فكر مختارات مقالات

حنين إلى زمن لم أعشه

حنين إلى زمن لم أعشه

بقلم: أ. أحمد المهداوي – المغرب

لا أدري لماذا لا أجدني ك(ذات) في هذا الزمن الغريب عنِّي؛ فدائماً ما يراودني الحنين لزمنٍ لم أعشه، ولكن طيفه يلاحق مخيلتي غير ما مرة أينما حللت وارتحلت، ينمِّي إحساسي باللانتماء لهذا الطور الراهن من التاريخ، يجعلني أفقد الإرتباط بالزمن الذي قُذفت فيه، حتَّى أستشعر في دواخلي أني غريبٌ عن هذا الوسط بكل تمثلاته وأفكاره، وكأنِّي بي أحن إلى أيام الرواد، -كلٌّ ورواده-، أحن إلى زمن الأفكار -لكل زمنٍ أفكاره-؛ حيث أرى الأطياف مجتمعةً تحوم حول مائدة النقاشات ذات الطابع الأدبي تارة، والفكري أخرى، وأحياناً تتخذ صبغة سياسية…، أرى بعين نوستالجيٍّ -تعيس- نجيب محفوظ في مقهى يستوطن قلب الحارة المصرية ينهل من الجريدة أخبار عالمٍ ممزق الأشلاء، ويرى بعين الكاتب المبصر لعوالم أخرى أنشطة أهل الحارة، ويفتِّش بغريزة الكاتب -الفضولي- في دواخل الأنفس البشرية عن مدلولات (الجوهر الوجودي) الإنساني في مراقبة مطولة لتحركاتهم وسكناتهم المتكررة بشكلٍ عشوائي أو مقصود، محاولا خلق عالمٍ خاص به يحاكي عالم الحارة بكل تجلياته، ديدنه في ذلك مخاض ولادة أفكارٍ بصبغة جديدة، وحُلَّة متجددة…

 

ولا يكاد يرتد إليَّ طرفي حتى أرى في الجانب المُقابل محمد حسنين هيكل يتعاطى رفقة جمال عبد الناصر شؤون السياسة والحكم، واضعاً بين يديه جريدة “الأهرام”، وهو مزهو بما تقدمه دون قيدٍ أو رقابة -أو على الأقل هذا ما يعتقده-، ثم ما يلبث أن يبدو لي في صورة المثقف الذي يقف عند عتبات الأفكار بكل ما أوتي من ميكانيزمات التحليل، مستعيناً في ذلك بما تحفظه ذاكرته من الشعر والأدب تارة، وبما تسعفه به ملكة “الإرتجال” أخرى، تحيا في وجدانه أولى بنات شبابه “زينب” مرآة الصعيد المصري، ويلتصق بأعمق مكانّ في ذاكرته مولوده البكر الذي سيؤنس حياته فيما بعد “إيران فوق بركان”…

 

وبين هٰذين تتجلَّى صورة فؤاد زكريا مفكراً، غير مفكَّرٍ فيه، يسعى إلى أن يبوأ العقل مكانته التي يستحق دون زيادة ولا نقصان، فوق أسوار الخرافة وركام الجهل، تثور ثائرته، وبهدوء المثقف يحرِّض العقل على نقد السائد في الفكر العربي، لا يأبه بالصدام، ولا حدود في المجابهة والمواجهة، ينفجر في وجه التراثيين غير آبه بالمآلات والنِّهايات، “العلمانية هي الحل” رداًّ على دعوة “الإسلام هو الحل”… فليست العلمانية عند فؤاد زكريا -أولا وأخيراً- سوى “الإحتكام إلى العقل”، وأن التحدي الأكبر الذي ينبغي أن تقوم به يتحدد بالأساس في التصدي لكل صور التسلط؛ سواءٌ أكان دينياً أو حكومياً/عسكرياً؛ فهما عنده بمثابة وجهان لعملة واحدة، فالبنسبة لفؤاد زكريا ليس ثمة بين الحكم العسكري والتطرف الديني إلَّا شعرة…

 

وقبل أن أقوم من مقامي تشنِّف أسماعي قصائد أمل دنقل بما تحمله من معانٍ، ودلالات، وجمالية قل نظيرها، تعبير حيٌّ عن الشاعر المنخرط في هموم الوطن، يتناول القضايا السياسية والقومية محاولا أن يقول كلمته بوضوح، حاملا على كاهله المثقل آلام الأمة شأنه في ذلك شأن بقية أبناء جيله، متجرعاً مرارة طعم نكسة 1967، حتى دعاه خاطره إلى صياغة بيانه الشهير “لا تصالح…” في تماهٍ خلاب بين القصيدة الحداثية والتقليدية، معبراً عن لسان حاله بلسان كليب بن وائل في وصيته لأخيه أبو ليلى المهلهل (الزير سالم)… وما يزال أمل دنقل رغم عصف السنين شاعراً استثنائياً، يحضر بقوة في المشهد الشعري، وظلت قصائده فاعلةً تعبر عن جوهر مواقفه السياسية والفكرية، ولم تمت، ولم تأخذ السنين من بهائها شيئاً رغم تطاول العهود، وتغيُّر الكتاب والكتبة، والشعراء والمتشاعرين، ولم تصبح “منتهية الصلاحية”، ولم تدخل قط “متحف التاريخ” كقطعة فنية عفا عنها الزمان ودرس، بل ظلت لصيقة الأزمنة، تنبض في قلب الواقع المتغير…

 

على العموم، لم تكن الإقتباسات أعلاه سوى إحالات على زمن بعينه، ويدخل في نطاق ذلك الزمن كل من عاصر وجايل هذه الأطياف التي تراود ذاكرتي، ولكن للمكان عندي مدلول خاص، ولا أدري لماذا أرى نفسي تؤمُّني ناحيته، فأينما وليت وجهي لا أرى سوى شخوصه المذكورة آنفاً على اختلاف المشارب والتلاوين، ولربما في تلك الفترة كانت جل البقاع تحفل وتزخر بمن يكافؤون ويضاهون المذكورين أعلاه، ولكنَّني تعمدت نقل ما حدثتني به ذاكرتي دون تحفظ، وحرصاً منِّي على نقل حقيقة المشهد كما تخيلته تماماً، وإلا فإن زمان التقاء جميع من ذكرت وغيرهم ممن تطوف شخوصهم حول مخيلتي أو حتى أولئك المعاصرين لهم هو المحدد؛ فالعبرة بعموم شخوص الزمن لا بخصوص شخوص المكان، إذ الزمن المتحدث عنه ليس سوى زمن الكتابة كفن، كعمق تحليل، كجمالية، كإبداع، كمتنفس لا يقبل التلوث… والسياسة كإرادة، كخطة، كممارسة، كأيديولوجيات وقناعات سائدة تؤثت الفضاء العام بفاعلية… وصحافة كمؤثر، كثقافة، كعين حارسة، كسلطة بما تمثله.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

One Reply to “حنين إلى زمن لم أعشه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.