا، ذلك الصراع المفتوح بين الفرقاء، في حرب وكالة واضحة المعالم، مع تبادل أطراف إقليمية رسائل مشفرة وأخرى علنية.

فقد سارع السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، إلى التأكيد على أن ما يحدث في ليبيا حربٌ إقليمية بالوكالة، منتقدا وجود ما يقرب من 2000 من مرتزقة شركة فاغنر الروسية الخاصة، والمعدات العسكرية المتطورة التي يملكونها إلى جانب أكثر من ذلك أكد على انحصار نفوذ اللواء المتقاعد خليفة حفتر، موجها رسالة تحذير على أنه عرضة لخطر فقدان كل شرعية سياسية، ما لم يسمح للشرق بالتفاوض.

بالمقابل، وجهت تركيا رسالة عسكرية لروسيا والإمارات في ليبيا، مع الإعلان عن تدمير ثاني منظومة للدفاع الجوي الروسية “بانتسير”، بعد ساعات من وصولها إلى قاعدة “الوطية” الجوية، علما أن هذه الأخيرة تعد آخر تمركز عسكري مهم تملكه قوات حفتر، في المنطقة الممتدة من غرب طرابلس إلى الحدود التونسية، وإن لم تسيطر عليها قوات حكومة الوفاق، فستشكل تهديدًا دائما على مدن الساحل الغربي، منها العاصمة طرابلس، وهو ما يفسر التركيز عليها من قوات الوفاق بدعم تركي مفتوح.

يذكر أن قوات الوفاق الليبية، تمكنت بدعم من مستشارين عسكريين أتراك وطيران تركي مسيّر، من ابعاد قوات حفتر، من ثماني مدن في غرب ليبيا، منها صرمان وصبراته، و هي القوات المدعمة من قبل مصر والإمارات وحتى روسيا، لتكتمل معادلة الصراع، بأبعاد تجاوزت صراع الفرقاء الليبيين إلى أطراف إقليمية متعددة.

ويأتي تسارع التطورات، في وقت تتزايد حدة الخلافات بين رئيس مجلس النواب المجتمع في طبرق عقيلة صالح، وظهيره القبلي من جانب، واللواء المتقاعد خليفة حفتر والقوات الداعمة له من جانب آخر، وبرزت مؤشرات الاحتقان وبوادر توتر عسكري إثر هجوم شنته إحدى فصائل كتيبة طارق بن زياد، التي يقودها صدام نجل حفتر، على الكتيبة 102 مشاة في منطقة مرتوبة، وقد أثار خروج حفتر لطلب التفويض الشعبي عدة نقاط ظل، وهو الذي بدا مرتكزا على شبكة تحالفات، بداية من قبيلة الفرجان، إحدى فروع القبائل الهلالية العربية، فضلا عن دائرة اسرته، التي تتبؤ مناصب حساسة.

ومن 4 افريل 2019 إلى 4 افريل 2020، سنة كاملة قضتها قوات حكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دولياً، وهي تحت حصار قوات خليفة حفتر، ولا تقوم إلا بالدفاع، لكنها انتقلت خلال فترة أفريل إلى ماي 2020، نحو حالة الهجوم، لتبدأ في قلب معادلة القوى على الأرض الليبية، حيث شكل التدخل التركي، ورمي انقرة بثقلها في الصراع، عاملا مؤثرا في قلب ميزان القوى .

وبعد معارك ترهونة، ذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لحفتر، بدأت قوات الوفاق في شن هجوم واسع على قاعدة الوطية الجوية، آخر معاقل حفتر في غرب ليبيا، تمهيداً لاقتحامها، خاصة منذ الأسبوع الثاني من ماي 2020.

ويشير العارفون بخبايا الصراع في ليبيا، إلى أن السيطرة الجوية التي حازتها قوات الوفاق، نشأت في الأساس من الطائرات المسيرة التي أمدت بها تركيا قوات حكومة فايز السراج، إلى جانب مساندة المقاتلات التركية، ما نتج عنه دفع قوات حفتر حتى حدود ترهونة – رأس حربة الهجوم على طرابلس، والتي سيطرت فيها قوات الوفاق على معسكر اللواء التاسع بمنطقة الحواتم، ومع دخول القوات التركية على الخط والإسناد الذي وصل إلى حكومة الوفاق، بفضل اتفاقية الدفاع المشترك، الموقع مع تركيا نهاية 2019، صارت تلك القوات أيضاً تمتلك الجو، وقادرة على التهديد، وهذا ما سرع بشدة من وتيرة الهزائم التي تعرض لها حفتر بشكل متلاحق، واضعف موقعه، خاصة أن الانتكاسات العسكرية المكلفة تسببت في خلاف حاد بين القبائل، وخصوصاً قبائل الشرق، وهذا العامل دفع عددا من تلك القبائل إلى إعلان دعم ومساندة حكومة الوفاق، في مشهد الإنقلابات الانسيابية، في شبكة التحالفات للقبائل الليبية.

أما خارجيا، فإن جبهة داعمي حفتر بدأت تهتز ، فالسعودية منشغلة بأزمتها الإقتصادية الناشئة عن تراجع أسعار البترول عالمياً وانتشار فيروس كورونا المستجد، ناهيك عما تعانيه من تبعات حربها في اليمن.

ورغم الانخراط الروسي، إلا أن موسكو تبدي امتعاضا من حفتر، بعد اعلان نقضه لاتفاق الصخيرات، الموقع في 2015 من طرف واحد، في المغرب، وقبوله ما اعتبر بأنه “تفويض شعبي” لإدارة شؤون ليبيا، وهي الخطوة التي فاجأت موسكو وأطرافا أخرى، فيما تبدي القاهرة مخاوف من تكريس سيناريو تقسيم ليبيا إلى شطرين، مع دعم موقع حلفاء تركيا في الغرب الليبي ككل.

كما ان القاهرة تمتنع عن التدخل عسكرياً في ليبيا، لأنها لا تريد الصدام مع تركيا، مباشرة، لتبقى معادلة الصراع في ليبيا تكتنفها الكثير من المجاهيل، في انتظار المستجد من الأحداث على المدى القصير، في ظل التعفن العسكري القائم هناك.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.