أدب و تراث مقالات

شذرات ذكرى

شذرات ذكرى

بقلم: د. لحسن دحماني

أتذكر: عندما كان جدي يحكي لنا الحكايات ( المسيسي؛ عائشة دويبة، الغول، سيدنا يوسف، راس بنادم، الثعلب والديك، أم جنب( مع تسكين الجيم)… وغيرها كثير، ونحن نتحلق من حوله مشدوهين لكلماته السحرية، نرسم شخوص الحكايا في مخيالنا، ونفترش فراشا صوفيا من نسج والدتي المخطط بألوان زاهية ترسم فيه خط الحياة النضالي (المنجج) والشمعة تكاد تنطفئ قبل أن ينهي جدي الحكاية الأخيرة قبل النوم… كانت أيام فصل الشتاء باردة تجعلنا نتعاضدد مع بعضنا تدافعا من أجل أن تنتج أجساد بعضنا البعض نوعا من الدفئ تحت بطانية الصوف الطويلة التي يحتمي الكل تحتها من البرد القارس.

أتذكر جدتي عندما كانت أمي وأبي يذهبان إلى فدان الزيتون من أجل جني الزيتون وطحنه بمعصرة تقلدية (البغل وحجرة الرحى الكبيرة وشاميات الدوم التي يوضع فيها طحين الزيتون) لتقوم جدتي بإعداد الحساء (الحريرة) وعودة أخي مساءا متأخرا من العمل اليدوي الشاق(الحسين).

أتذكر يوم كنت أنا وابن أختي (حميد) الذي لا أكبره إلا بشهور قليلة نلعب بالدراجة التي صنعناها من باقايا ناقل الماء وبعض الأسلاك، وأخرى من برميل السمك وسدادة القنينات الزيتية… أتذكر يوم وضعنا لأول مرة الأسمنت (الضالة) على سطح أحد البيوت فيما بقيت البيوت الأخرى بالمنزل ذات سقف مكون من القصب والخشب والطين، ولم يكن لذك ليحدث لولا عمل أخي الأكبر معلماً أنذاك، وأنا لم أدخل بعد إلى المدرسة…

أتذكر يوم دخولي إلى المدرسة بمحفظة من توب (الدجين) كأنها عمارة لأكل الفرس أعلقها على كتفي النحيل ثارة وأجرها ثارة أخرى، أو تحملها عني أختي الأكبر سنا (فاطمة).

أتذكر أول يوم رأيت الكهرباء تنير بيتنا لتنجلي معه الشمعة وتنقرض، وما كان ذلك ليحدث إلا بعزيمة أخي الأكبر المعلم (محمد)، الذي أبى أن يجر سلك الكهرباء من أحد المنازل التي كانت تبعد عنا بحوالي 600 متر أو أكثر، أتذكر أيام كنت وأمي نذهب لجلب الماء بقنينات 5لتر من دار خالتي زهور( خالتي فقط لكبر سنها)، والتي لن ننسى فضلها وزوجها أيضا…

أتذكر أيام تحلقنا أمام أول تلفاز بالأسود والأبيض (صندوق كبير أبيض) وهو يتوسط مائدة الطعام الوردية، أتذكر حينها أن أول ما شاهدناه في سلسلة رمضانية هو (عباس: سعيد الناصيري)…. أتذكر أيام وأيام بحلوها ومرها وتضامنها الاجتماعي الذي بدأ ينقرض من حولنا.

هي شذرات من ذكرى النضال لأسرة أبى والداها إلا أن يهاجرا من قريتهما في مخاطرة إلى المدينة من أجل تدريس أبنائهم وبناتهم… من أجل عدم ترك أبنائهم بين بيوت الأهل…
أبي مولاي قدور دحماني، وأمي لالة فضيلة الطيبي: رمز المسؤولية والتضحية…. حفظهما المولى من كل سوء…

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.