أدب و تراث عروض كتب مختارات مقالات

الديوان الاسبرطي

قراءة وعرض رواية الديوانْ الإسبرطي

للكاتب والأديب عبد الوهاب عيساوي

بقلم: دفاف الكتب – الجزائر

المحروسةَ باللهْ

… وتراءتْ لي من بعيدْ بثوبها الأبيضْ المعطر بالياسمينْ و شذى زهر اللوز في وقفتها الشامخةِ تلكْ و كأنهاَ تنتظرُ غائباً ، ترقرقت ألوان الموجِ الازرقِ في عينيها و علا جبينهاَ الواسع سحاباتُ صيفْ بينماَ تشرئب بعنقها الرخاميِ نحو البحرْ ، … تُراهاَ توجستْ خيفةً منْ إضطرابِ اللقلقْ أم هالهاَ ما بداَ لهاَ في الأفقْ ؟!! ثم تجلىَ ماَ أقضّ مضْجعهاَ و علتْ غصةَ بالحلقْ ، سحابٌ أسودْ يحملُ موجَ الموتِ عالياً قدْ إقتربْ !! يدنو من أبوابها السبعةِ فتأبى عليهِ المرور … تستغيثْ فسمعَْ ندائها و أنينهاَ يصل إليه ، إنها تراهُ كالسيلِ ينحدرُ من أعالهاَ يبلغُ البحرَ فليضربهُ بخيزرانهِ ، تتشكلْ منهُ رعودُ غضبٍ جارفْ عبرَ الموجَ و بلغَ السماءَ فإنهالَ على الغاصبِ وابلاً حارقاً فعادَ أدراجهُ خائبْ …. لكنْ منْ لهاَ اليوم و قدْ أضحى “دادا” في الجانبِ الآخرْ؟

رواية الديوانْ الإسبرطي – عبد الوهاب عيساوي.

الرواية الحائزة على جائزة البوكر لهذه السنة #الديوان الإسبرطي للكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي ، رواية تاريخية تدور أحداثها بالجزائر بالضبط بالمحروسة (العاصمة )، في فترة زمنية ما بين 1815م و 1833م بين الوجود العثماني و حملة الغزو الفرنسي لها ، مروراً بحادثة المروحة الذريعة الظاهرة لغزو فرنسا للجزائر وصولاً لدكِ مدافع العدو لآخر أسوار المحروسة بحيث تعالج الرواية أيضا قضايا و مواقف عدة على غرار الوجود العثماني و سياسته مع الأهالي ، ثم الاحتلال الفرنسي و ما جاء به من نهب للمال و لعظام الموتى حتى.

– الديوان الإسبرطي :

 رمزية الرواية ظهرت من خلال إختيار الكاتب للعنوان (الديوان الإسبرطي) حيث يَعِد المستعمر الفرنسي بتطبيق نظام آسبرطة و هو النظام العسكري الأوليغاشي ، رمزية أخرى أرادها الكاتب بإختيار طائر اللقلقْ ، الذي يعني فأل خير لأهالي المحروسة يطوافه حول ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي و حتى كل شخصيات الرواية لها رمزية أو دلالة من خلال إقحامها في الرواية و من خلالِ كلامها و أدوارها كذلك :

– شخصية حمّة : هو الشعب الجزائري مغلوب على أمره، لكنه بالمقابل متمرد و لا يرضى بشيء ، لا يحب الأتراك و لا الفرنسيين ، يريد أن يحكم الجزائر أهلها.

– شخصية إبن ميارْ: يمثل سياسة الهروب إلي الأمام ، أحياناً يتملقْ و يداهنْ آل عثمان ، يملك ضيع و أراضي لكنه أيضا يدافع عن الأهالي و المساجد و دور العبادة.

-شخصية الصحفي ديبونْ: هو الضمير المسيحي الإنساني و لما لا الفرنسي الساذج الذي ضن أنه قادم بالنور و الحضارة للشمال الأفريقي.

