أدب و تراث تاريخ مختارات مقالات نصوص أدبية

قراءة عن مآلات الربيع العربي

بقلم/ أ. خلوصي عويضة

رافضا مخدر الوعد والوعيد، ضمّ الشعب العربي جناحيه على جراح آلامه وأجرى بنجاح عملية كي وعي فطوى مرّة وللأبد عهد خوف الشجاعة وشجاعة الخوف، استبدل قفر الروح بعمار وفقر الطموح بأمل في غد أفضل؛ أيقن أن دويّ الحق أقوى من دبيب بساطير العسكر، قراءة في نقد مواقف حيتان الصحافة العربية الحدباء والثقافة العرجاء من خلال تأملات في مآلات الربيع العربي….

وافق قبل أيام قليلة ذكرى نكسة حزيران؛ ابنة النكبة الكبرى؛ وكلّ انتكاسات أمّتنا من الحجم الكبير؛ وأزعم أن الرابط بين الأمسين قائم في الصميم، مما حفّز ألمي لأكتب هذا المقال، فعلى أرض الواقع؛ متى حاز المواطن العربي قسطا من الوعي فإنه ينال من اللطم والضرب المعنوي ما ينال الطبل يوم العيد.

لا ريب أن مضلات الفتن في يومنا؛ تسافر بنا من برّ مضطرب اليابسة إلى برّ رماله متحركة، ومن بحر غويط إلى محيط أغوط، فها هي تحديات القضايا المصيرية المعضلة تحيط وتحدق بنا؛ وتطاردنا أشباح كوابيسها المفزعة حتى في مناماتنا، فإما أن ننجح في الثبات والمواجهة، أو نجتاز محنة امتحانها بأقل خسارة أخلاقية وأدبية ممكنة، ترى ما موقع مواقفنا من الإعراب، أأقرب للنجاة أم…؟

أبدأ بنقد الذات أولا، على مدار عقود من الأمس البعيد والقريب؛ ونحن الفلسطينيون نتساءل ذات السؤال المكرر كل يوم مئة مرّة “أين هم العرب؟ أين هي الشعوب العربية الشقيقة؟ لماذا تصمت عن نصرة قضيتنا وتخذلنا؟”،

عايشت هذا المشهد بالسمع والبصر منذ الصغر، وهو بالمناسبة عتاب أخوي مشروع بحكم وحدة الدم والمصير، ولما لفلسطين من منزلة في الوجدان العربي الجمعي، وكان دأبنا “وللمفارقة ما زال” أن نعيب عليهم خضوعهم وضعفهم وخوفهم من مواجهة حكامهم المتجبرين؛ محترفي صفة وصنعة الهوان، فلمّا تحرّك الشارع العربي آخذا زمام المبادرة للتغيير السياسي؛ سارع البعض من المحسوبين على الوسطين الصحافي والثقافي؛ للزعم أنه مخطط صهيوأمريكي، وأن زرع الفوضى الخلاقة بدأ ينمو ويثمر ويؤتي أكله، وتباعا ارتفعت وتيرة التحذير بين مشكك ومتشكك ورافض للمؤامرة الكونية على الوطن العربي!! وعلا صوت هؤلاء ناظرين لمخالفيهم الرأي بغمز ولمز يتراوح بين تسفيه عقولهم وتسطيح أحلامهم، بل تمادى بعض البعض في تعصبه العدواني لرأيه كأنّما لا يأتيه الباطل ولا يخطئ؛ فرمى كلّ مؤيد للربيع العربي بنظرة دونية لم تخلُ من التلويح بتهمة تأييد المخططات الغربية لتقسيم أوطاننا، ممارسين بذلك شكلا من أشكال الإرهاب الفكري والتسلط المعرفي؛ وادعاء احتكار الصواب، فناقضوا أنفسهم؛ إذ لطالما عابوا ونددوا بهكذا سلوكيات بائسة ومواقف متعنتة متصلبة تصادر حق الاختلاف، مما أدى بالضرورة الى خفوت الرأي المؤيد والصوت المبارك للثورة ضد الظلم والطغيان؛ وتحوله إلى همسٍ خفي خشية أن يطاله قذف هذا أو ذاك من أصحاب الأقلام والألسن المنفرة حتى من مجرد ذكر التعريف أو التوصيف الدارج “الربيع العربي” فوصف الحالة بالربيع يتراوح حكمه في عرف أدمغتهم بين جنحة أو جناية، ويقال لك باستهجان واستنكار وسخرية “أي ربيع يا رجل، قل الخريف” !!، وذاع صيت هذا التجني كأنما يطوي المسافات بين العقول طيا، لما لمنظريه من أثر في تشكيل الرأي والوعي.

