فكر مختارات مقالات

تحليل نظرية العقد الاجتماعي

نظرية العقد الإجتماعي عند هوبز و لوك و روسو

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

تعتبر نظرية العقد الإجتماعي التي دشنها توماس هوبز إضافة نوعية في الفكر السياسي الحديث ، إذ كان لها بالغ الأثر في التحولات السياسية و الفكرية التي عرفتها أوروبا ، و سنعمل في هذا الحيز على عرض أهم ملامح الفكر السياسي عند ثلاثة مفكرين بوصفهم رواد هذه النظرية و هم كل من توماس هوبز ، و جون لوك ، و جان جاك روسو :

أولا : توماس هوبز

  ينطلق هوبز في تحليله من افتراض حالة الطبيعة بوصفها نفي للحالة الإجتماعية ، و في هذا الإطار يعتنق توماس هوبز تصورا متشائما حول الطبيعة البشرية ، إذ يفترض أن المصلحة الذاتية هي المحدد الأساس للسلوك الإنساني . فغريزة البقاء تدفع الإنسان إلى السعي وراء تحصيل أكبر قدر من اللذة و السعادة للحفاظ على حياته و إشباع رغباته دون أن يأخذ باعتباره العقل و مصالح الآخرين متبعا في ذلك كل وسيلة في سبيل تحقيق هذا المسعى سواء كانت خلقية أو غير خلقية ، و هذا منشأ الصراعات و الحروب الدائمة الملازمة للحالة الطبيعية ، فمن الخطأ الإعتقاد بوجود غريزة اجتماعية تحمل الإنسان على الإجتماع و التعاون المتبادل ، و إنما الأصل في الحالة الطبيعية هو أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان و الكل في حرب ضد الكل .

 أما بالنسبة لمبرر الإنتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة الإجتماعية و كيفية حدوث ذلك ، فيعتقد هوبز بأن الإنتقال إلى المجتمع المنظم هو السبيل الوحيد لحفظ بقاء حياة الفرد و وجوده ، و درء مساوئ و مخاطر الحالة الطبيعية التي تشكل مصدر تهديد لبقاء الجنس البشري انسجاما مع تصوره عن الطبيعة البشرية ، و ذلك من خلال تفويض سلطة زمنية بموجب العقد الإجتماعي كافة الوسائل اللازمة لضمان استتباب الأمن و النظام العام .

 و بخصوص طبيعة العقد و أطرافه ، يدعو هوبز إلى تنازل الأفراد عن كامل حريتهم الطبيعية لتنشأ الدولة مجسدة في حاكم أو هيئة حاكمة لها سلطة مطلقة تمركز كافة الحقوق المتنازل عنها في إرادة واحدة بما يكفل تحقيق أهداف العقد المتمثلة في حماية حياة الأفراد و حفظ أمنهم الخاص ، كما أن أطراف هذا العقد تقتصر على الفرد و باقي أفراد المجتمع ، في حين لا يعد الحاكم طرفا في هذا العقد .

و كنتيجة يمكن ترتيبها على ما سبق ، نستنتج بأن هوبز ينظر لسلطة مطلقة الصلاحيات ، الأفراد فيها مجرد رعايا ، فالمجتمع المنظم عند هوبز هو عديم المواطنة و الحقوق السياسية مع أنه ناشئ بفعل إرادي ، و لكنها كانت إرادة لمرة واحدة حين قرر الأفراد بكامل وعيهم و حريتهم التنازل عن إرادتهم و ووضعها في يد الحاكم مطلق السيادة الذي لم يوقع عقدا و ليس طرفا فيه و إنما انبثق منه ، لذا فهو غير مقيد بأي التزام إزاء المحكومين و لا يجوز الإعتراض عليه و مساءلته و محاسبته .

ثانيا : جون لوك :

لقد افترض جون لوك الحالة الطبيعية كفطرة ساد فيها السلام و المساواة و الحرية و العقل ، و احتكم فيها الأفراد لقانون طبيعي عادل يجسد هذه القيم النبيلة ، فقد حرص لوك بذلك على تأصيل الحقوق عبر ربطها بالطبيعة الإنسانية ، إذ اعتبر بأن الإنسان ولد حرا و متساويا في الحقوق ليقر بأن ثمة حقوقا طبيعية لا يمكن مصادرتها من أي سلطة زمنية و على رأسها الحرية و المساواة .

و يعتبر حق الملكية من أكثر الحقوق التي استفاض لوك في تناولها ، فهو يرى بأن الأرض في حالة الطبيعة كانت مشاعة بين الجميع، و لكنها تحولت إلى ملكية خاصة حين أضاف إليها الإنسان عمله و مجهوده ، غير أن حرية الملكية مهما بلغت أهميتها فإنها كانت محدودة بحدود طبيعية ، إذ يرى جون لوك أن القانون الطبيعي الذي يجيز لنا الملكية إنما يحد هذه الملكية بقدر ما يستطيع الإنسان أن يستخدمها فيما يعود عليه بالنفع ، و هذا القدر هو ما يحق له أن يثبت في ملكيته ، و كل ما هو فائض عن ذلك يعد فوق نصيبه المشروع .

 لكن لوك دعا إلى تنظيم حالة الطبيعة من خلال الإنتقال إلى المجتمع المنظم لأنه لم تكن توجد هيئة منظمة تتولى إنفاذ القانون الطبيعي و تضفي الصبغة الإلزامية عليه ، فقد كانت حالة الطبيعة تفتقر لوجود سلطة عليا تنظم تصرفات الأفراد و تفصل فيما قد ينشأ بينهم من نزاعات و تحمي الملكية الخاصة من اعتداء الآخرين غير المنتجين الذين يضيعون على المنتجين حقوقهم ، لذا اعتبر لوك أن العامل الأساسي في انتقال الإنسان من الطبيعة إلى المجتمع المنظم هو عامل الملكية .

