فكر مختارات مقالات

ألبرت حوراني والفكر العربي في عصر النهضة 1798 – 1939

سلسلة كتاب كل يوم جمعة (36)
تاريخ فكرنا (1/4)
الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939

بقلم: د. وسام محمد – مصر

شهر جديد يجمعنا بمراجعات وترشيحات بعض الكتب المهمة، وهذا الشهر أخصصه لمؤلفات تناولت تاريخ الفكر العربي عامة والمصري خاصة في الحقبة المعاصرة، وهي مؤلفات هدف أصحابها إلى رصد السياق التاريخي التي ظهرت فيه الاتجاهات الفكرية وكيف تطورت وكيف تفاعلت فيما بينما وأثرت على حركة التاريخ، فإن عرضوا لهذه الاتجاهات كان عرضهم عامًا بما يتناسب مع الهدف الأصلي؛ وأود أن أنوه بادئ ذي بدء أنني وإن كنت أثمن كل جهد فكري وعلمي التزم منهج موضوعي، فإنني ألتزم الحياد التام بالنسبة إلى استنتاجات المؤلف وأحكامه في ما أورده من مادة تاريخية وفكرية.

الكتاب الذي افتتح به رحلتنا هذه، كتاب (الفكر العربي في عصر النهضة 1798-1939) من تأليف آلبرت حوراني، ويذكر المؤلف في مقدمته أنه في معالجته لموضوعه قد استخدم تعريف عام عريض للمدارس الفكرية، وهو يعترف بأن هذا التعريف قد يتسبب في إخفاء تباينات اصيلة بين من يقدمهم على أنهم أبناء لمدرسة واحدة، ولكنه لجأ إلى هذه المعالجة حتى يسهل على قارئه تفهم الملامح العامة للتطور الفكري العربي في الفترة التي يدرسها، ومن ثم يقسم حوراني التاريخ الفكري العربي في هذه الفترة إلى أربعة مراحل أو أجيال؛ المرحلة الأولى تبدأ من عام 1830 وتمتد إلى 1870، والثانية إلى 1900، والثالثة حتى عام 1939، والرابعة تنتهي مع تاريخ تأليف الكتاب، إذ صدرت طبعته الأولى عام 1962.

بعد هذه المقدمة، يعرض حوراني من خلال ثلاثة عشر فصلًا تصوره لتاريخ الفكر العربي. الفصول الثلاثة الأولى بمثابة تمهيد ثقافي وتاريخي لما سوف يأتي بعدها، في الفصل الأول الذي أعطاه عنوان (الدولة الإسلامية) يلخص لقارئه الخصائص العامة للإسلام، ومن ثم كيف شكلت هذه الخصائص حضارة الإسلام، مبينًا لحظات التقارب والتباعد التاريخية بين النموذج والواقع؛ أما الفصل الثاني والذي عنونه (الدولة العثمانية) فيقدم فيه لفهم الأوضاع الاجتماعية والثقافية في زمن الدولة العثمانية والتي مثلت رد الفعل على الانكفاء الإسلامي أمام أوروبا، وإن كان رد فعل عسكري ودفاعي في المقام الأول، ويعتبر الفصل الثالث امتداد للفصل الثاني، وقد اسمى حوراني هذا الفصل (الانطباع الأول عن أوروبا)، وعرض فيه كيف أثر النموذج الأوروبي سلبًا وايجابًا على العالم العربي، وتحول هذا التأثير إلى صدمة مؤلمة بفعل الغزوة الفرنسية الإجرامية لمصر والشام.

ابتداء من الفصل الرابع وعنوانه (الجيل الأول: الطهطاوي وخير الدين والبستاني)، ينتقل حوراني إلى موضوعه الأصلي، حيث يعرض الفكر العربي في مرحلته الأولى من خلال ثلاثة نماذج، رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي وبطرس البستاني، والجامع بين هذه النماذج الثلاثة أن كلهم عالجوا مسألة الدولة والانتماء للدولة ولكن بطرق مختلفة، فالأول، الطهطاوي مثل جسرًا ناقدًا للحضارة الغربية، كما أن دوره في التنظيم المؤسسي للتعليم كان حاسمًا في تخريج جيل جديد من المثقفين المصريين، بينما كان أفكار التونسي ذات تأثير أكثر عمقًا من الأول، فعملت إلى إعادة تعريف الدولة كلها على أساس العقد الاجتماعي بين المواطنين وهو ما حققه فعلًا من خلال (عقد الأمان)، ويشترك التونسي مع الطهطاوي أن كلاهما عملا من خلال مؤسسة الدولة القائمة وفي إطار مشروعها، وكان ظهورهم واختفائهم من دائرة الضوء نتيجة صراع الأجنحة الإصلاحية والمحافظة داخل الدولة نفسها، وعلى العكس منهما كان بطرس البستاني، والذي كان جهده يهدف إلى تعزيز هوية جامعة من خلال اللغة العربية.

الفصل الخامس يحمل اسم (جمال الدين الأفغاني) ويخصصه حوارني لمناقشة أفكار الأفغاني وتأثيرها على محيطه ودوره في الحوادث السياسية الكبرى في الشرق الأوسط في زمانه، كما يخصص قسم من هذا الفصل لمناقشة تصورات أهم دارسي الأفغاني في الغرب عن حياته، ويلي ذلك الفصل السادس وعنوانه (محمد عبده)، وهو التلميذ الأهم للأفغاني، ويرصد حوراني في هذا الفصل أفكار عبده وأعماله، وكيف مثلت حجر الأساس للاتجاهات الإصلاحية المحافظة الحديثة إلى اليوم، وهو ما يتناوله باستفاضة في الفصل السابع الذي اسماه (تلاميذ عبده في مصر، الإسلام والمدنية الحديثة) ويبين فيه الفصام والمفارقة بين الاتجاه النازع للتأصيل والتطور في السياق الحضاري، والاتجاه المتأثر بالغرب والداعي لاستنساخ نموذجه، وإن كان هذا الاتجاه الثاني حتى هذه اللحظة لا يعدو إلى فكرة مخاصمة الإسلام وإرثه الحضاري.