عن نفسي؛ هتف قلبي وقتذاك مع الهاتفين في الساحات والميادين” الشعب يريد إسقاط النظام”، كنت وما أزال مؤمنا أن الربيع العربي كان حلما مشروعا، حلم لم يبرحنا ولم نبرحه، حلم ملهم يمنحنا حبورا مؤجلا، إلى أن تحقق فولد طاهرا بريئا من دنس إبليس إذ جاء استجابة لأمنيات شعوب ذاقت ويلات مرارة استبداد ولاة الأمر، وحاشية شياطينهم الذين كانوا بالأمس قطاع طرق فأمسوا اليوم إقطاعيين بفضل ما لهم من حظوة ودلال لدى سدنة بيت مال الدول المنهوبة أولا بأول، جريا على مبدأ وديدن اللصوص القائل “السارق من السارق كالوارث من أبيه”، في الأثناء، عايش الشعب العربي لسنوات طوال تبعات مآسي فقر وبؤس وتخلف، وهدر كرامة إنسانية قيمتها أخف من جناح بعوضة، إضافة لانحسار الحق بدولة مدنية وتداول سلمي للسلطة، فلا غرابة أن غابت الحقوق الآدمية التي كفلتها الشرائع السماوية قبل الوضعية بقرون عديدة.

حين أيقنت أجهزة الدولة العميقة في البلاد التي اندلعت فيها الثورة أن أزهى أيام قهرها وظلام ظلمها توشك أن تتلاشى لتشرق شمس صبح جديد، أواه كم طال انتظار الفقراء الضعفاء البسطاء بشرى ولادته الميمونة، استنفرت وهي الخبيرة المتمرسة في الكيد والدهاء، واحتراف البطش والقتل والسحل، وبيدها السلاح والمال، وجوقة وزراء سارعوا مع بدء الحراك فاستبدلوا (إمعانا في التلبيس والتدليس) ملمس جلدهم الخشن بناعم كفراء قطط الأثرياء؛ أو ساحر كورق بنكنوت طازج، وتعلّق بذيل هؤلاء حشد يشبه طابورا طويلا من مرتزقة الإعلام المرتبط دوام مصالحهم ومكانتهم بتأبيد عمر أنظمة الحكم المتسلّطة على رقاب العباد، فبرهن هذا البعض من الصحفيين العرب عن عمق ولائهم لسادتهم إذ لم يجدوا حرجا ببذل ماء وجوههم وسكب دواة حبرهم لتلميع أحذية المسؤولين، بوقاحة تليق بهم برّءوا القبح وأدانوا الجمال، هتفوا بهذيان وحمية بحياة الأقوياء وأداروا ظهورهم للضحايا الضعفاء.

استنفر هؤلاء جميعا (تماشيا من منطق الأشياء) كلّ طاقاتهم وأعوانهم من بلطجية وشبيحة وزعران دامية أنيابهم، بالطبع دامية وإلا هل يصدق أو يتصور أحد على وجه الأرض أن بين ضلوع الضباع ثمة ضمائر تنبض؟! وتوالى الليل والنهار وفي كلّ لحظة تزجُّ بين الجموع الثائرة الصاخبة من يوقع الدسائس، ويرتكب الجرائم باسم الثورة، الثورة التي تسربل فضاءها بالضباب إثر اختلاط الصالح بالطالح والحابل بالنابل، إذ لم تتورع تلك الأجهزة الأمنية عن إطلاق سراح ذئاب وعتاة المجرمين من سجونها وتسليحهم وقذفهم في أتون معركة حياة أو موت، فشبح المحاسبة والمحاكمة كان ماثلا أمامهم، وللأسف استطاعوا إنجاز نجاحات تلو نجاحات فحرفوا الثورة عن مسار سلميتها الصحيح وغايتها الشريفة المشروعة، مشوّهين صفاء بياضها ونقاء صورتها، وهدفها النبيل ببعث عهد جديد مغاير لما مضى، إنّ أرضنا العربية عطشى ويوما ستنظر بامتنان نحو السماء وهي تقبّل قطرات المطر، ستفرح سنابل القمح في البيادر والمروج، ستضاء حقول أقحوانها بلون الفراشات الزاهية والعياسب المشاغبة تلهو مع بواكير الربيع، فدوام الحال من المحال والتغيير أمر يتسق وينسجم مع طبيعة وحاجة الفطرة الإنسانية، وناموس الكون الذي أبدعه الخالق على غير مثال سابق، فلم يأت من فراغ ما يجري على ألسنة العوام أن تغيير الوجوه رحمة، رحمة تهفو لنسيمها النفوس.

