سياسة مقالات

ليبيا تتحول إلى ساحة صراع بين موسكو – واشنطن

بعد سوريا.. ليبيا تتحول إلى ساحة صراع على النفوذ على خط موسكو – واشنطن

بقلم: هبة داودي – الجزائر

بعد حرب بالوكالة معتمدة بين أطراف إقليمية تتمثل في تركيا من جهة مصر والامارات من جهة أخرى على الارض الليبية، تتسع دائرة التجاذبات في الساحة الليبية، مع بروز اصطفافات جديدة، وتموقع على خلفية صراع نفوذ بين روسيا والولايات المتحدة، بطرق متباينة، تعتمد على مرتكزات وشبكة تحالفات تماثل ما تشهده سوريا.

ففي تطور على الساحة الليبية، وضعت واشنطن ثقلها دعما للتحرك التركي، هذا الأخير الداعم لحكومة الوفاق، كما عمدت الى اعلان الدعم لحكومة فايز السراج، التي واجهت موجة من الضغوط على خلفية عملية عسكرية اطلقها اللواء المتقاعد خليفة حفتر، سعيا للسيطرة على طرابلس، في وقت برزت معطيات عن مواقف روسية داعمة لحفتر، وعن تواجد قوات مجموعة فاغنر مساندة لقوات حفتر .

وعلى خلفية التطورات الميدانية المسجلة خلال الاسابيع الماضية، والتي رجحت كفة ميزان القوى لصالح قوات حكومة الوفاق، خاصة مع استعادة السيطرة على المناطق الغربية ككل تقريبا، وكذا على قاعدة الوطية الاستراتيجية، عمدت الولايات المتحدة إلى الكشف عما وصفته تدخلا روسيا واضحا في الصراع في ليبيا، وذلك من خلال:

– الكشف عن صور لوحدات قتالية روسية تابعة لمجموعة فاغنر، في بني وليد، بعد انسحابها من نقاط المواجهة .

– عرض صور لما قالت إنها مقتلات روسية في إحدى المطارات الليبية .

وحذرت الولايات المتحدة من تكرار تجربة سوريا في ليبيا، بعد كشف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا عن نشر روسيا مقاتلات لها دعما للواء المتقاعد خليفة حفتر، وهو ما نفته موسكو، واتهمت واشنطن موسكو بتزويد قوات حفتر بالأسلحة المتطورة، والسعي إلى إخفاء تدخلها في ليبيا، وعمدت قنوات مرتبطة بتركيا أيضا إلى ابراز الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها في قاعدة الوطية، وتحطيم أنظمة صواريخ بانتسير الروسية، التي كانت بحوزة قوات حفتر .

وتعتبر واشنطن أن روسيا تسعى إلى قلب الميزان لصالحها في ليبيا، كما فعلت في سوريا، وتقوم بدعم غير مباشر عن طريق تركيا، التي وضعت كل ثقلها بوضوح لتغيير معادلة الصراع، خاصة مع الاستعمال الواضح للقوات الجوية .

بالمقابل، تنفي موسكو الاتهامات الامريكية التي تعتبرها مجرد فزاعة جديدة، في إطار روح السياسة التي تتبعها الإدارة الأمريكية، مشيرة إلى أن واشنطن تحاول مجددا اللعب بالورقة الروسية.

ويتضح أن لعبة التجاذبات متواصلة في المشهد الليبي، ودائرة التدخلات الخارجية تتسع، رغم الانتكاسة العسكرية التي منيت بها قوات خليفة حفتر، ومن ثم الأطراف الداعمة له، فقد تحولت ليبيا، في ظل الفراغ السياسي وتباعد المسافة السياسية بين الفرقاء إلى ساعة معركة حقيقية، مع تقلبات عديدة.

وفي الواقع، برز التموقع الروسي في المشهد الليبي، أواخر 2017، مع إرسال حاملة طائرات روسية قبالة ميناء طبرق، ولقاء حفتر مع رئيس أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف، وقبلها قام حفتر بزيارات متعددة إلى موسكو في 2016 و 2017، وفي 2019 اعترضت روسيا على قرار مجلس الأمن، في أعقاب بداية العملية العسكرية التي أطلقها حفتر.

فقد سبق للولايات المتحدة أن كشفت عن مواقف متغيرة في الساحة الليبية، ففي أواخر 2019 قام وفد من الكونغرس الأمريكي بلقاء خليفة حفتر، واعربت واشنطن عن القلق من التدخل الروسي، بالمقابل، قام حفتر بزيارة إلى موسكو، وفي آخر المواقف الأمريكية، أثنى السفير الأمريكي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند على حكومة الوفاق، التي اعتبرها شريكا تفتخر واشنطن به، منتقدا ما عبر عنه بقوى في ليبيا لا تزال تريد فرض نظام سياسي جديد، بوسائل عسكرية أو بالإرهاب، فيما تغاضت واشنطن عن التدخل التركي الواضح في الساحة الليبية، والتموقع الذي ساهم في قلب الموازين.