الفصل الثامن، وعنوانه (القومية المصرية)، ويعرض فيه كيف تحول الاتجاه الثاني في ظل الظروف التاريخية إلى نخبة اجتماعية تهيمن على المؤسسة البيروقراطية وعلى الثروة وتتصالح مع الغرب، واصطلحت لنفسها مفهوم القومية المصرية كأيدولوجيا سياسية لم تستطع أن تخف التناقضات الثقافية بين المعممين والمطربشين، والاجتماعية بين مالكي الأرض والصناعيين الجدد والفلاحين والعمال، ولا الجهوية والأثنية بين مكونات مختلفة.

الفصل التاسع، وعنوانه (رشيد رضا)، وهو ممثل الاتجاه الأول بين تلاميذ محمد عبده في مصر، وتحت هيمنة اتجاه القومية المصرية على الشارع، وصعود تيار أكثر تطرفًا داخل هذا الاتجاه، يجبر رشيد رضا على إعادة انتاج أفكار عبده في صورة أكثر محافظة وأكثر دفاعية، ولكن في نفس الوقت يقوم بإثراء واسع ونشر لمفاهيم محمد عبده من خلال نشاطه في مجال الكتابة الصحفية والنشر، وهو النشاط الذي أظهر تأثير لدى نخبة ثقافية بحتة، نشئت بصورة تقليدية واعتبرت إن الحفاظ على الإرث الحضاري الإسلامي وتطويره، هو سبيلها لمقاومة النفوذ الغربي.

الفصل العاشر، يعنونه حوراني (طلائع العلمانية: شميل وفرح أنطون)، ويؤرخ فيه إلى تيار متطرف خرج من رحم التيار المتآلف مع الغرب، ولكن هذا التيار الجديد مقطوع الصلة تمامًا بالحضارة الإسلامية العربية، ومأخوذ بالكامل بالنموذج الغربي، ويعيد اجترار الأفكار الغربية مستخدمًا اللغة العربية، ويعتبر الفصل الحادي عشر مكملًا لهذا الفصل، وهو الفصل الذي سماه حوراني (القومية العربية) إشارة إلى اتجاه فكري أنبثق من المدرسة العلمانية المتطرفة، وأعاد استنساخ الخطاب القومي الأوروبي كاملًا دون وعي باختلاف الإرث والواقع الحضاري.

الفصل الثاني عشر أوقفه حوراني على شخصية (طه حسين)، والذي يقدمه كمثقف يعمل من خلال منظومة الدولة ومشروعها، ومتآلف مع الغرب، دون الإنقلاب على الإرث الحضاري الإسلامي والعربي، ولكنه مضطر دائمًا لإعادة تفسير هذا الإرث، تفسير غير موضوعي، ليوفق بينه وبين القيم الغربية.

وأخيرًا الفصل الثالث عشر والأخير، وهو خاتمة للكتاب عنونها المؤلف (الماضي والمستقبل) ويعرض فيها رؤيته لمستقبل الفكر العربي بناء على تصوره لتاريخ تطوره.

الكتاب ماتع، ومادته غزيرة، ويفتح الباب لقراءة العديد من النصوص التي أسهمت في صناعة تاريخ الثقافة والفكر العربي على مدى قرنين من الزمان؛ وسواء اتفقت أو اختلفت مع بعض أو مجمل ما قام به المؤلف، فلا يسعك إلى احترام هذا الجهد العظيم الذي أدى إلى إخراج هذا السفر. الطبعة التي بين يدي، صادرة عن منشورات نوفل/هاشيت أنطوان في بيروت عام 2013 ومن ترجمة كريم عزقول، وهو نفسه من ترجم أعمال أخرى لحوراني، والترجمة في مجملها ممتازة، إلا في بعض المواضع خان المترجم فيه قريحته فكانت عباراته مبهمة.

والمؤلف آلبرت حوراني من أصل لبناني، هاجرت عائلته إلى المملكة المتحدة في أوائل القرن العشرين حيث ولد هناك عام 1915، تخرج من جامعة اوكسفورد، وعمل فيما بعد في جامعات مختلفة منها الجامعة الأمريكية في بيروت، وجامعته التي تخرج منها، جامعة اوكسفورد، وأعرق الجامعات الأمريكية في هارفارد وشيكاجو. إلى جانب كتابه المذكور له كتب أخرى أهمها (تاريخ الشعوب العربية). مثل حوراني من خلال أعماله العلمية وأنشطته العملية نموذج المستشرق الجديد، الذي يهدف من خلال انتاجه الفكري إلى تقديم رؤية واضحة عن الآخر، وتميز بأنه إذا ينحدر أصلًا من هذا الآخر بكثير من الحيادية وربما الانحياز الإيجابي، ولكن لا يمكن تجاهل أن قسم كبير من أعماله العلمية كانت في سياق دعم تعريف السياسيين والدبلوماسيين الغربيين بعقل العرب وخصائصه وطرائق تفكيره.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.