اجتماع مختارات مقالات

من معارك اللوائح إلى دوّامات المعنى

من معارك اللوائح إلى دوّامات المعنى

“إشارات سوسيو- مؤسسية”

بقلم: منصور الكلابي – تونس

يبدو أن “معارك اللوائح ومشاريع القوانين المجهضة” بمجلس النواب تخفي مستويات متعددة لأزمة مركّبة يعيشها البرلمان، فبالإضافة إلى المستوى الرئيسي للأزمة ذو “الطابع السياسي واختلافات وتناقضات الأطراف المكونة له”، نحاول من خلال هذه التدوينة تقديم اشارات أولية لتوصيف سوسيو- مؤسسي وثقافي كمستوى وإطار للأزمات الحالية و المرتقبة للمجلس (وهو بعد ثانوي وهامشي في التحليلات السياسية).

فما حدث ويحدث في البرلمان يمكن قراءته على المستوى التنظيمي –المؤسسي (ودون تفصيل في المواقف والأفراد والمجموعات) بأنه تعبيرة مأزمية ثلاثية الأبعاد:

– خلل عام بنيوي وهيكلي يرتبط بتمثيليته الاجتماعية وقواه الفاعلة وهيكلته وكتله ومستويات النفوذ والسلطة والتأثير…..

– تعطل وظيفي بمعنى انسدادات متعددة بين عناصر النسق المختلفة من حيث طرق ومناهج العمل وقنوات التواصل والحوار والثقافة المؤسسية والرموز السائدة…..

– غياب وعجز”نموذج تسييري- قيادي واتخاذ القرار” بمعنى سطوة- تأثير البعد الخارجي في اتخاذ القرار من جهة ، وبالتجاذب الحاد حول رئيس المجلس وخلفياته وأدواره من جهة ثانية ، بما يفقد النموذج التسييري للمجلس قدراته وأدواره القيادية والاتصالية والتجميعية المطلوبة ….

هذا الخلل البنيوي العام متعدد الدوائر يمثل (إلى جانب عوامل أخرى طبعا) عائقا “تنظيميا” لأداء المجلس كما يترافق في ذات الحين مع ” ثقافة مؤسسية” تتراوح بين حدّي ” الاجتناب والاصطدام ” وترتبط بهيمنة ” الحسابات السياسوية وكسب النقاط وكسر العظام ” في إطار من “الاستعراضات والمشهدية والتحالفات الهشة و المخاتلات الإيديولوجية والتاريخية ” وضمن سياق أنثروبولوجي وذهني سائد يتميز ب ” تشنج العصبيات والحروب الهوويّة”.

كما يلاحظ أن مضامين الخطاب وأشكال النقاش العمومي تتسم بضعف معرفي وهشاشة فكرية عامة وبفراغ قيمي وايتيقي وتواصلي ( مع الاعتذار للأصوات العقلانية والراقية)،مما يجعل هذا النمط المؤسسي ” مجالا ” لانغلاقات مأزمية” و”أشكال للعنف الرمزي” ستؤدي غالبا إلى “تأجيل وتمييع وخسران لجل القضايا المطروحة “، وتحويلها إلى ” مناطق العتمة واللادقّة والمخاتلة والشبهات ” وبروز الصراعات المفتوحة كنمط” بدائي” للتنظيم الاجتماعي حيث ” حرب الكل ضد الكل ” هي القاعدة، و باتجاه للسلوك الاستراتيجي وفقا لمبدأ ” أربح وحدي ويخسر الآخرون ” أو في “أقصى المصفوفة وأقساها ” حيث ” أخسر ويخسر الآخرون “إن لزم الأمر، وكل هذا، تحت وقع مزاج نفسي ووجداني عام ينحدر إلى ما يشبه ” الاضطرابات السادو – مازوشية”.

وباعتبار أن كل مؤسسة هي نسق مفتوح على بيئته،- كما ينبئنا الدرس السوسيولوجي – فان الأزمة الحاصلة في أشكالها السياسية وبعدها التنظيمي- المؤسسي تتغذي كذلك من ” علاقة تظهر في مستوياتها الدنيا وتتمثل عموما في انقطاع وقطيعة للمجلس عن محيطه الاجتماعي” وتراكم ” تصورات ارتيابية وتمثّلات سلبية” للبرلمان لدى فئات من المجتمع ،تنطلق من مشاهدة المداولات” الساخنة ” ، وتنتعش من التهكم والنقد والتواصل ” الفيسبوكي ” لتصل إلى تخوم الاحتجاج و المطالبة بحّله ورحيل ساكنيه وتغيير النظام السياسي، مما يفضي به إلى ” دوّامات إرباك وإنهاك داخلي وخارجي” تتفاقم بالتوازي مع أزمة ثقة سياسية مستفحلة، وتراجع اقتصادي وتدهور مجتمعي حادّ ، ممّا يجعل المجلس في مهبّ الهزّات والأزمات .

هكذا إذن، تتجلى لنا، بعض الإشارات في توصيف البعد التنظيمي والمؤسسي – الثقافي للمشهد البرلماني، مما قد يساهم في تحليل متعدد المستويات والاختصاصات، وذلك من أجل فهم أكثر عمقا لبنيته وأشكال اشتغاله وأزماته الحالية والمستقبلية.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.