وسبق لواشنطن ان ارست تواصلا مع حفتر،بما في ذلك الاتصالات بين الرئيس دونالد ترامب وحفتر الذي وجد سابقا في الولايات المتحدة ملجأ، حيث اعتبرت واشنطن حفتر عاملا لمحاربة ما تعتبره ارهابا في ليبيا، وخاصة شرق ليبيا .

ومن الواضح أن واشنطن لا ترى بعين الرضا، احتمالات تموقع روسي في منطقة كانت تشكل عمقا استراتيجيا في عهد نظام الرئيس السابق الراحل معمر القذافي، فليبيا كانت مصنفة ضمن دائرة التحالف الروسي، وقد جرت موسكو إلى صف الجبهة المناوئة التي أطاحت بنظام القذافي، وقد كان هذا الموقف من بين الدوافع التي جعلت موسكو تضع ثقلها في سوريا، وتحول دون انهيار نظام حليف، كان اخر الحلفاء في المنطقة، وما زالت روسيا تشعر بالمرارة نتيجة “الخداع” الذي تعرضت له في مجلس الأمن، عندما وافقت على الحظر الجوي على ليبيا 2012 واستخدمه حلف الناتو والولايات المتحدة في التدخل العسكري الليبي، وتحييد روسيا بالمنطقة.

كما أن موسكو ترى في اتفاق السراج وأردوغان، خطرا على المصالح الروسية، خاصة في ظل تنافس تركيا لروسيا على الساحة السورية، والذي لا يزال قائما، رغم التفاهمات التي برزت، سواء بخصوص مناطق خفض التوتر أو الدوريات المشتركة أو تفاهمات حول إدلب وغيرها.

ومن ثم فإن واشنطن بعد أن غابت نسبيا عن الساحة الليبية، منذ مقتل السفير الأمريكي كريستوفر ستيفنز، في 11 سبتمبر 2011 ببنغازي، صعدت موقفها بالتركيز على رغبة موسكو، خوصصة الحرب في ليبيا، وكسب نقاط بها، كما سبق وان قامت به في سوريا، بمتغيرات جديدة، ومعطيات مغايرة للمشهد السوري، كما تدعم السلوك التركي، كما قامت سابقا بدعم سلوك أطراف أخرى .

وتستند المقاربة الأمريكية في ليبيا، على ما يمكن تسميته استراتيجية القيادة من الخلف، ومفادها إدارة واشنطن لخيوط اللعبة بعيداً عن الواجهة، و تفضيل الارتكاز على أطراف، كما يحدث مع تركيا الآن، وقد سبق لواشنطن ان تدخلت بصورة غير مباشرة بنشر قوات خاصة، واستهداف مجموعات مسلحة، بما في ذلك المشتبه في ضلوعهم في مقتل السفير كريستوفر ستيفنز، كما تركت مهمة إسقاط نظام القذافي والملف الليبي في يد حلفائها الاطلسيين، حيث اضطلعت فرنسا وإيطاليا ومعهما تركيا بمهمة تقويض نظام القذافي، إلى جانب أطراف إقليمية منها خليجية ايضا.

وبرز اهتمام أمريكي مع التطورات المسجلة في الساحة، فليبيا من اكبر الاحتياطات النفطية والغازية، وممرا حيويا.

ومع استفحال ظاهرة نشاط المجموعات المسلحة، أثار ذلك اهتمام افريكوم، وبالتالي واشنطن، وهو ما برز مع تواصل الإدارة الأمريكية مع خليفة حفتر.

ورغم إعلان البيض الأبيض اعتراضه على اتفاقيتي السراج وأردوغان، سواء الامنية او الاقتصادية الا ان الولايات المتحدة شجعت تركيا بطريقة غير مباشرة، لمزيد من الانخراط في ليبيا، لتحويل تركيا كقوة حاجزة للنفوذ الروسي هناك، كما شكلت تركيا من قبل حاجزا في الاطلسي إطار في وجه السوفيات.

وبات واضحا أن دوائر الصراع والتجاذب متعددة بين واشنطن وموسكو وأنقرة وموسكو، ناهيك عن التجاذب الاماراتي المصري والتركي، وهو معطى بات يفرض متغيرات تقض فرص التوصل على المدى المنظور إلى ترسيخ مسار سياسي، لاسيما وأن الملف الليبي يسجل منذ انسحاب غسان سلامة في مارس 2020 غيابا لآليات الوساطة ولمساعي الحميدة، كما انتفت الميادرات بعد اجتماع برلين المنعقد في جانفي 2020 .

ولعل التحرك الجزائري الأخير، ينم عن مقاربة للجار الليبي، انطلاقا من كون ليبيا عمقا حيويا استراتيجيا، وقد وجهت الجزائر رسائل مشفرة على لسان وزير الخارجية صبري بوقادوم، الذي اعتبر أن الأجندات الإقليمية والدولية يبدو أنها لا تتفق إلا على إبقاء ليبيا في حالة فوضى، وعلى أن التدفق الكبير للسلاح نحو ليبيا ساهم في تسليح “المجموعات الإرهابية”، موازاة مع التأكيد مجددا على استعداد الجزائر لاحتضان الحوار الليبي لتسوية الأزمة.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.