– شخصية الجندي السابق كافيارْ: الطموح للغزوْ ، الفكرة التي غرسها نابيلون في جنده في غزو العالم ، هو الطمع ، التحدي الإنتقام من اللاشيء.

– شخصية المزوارْ: هو الظلم ، النفاق و الخوف أيضاً ، كلها صفات يحاول حمّة (الشعب) التخلص منها و الإنتقام منها و حين أفلح بذلك تحرر و رحلَ إلى الغربْ للالتحاق بالامير (الأمير عبد القادر على أغلب تقدير) و يعنى أنه و قام للثورة ضد المحتل.

– شخصية دوجةَ: هي الجزائر المحررسة بشكل أوسع هي الجزائر الفتية الجميلة الطيبة و أيضا المغتصبة من قبلِ الجميع أتراكاً و فرنسيين.

– تبدو الرواية كأنها مونولوجْ تخالج نفسين أو شخصين متناقضين، الشخصية الفرنسية في شخصية كافيار و ديبون بين فرنسا المسيحية التنويرية الداعية المساواة و الأخوة و بين الوجه الحقيقي لفرنسا المغتصبة المحتلة الطامعة بخيرات أفريقيا، و الشخصية الجزايرية متجسدة في شخصي السلاوي و إبن ميارْ ، واحدة متمردة جريئة رافضة للظلم و الاحتلال بكل أشكاله و الأخرى نوعاً ما متخاذلة خانعة للظروف رغم رفضها لها.

– أجاد جداً الكتاب في سرد التاريخ بطريقة سلسلة جميلة غير تاركٍ شيء يفوته في أحداث تلك الفترة من بداية الأزمة الجزائرية الفرنسية مروراً بحادثة المروحة و انتهاءاً بغزو السواحل الجزائرية ، الأماكن ، الأحداث و الأسماء كلها مذكورة بعناية و كأنك تقرأ التاريخ الذي يجده البعض ممل لكنك في رواية كتلك ستقرأه و تتشوقْ أحداثه ، بداية الرواية موفقةَ إلى حدِ بعيد بتسليط الضوء على قضية لازالتْ لحد الساعة قضية شائكة بين البلدين رغم مرور سنوات على استقلال الجزائر مازالت عظام مئات الجنود الجزايرين في متاحف فرنسا!!

– نهاية الرواية رائعة بإمتياز اذ أني لمحتُ فجرٍ يومٍ جديد بإلتحاقِ السلاوي بالمقاومة الشعبية في شخص الأمير و وعدهِ بالعودة لأخذِ دوجةَ و هي إستعادة المحروسة و الجزائر من يد المغتصبْ ، ثم أيضا جانب آخر في قرار ديبون (فرنسا) الالتحاق بالسيميونيين و ولعه بالقديس سميون ،هنا تبدأْ الحملات التبشرية في الجزائر التي لم تنته.

– ربما يلامُ الكاتب على تجاهله (عمداً أو سهواً) على عدم المرور بفترة كانت فيها الجزائر المحمية بالله و أيضا محمية بالأسطول البحري العثماني شئنا أم أبينا ،فتلك فترة تحسب للوجود العثماني في شمال أفريقيا والجزائر خاصة ، و لا أدري سببَ تماهيه في وصف الأسطول البحري العثماني بالقراصنة و محبي المال و الاستعباد بينما نسي دوره في إجلاء الرعايا الأندلسيين غدات نكبة الأندلس و التغريبة الأندلسية.

اقتباس:

“نحن الرجال هكذا دائما، حين يضطهدنا الحكام نبحث عن أقرب امرأة لنثبت لأنفسنا أننا أقوياء، مع أن البغاء الحقيقي هو ما يمارسه هؤلاء الحكام علينا، كل يوم يضاجعوننا بالضرائب والإتاوات وكنا نرضخ لهم، حتى في الطرقات كان العربي حينما يمر بالتركي ينتحي مكانا أقصى الطريق، يخشى تلامس الأكتاف ببعضها، وإن حدث فسيكون مصيره مئة فلقة”

“سأقتل أسوأ شيء إستمر بين زمنين زمن بني عثمان و زمن الفرنسيين “

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.