فليهدأ رسل الخوف المحذرين من الفوضى، ربما بعضهم عن طيب نية وسلامة قصد، اطمئنوا فها هم أهل تونس الخضراء يتنفسون عبق رائحة الياسمين، والسودان ليس منا ببعيد، “رغم أن مسار الثورة إلى الآن جاء مخيبا للآمال خاصة على صعيد البعد القومي”، ورأينا كيف أنجز حراك الشارع الجزائري المغوار الكثير؛ ولم يبق إلا القليل، أما عن محنة أهلنا في ليبيا واليمن، فلولا التدخل المشبوه المشؤوم لقوى البغي والشرّ لشارفت الثورة بلوغ شاطئ الأمان، والرجاء كبير أن تثوب أطراف النزاع الدامي إلى رشدها وتحقن دماء بعضها وتصون مستقبل أبنائها من العبث، فتتعافى ليبيا ويعمّ الوئام ربوعها، وبصر الأمل يرنو نحو اليمن، عسى اسمه الجميل يقترن مجددا بوصف السعيد، ولعلّ لبنان على موعد مع فجر جديد.

كم كان مؤسفا أن يغالي البعض منا في موقفه المعادي للربيع العربي؛ متكئا على حجج أراها واهية متهافتة كالحفاظ على جبهة الرفض والممانعة والمقاومة، وهذه دعابة أو دعاية يهزأ من زيفها الواقع، وممّا أثار وهيّج استهجاني حتى بلغت الغرابة ذروتها، أن من الرافضين ذوي ميول إسلامية تتبع أطماع ومصالح دول إقليمية معينة من لم يتورع عن الدعاء بالهلاك والثبور وعظائم الأمور الدينية والدنيوية على مخالفه الرأي؛ فأخفق رغم ثقافته أن يتحلّى أو يتلحّى بالحدّ الأدنى من أدب الخلاف، ترى؛ أكانت الثقافة أكذوبة دعاوينا الكبرى؟

ألم يمتلئ ثوبها الفضفاض بالرقع؟ كيف يمكن للكاتب أن يؤدي دوره الطليعي التنويري في ظلّ نظام يحارب ويعادي حرية الرأي والفكر؟

هل يجتمع أو يلتقي القمع والإبداع؟ أم أنني مخطئ واهم والأمور على ما يرام؛ وفقط تحتاج الثقافة إعادة تعريف وتقييم للدور المنوط بها والكف عن ترديد مقولة أن الكاتب في حالة اشتباك دائم مع قضايا أمّته نصرة للضعفاء في الأرض.

أعلم أن عامتنا كبشر يأتي رأيه محمولا على موج إما بحر المصالح؛ أو المشاعر؛ ولا أنكر بدوري أن ما أكتبه دمغته وشحنته مشاعري بأثرها، فخذلان ثورة الشعب السوري مثلا، التي تآمر وتكالب العالم على إجهاضها، سواءً العدوّ المجاهر أو العدوّ الذي تزيّا بلباس صديق وتقمص صورته، ترك في نفسي أثرا مؤلما إلى الآن أجدني عاجزا عن الفكاك من سطوته الإنسانية، لا زال صدى هدير الثائرين في الميادين يرددون شعار ثورتهم الخالد “ما إلنا غيرك يا الله”، يدوي رجيعه في أعماقي، حزن أسيف رحيم يغصّ به الحلق فيغشى العين بلل دمع حارق كجرح مسّه ملح؛ أتساءل هنا… ترى كم مرة يجب أن يموت الميت؟!

نحن لن نحيا مطأطئي الرؤوس نجرجر أقداما متعبة، ولا نحن نطارد طواحين الهواء كالفارس الأحمق (دون كيشوت) إنما هي قلوبنا تخفق مثل بندول الساعة، لن تخطئ موعدها مع غدها القادم، نعم ربما يتوقف قلب الحياة؛ لكن؛ ما لم تقم القيامة فانه يعود لينبض من جديد، لن يضيق فضاء أمتنا فتختنق، لن تشيخ ولن تموت، نعم تتعب وتمرض لكن تكفي إبرة في العضل وأخرى في الوريد لتنشط فتنهض وتطرد الضيم، تعود شابة رشيقة؛ شعرها ضفائر حرير؛ لها عيون المها؛ عنقها إبريق فضة؛ صدرها عريض وطولها مديد كعمتنا النخلة، تضم المحيط والخليج، فرسٌ في الحسن عزّ نظيرها؛ مهرة نفيسة، بطنها كنز وظهرها عز، ما من حصان على وجه البسيطة الا ويخطب ودّها، أيضا مفتون أنا بمغزى وجمال أجنحة الطيور، أرأيتم البلابل والحمائم والعصافير البرية؛ أيقونة ورمز الحرية، إن أمّة الطير لا يقبل بعضها بعضا إلا من الفم، قبلة المجاملة من الوجنتين لا تجدي، ونحن أيضا؛ يوما سوف ينحسر الليل الطويل ويسفر الصبح عن شمس مشرقة، حينها سنقبل الربيع العائد من فمه، أجل؛ سلنثم ثغره الباسم، وسنعرف سرّ العشق بين زهر الحنون وشقائق النعمان.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.