أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

والآن حدثيني عن نفسك

كتب الأستاذ علي حسين:

بعد يومين من الجحيم استطعت أن ألحق بعائلتي. وأمام أول دبابة أمريكية رأيتها تظهر، بكيت.

انتابني شعور متناقض: من جهة كنت سعيداً للهزيمة النهائية للفاشية والنازية، ولكن من الجهة الأخرى، كانت رؤية دبابة أجنبية على أرضي تتسبب لي في ألم شديد.

أندريا كاميلليري من كتابه ” والآن حدثيني عن نفسك “

أندريا كاميلليري الذي رحل عن عالمنا يوم 17 تموز 2019 يعد ابرز كتاب رواية الجريمة في ايطاليا .. وكانت رواياته تتجول في دهاليز المافيا الايطالية التي قال انه لم يكن يسعى الى تجميل صورتها ، وعاش كاميليري، باعتباره شخصية وطنية تثير المحبة والاعجاب لدى مواطنيه تماماً مثل شخصية المفتش مونتالبانو التي ابتكرها .

ولد كاميلليري في جزيرة صقلية عام 1925 ، والتحق بكلية الآداب عام 1944، لكنه لم يواصل دراسته ف حيث اتجه لدراسة الفنون المسرحية ، ليتخرج من أكاديمية للفنون المسرحية . بدأ مشواره بالعمل كمخرج مسرحي حيق قدم على المسرح أعمال لويجي بيرانديللو وصمويل بيكيت .

كتب كاميلليري روايته الأولى بعنوان “طريق الأشياء في الذهاب” عام 1978، ثم قدّم سيناريو فيلم “خيط الدخان” سنة 1980، ولم ينل كلا العملية نجاحا ، ثم بعد انقطاع دام لاثني عشر عاماً، يكتب روايات جديدة ضمن سلسلة “موسم الصيد” التي تصدّرت الكتب الأكثر مبيعاً.

في عام 1994، أصدر سلسلة طويلة من الروايات تحت عنوان “شكل الماء”، أو التي اشتهرت بروايات المفتش مونتالبانو، اسم بطل السلسلة، وهو محقق من صقلية يعمل في شرطة مدينة فيغيتا، وهي مكان متخيّل اخترعه كاميلليري .

خلال حياته ، نال العديد من الجوائر والتكريمات وايصبح أحد أبرز الروائيين في بلاده، بعد أن تخطّت مبيعات رواياته عشرة ملايين نسخة، وترجمت أعماله إلى لغات عديدة، حيث انتشرت أعماله في بريطانيا وتحوّلت إلى مسلسلات تلفزيونية..ترجمت الى العربية ثلاث كتب له هي : كتاب المذكرات “والآن حدثيني عن نفسك ” والذي صدر حديثا ورواية تركيب التلفزيون ورواية الكلب الفخاري

عُرف كاميلليري بآرائه الصادمة حول السياسية والدين، ومواقفه الحادة ضد سياسات اليمين الإيطالي المعادية للمهاجرين، والتي اعتبرها عودة إلى الفاشية .

تسرد روايات كاميلليري الحياة اليومية، بمزيج من اللغة المحلية الايطالية ، وبطابع انساني يستعيد القارئ نفسه من خلالها، كإنسان من هذه الأرض. كتب :” إن المخرج يجب أن يعرف كيفية سرد القصص التي يكتبها الآخرون، ولكن بطريقته الخاصة، مما يجعلها تبدو دائماً جديدة ” .

اعترف انه عشق الفاشية في صباه كتب :” كان من المحتمل أن أكون فاشياً متحمساً في سن العاشرة، لدرجة عندما أعلن موسوليني الحرب على الحبشة في عام 1935، كتبت إليه رسالة أطلب منه الإذن للذهاب كمتطوع إلى ميدان المعركة. وببهجة وسرور تلقيت رداً منه يخبرني فيه أنني ما زلت صغير السن كثيراً” ، لكن بعد ان نضج واصبح شابا تغيرت مواقفه وكان من اوائل الموقعين على بيان ” الخلاص من الفاشية “.

يؤكد كاميليري انه كاتب محلي بالدرجة الاولى : ” تذكرت عبارة كتبها دوستوفسكي يقول فيها : اروِ قصة بلدتك. إذا رويتها جيداً، ستتمكن من سرد قصة العالم كله ” .

في الاعوام الاخيرة ارسل كاميليري رواية الى ناشر كتبه طلب منه ان ينشرها بعد سماع خبر وفاته وفي هذه الرواية يموت بطل رواياته المفتش مونتالبانو :” . دعونا نقول إنني أصدّق قليلاً الخرافات التي يؤمن بها أهل صقلية، لذلك ابتكرت حلاً… أرسلت الرواية مباشرة إلى لناشر وقلت له: خذ، احتفظ بها . هذا أمر لا رجوع عنه. لسنا نتحدث عن كونان دويل الذي جعل شيرلوك هولمز يسقط في الهاوية ثم أعاده إلى الحياة. نحن نتحدث عن شخصية أدبية… وها هي تختفي ” .

كتاب ” والآن حدثيني عن نفسك.. رسالة إلي ماتيلدا ” ترجمته الى العربية عن الايطالية المترجمة المتميزة اماني فوزي حبشي هو رسالة طويلة كتبها الجد ” كاميلليري ” الى ابنة حفيدته الصغيرة مالتيدا ، أراد من خلالها أن يخبرها عن نفسه وأن يترك لها جزء من ذاكرته . والرسالة او الذكريات تتناول فترة تاريخية مهمة ومثيرة في تاريخ إيطاليا وأوروبا كلها، حيث يتناول أزمة إيطاليا مع الفاشية بعيني طفل ثم شاب، طفل تأثر وآمن بها في البداية ثم شاب قارئ استطاع أن يعيد تقييم مفاهيم وأفكار تربى عليها، وهو يؤكد في صفحات الكتاب ان الانسان حتى في شيخوخته لن يتوقف عن أن ادراك حقيقة مهمة وهي انه شخص قيد التطوير دائما وأننا نتغير ونتطور كل يوم.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.