تاريخ مقالات

فرنسا .. تاريخ دموي وسجل لا إنساني

فرنسا .. تاريخ دموي وسجل لا إنساني

بقلم: هبة داودي – الجزائر

“حرية ومساواة وأخوة”، شعار اعتمدته الدولة الفرنسية الحديثة، وسعى الساسة الفرنسيين من ورائه الى حجب حقيقة فرنسا على مر العقود، و تاريخها الذي ظل ملطخا بأنهار من الدماء، فثورة سنة 1789 الفرنسية، والتي وضعت حدا لسلطة ونظام الملك لويس 16، أبرزت المقصلة كآلة موت، كما كشفت عن الثورة المتطرفة بشكل جنوني، لبلغ الدم أوجه مع صعود ماكسمليان روبسبير واليعاقبة، وهي الفترة التي شهدت موجة اعدام المدنيين، من قبل محاكم ثورية خلال عهد الإرهاب، حيث تشير التقديرات إلى أن إجرام فرنسا وقتذاك تراوح ما بين 16000 إلى 40000 مدنيا معدما.

وعشعش منطق الدموية في التاريخ الفرنسي طويلا، ليتجلى في حملاتها الاستعمارية، وانطلق بإرهاب ساسة فرنسا وتوصيات القنصل الفرنسي بمصر، شارل مجالون، عام 1798، أين كان التشديد على ضرورة ان تقوم فرنسا باحتلال بلاد المشرق العربي “لنهب ثرواتها وتدمير حضارتها، وما تبع كل ذلك من توصيات اعدت بنفس العام من قبل الوزير والسياسي والقائد العسكري “الكهنوتي” الفرنسي تاليران والتي أكدت على نفس توصيات شارل مجالون، وما تبع ذلك من حملة فرنسية كبرى..وفي موجات متلاحقة على بلاد المشرق العربي.

الحملة الاستعمارية الكبرى على الجزائر سنة 1830 .. بدأت بنهب أموال الدولة ونقض كل العهود، ليحتفظ التاريخ بأسماء قادة سفاحين وقتلة ارتكبوا مجازر في حق العزل.. بداية بدوبورمون قائد قوات الاحتلال في الجيش الفرنسي..

ما إن أحكم الاحتلال قبضته على البلاد حتى شرع في تقتيل العباد، واخضاع الجزائريين لقانون الأهالي، تعددت الجرائم الفرنسية على الاراضي الجزائرية، أرخ لها بالتفصيل، ومنها تلك المتعلقة بالابادة، بدء من إبادة سكان البليدة في 26 نوفمبر 1832، وقبيلة العوفية بوادي الحراش، في العاصمة، ومصادرة الممتلكات في الخامس من أفريل 1832، وإبادة واحة الزعاطشة بببسكرة في 26 نوفمبر 1849، وكذا قبيلة أولاد رياح، بجبال الونشريس في جانفي 1845 على يد بيليسيي.. كما شهد التاريخ على ممارسات كل من المارشال توماس بوجو والجنرال لويس أوجين كافينياك، وتقنيات القتل الجماعي.. كما حصل في السبيحة، بابادة قبيلة كاملة داخل مغارة في 1844 .

وبين سنوات 1960 و1966، أجرت السلطات الفرنسية الاستعمارية 17 تفجيرا نوويا في عمق الواحات الصحراوية، وتسببت تفجيرات فرنسا النووية في ازهاق 42 ألف روح جزائرية، وتعرّض الآلاف لإشعاعات نووية أدت إلى إصابتهم بأمراض سرطانية.

تلوثت البيئة وباتت منطقة “رڨان”، التي كان مسرحا للتجارب النووية، غير صالحة للحياة، وقد فاقت قوّة تفجير القنبلة الأولى قنبلة هيروشيما بثلاث مرات، وإلى اليوم لا يزال الجزائريون يطالبون فرنسا بالتعويضات.

لم تتوقف الممارسات الفرنسية التي عمدت الى الاحتفاظ بجماجم قتلى مقاومين جزائريين في متاحفها كبقايا أثرية، لتترسخ في الذاكرة البشرية حقيقة فرنسا المدنية، التي تعدت حدود رقعة الجزائر الجغرافية، وامتدت الى الدول الافريقية وحتى تلك المتواجدة في الشرق الأوسط..

و من باب شهد شاهد من أهلها اعترف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بأنه تم استنزاف افريقيا طيلة اربعة قرون و نصف، ففرنسا التي أبقت هيمنتها ووصايتها على دول القارة السمراء سواء عبر شركاتها التي تستنزف الثروات، أو الاشراف على العملة الافريقية من قبل البنك المركزي، و وفق شعار أطلقه الجنرال شارل ديغول بأن فرنسا ليس لها أصدقاء بل لديها مصالح فحسب، لم تتردد باريس في بطرق مختلفة من زعماء افارقة صنفوا في خانة المزعجين بعد سعيهم الى الخروج من بيت الطاعة الباريسي والتمرد عن الوصاية الفرنسية.

فمنذ سنة 1963 كان مصير حوالي 20 رئيسا وقائدا افريقيا التحييد والإبعاد أو التصفية، ففي الكمرون دفع الزعيم اوم نيوبي، ورفقاءه ثمن الكفاح من أجل الانعتاق من نير الاستعمار الفرنسي، و كان نتيجة ذلك بحر من الدماء امتد من 1957 الى غاية بداية السبعينيات بحصيلة ضحايا بالآلاف.

أما في التوغو و بعد اقل من ثلاث سنوات من الاستقلال، حاول الرئيس المنتخب سيلفانوس اولمبيو الخروج من دائرة الفرنك الفرنسي، فكان مصيره التصفية عام 1963.

ناهيك عن الدور الفرنسي البارز في تصفية الرئيس الليبي معمر القذافي، وتأجيج الصراعات القبلية في رواندا بتسليح الهوتو ضد التوتسي..

هي فرنسا الإستعمارية، التي لطالما ارتبط تاريخها بأحداث دموية، وسلسلة من التصفيات في حق الإنسانية، متبجحة بشعارات لا علاقة لها لا بحرية ولا مساواة ولا أخوة.. بل ولا حتى إنسانية.

Facebook Comments Box

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.