 أما فيما يخص طبيعة العقد و أطرافه فهو يقضي بتنازل الأفراد عن بعض حقوقهم الطبيعية بالقدر الذي يتيح للسلطة القيام بواجباتها في الدفاع عن مصالحهم و حقوقهم ، و لا يجوز هذا الإنتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية إلا برضاء الأفراد و قبولهم ، كما جعل لوك من السلطة طرفا في العقد إلى جانب باقي أفراد المجتمع، و من ثم فإن السلطة يصبح لها حقوقا كما عليها أيضا واجبات .

 و تأسيسا على ذلك ، فإن تصور لوك لطبيعة العقد الإجتماعي يؤسس بين الحكام و المحكومين رابطة وديعة ، بحيث يجعل من السلطة وديعة في يد الحكام يسندها أفراد المجتمع إليهم بشرط أن يمارسوها لتحقيق الخير العام و إلا جاز للأفراد أن يثوروا عليها و أن يحلوا محلها سلطة أخرى أكثر حرصا و استعدادا لاحترام حقوقهم ، بحيث يرفض لوك شكل الحكم المطلق لأنه يقوض الهدف المنشود من التعاقد من أساسه و هو حماية حرية و ممتلكات الأفراد ، إذ يكمن إنجازه الأساسي في جعله من المجتمع مصدر شرعية الحكومة الدستورية و هو قادر بذلك على مراقبتها و عزلها .

ثالثا : جان جاك روسو :

 يختلف تصور روسو لحالة الطبيعة عن كل من هوبز و لوك ، إذ يقر بأن الحالة الطبيعية لم تكن قائمة بالشكل الذي تصوره هوبز ، ولا مغرقة في التفاؤل كما افترضها لوك ، فكلاهما متطرفان لأن الفرد لم يكن عدوانيا و لا ذئبا لأخيه الإنسان ، و لم يكن اجتماعيا رشيدا ، و إنما اتسمت حالة الطبيعة بوجود قوتين متضادتين ” حب ذات مستنير ” النابعة من غريزة البقاء و الحفاظ على الذات دون الإضرار بمصالح الآخرين ، و ” المصالح الأنانية ” التي تدفع الأفراد إلى الإنسياق وراء مصالحهم دون المبالاة بمصالح الآخرين .

كما لم ينفك روسو عن التغني بالحرية و المساواة التي كان ينعم بها الإنسان في المرحلة الأولى للطبيعة التي لم تفسدها التحولات التي جاءت مع المدنية و الحضارة ، و لم يعرف فيها الإنسان الإغتراب و الإستغلال الناجم عن الملكية الخاصة التي كانت مشاعة بين الجميع ، و كان يعيش في اكتفاء ذاتي مع الطبيعة .

  و لكن ساهمت عدة عوامل في تحول الإنسان إلى حياة المجتمع كالظروف البيئية القاسية و غيرها من العوامل التي احتاج فيها الإنسان إلى بني جنسه و على رأسها اكتشاف الزراعة و التعدين مما أدى إلى استقرار الجماعات البشرية ، و من هنا فقد أضحى الإجتماع شرا لا بد منه ، إذ يرى روسو أنه نتيجة لانهيار المجتمع الطبيعي ، فإن الإنسان يقع في انعدام اليقين ، و حتى يتفادى هذه الحالة فإنه يضطر إلى الدخول في المجتمع السياسي المنظم لاستعادة حريته.

  و بالنسبة لطبيعة عقد روسو الإجتماعي ، فهو يرتب تنازل كل فرد عن حقوقه للمجتمع ككل بموجب الإرادة العامة التي تجسد إرادة الجماعة ككل كشخصية اعتبارية ينصهر فيها الأفراد و إراداتهم و هي مستقلة عن إرادة الفرد و إرادة المجموع التي تمثل تجمعا لإرادات الأفراد ، أي للمصالح الأنانية الفردية . فعندما يتنازل كل شخص عن شخصه تنازلا كليا ، فإن الوضع يصبح متساويا للجميع ، و عندما يقرر كل فرد نهائيا و بشكل حر أن يريد ما تريده الإرادة العامة ، فإنه لا يفعل في طاعته لها سوى ما يريد هو نفسه . و يعتبر روسو بأن سيادة الشعب غير قابلة للتصرف فيها أو التنازل عنها ، و غير قابلة للتجزئة ، فهو يرى بأن الإرادة إما أن تكون عامة أو لا تكون ، أي أنها إما أن تكون إرادة الشعب ، أو إرادة جزء منه .

  و بالنتيجة ، يرفض روسو النظام التمثيلي و يعتبره عملية تزوير للسيادة الشعبية ، و لذلك يترك التمثيل للسلطة التنفيذية فقط ، و هي التي يجب أن تكون منتخبة و مسؤولة أمام الشعب ، في حين يبقى الشعب محتفظا بالسلطة التشريعية فهي لا تنقل ، و من ثم نخلص إلى أن روسو يدعو إلى إقرار الديمقراطية المباشرة التي تعتبر أفضل تعبير عن فكرة الإرادة العامة .

 ختاما ، و على الرغم من اختلاف مضامين نظريات العقد الإجتماعي عند كل مفكر من هؤلاء من حيث تصورهم لحالة الطبيعة ، و كيفية الإنتقال إلى الحالة المدنية ، فضلا عن طبيعة العقد و أطرافه و الآثار المترتبة عنه ، فإن القاسم المشترك بينهم يتمثل في قطعهم مع التراث الفكري للعصر الفيودالي و ذلك بتأسيس الحكم على شرعية تعاقدية وضعية بدلا من المصدر الثيوقراطي للسلطة .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.