أدب و تراث تاريخ مختارات مقالات

كوخ العم توم

“كوخ العم توم” هارييت ستاو ..
المعركة من أجل الحياة

بقلم/ علي حسين

في مقال نشرته صحيفة النيويورك تايمز كتب الصحفي والمحلل السياسي الشهير توماس فريدمان حول مقتل جورج فلويد وما فجره من تظاهرات في معظم الولايات الامريكية قائلا إن الولايات المتحدة الأميركية تتجه نحو حرب أهلية ثقافية ولكنها ليست محظوظة هذه المرة إذ لا يقودها رئيس مثل إبراهام لنكولن.. واشار فريدمان الى الدور الذي لعبته الثقافة في بناء امريكا ، فيما نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريرا عن الكتب التي ساهمت في بناء امريكا الحديثة ووضعت على راس القائمة رواية كوخ العم توم لهارييت ستاو التي اثرت تاثيرا كبيرا في الفكر الانساني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، لدرجة انها تذكر كلما تعرض السود في العالم الى الظلم والتفرقة العنصرية ، ولم يقتصر اثر رواية هارييت ستاو على محاربة نظام الرق في امريكا فقط ، بل امتد ليشمل مناطق العالم كافة ، وعندما قرأها الناقد الشهير ادموند ويلسون عام 1950 كتب :” انها عمل يثير في داخل القارئ احدث ما وصل اليه الذكاء الاجتماعي ” .. وقد تمكنت هارييت ستاو من ان تحجز لها مكانا متميزا كواحدة من صناع الثقافة الامريكية الى جانب مارك توين وامرسون وهرمان ميلفل وولت ويتمان .

ما إنْ شاهدها حتى صرخ بصوت عالٍ :”يا الهي هل يعقل أن هذه المرأة الصغيرة تشعل هذه الحرب العظمى”كان إبراهام لنكولن قد انتخب رئيسا للولايات المتحدة الاميركية عام 1860، وقد مرّ على الحرب الأهلية عامان، وكانت السيدة ضئيلة الحجم التي استقبلها في البيت الابيض سبباً في فوزه بالانتخابات، قال له بعض الأصدقاء إن روايتها”كوخ العم توم”مكنته من الجلوس على كرسي الرئاسة.

كانت هارييت ستاو في التاسعة والثلاثين من عمرها حين كتبت رسالة إلى رئيس تحرير صحيفة”العصر القومي”تخبره فيها إنها بدأت بكتابة رواية بعنوان”الحياة بين المساكين”وتأمل أن تنشرها على حلقات في الصحيفة، توقعت أن تنتهي من الرواية خلال شهرين، لكنها تأخرت عاماً كاملاً لتنشر الحلقة الأولى وبعنوان جديد”كوخ العم توم”في شهر تموز عام 1851.. كان الاتفاق الذي وقع مع الصحيفة يتضمن نشر أربع حلقات من رواية قصيرة، وعبرت هارييت ستاو عن أملها أن تأتيها تلك الحلقات الأربعة بما يكفي لشراء ثوب جديد من الحرير،، لكنها وجدت نفسها تستمر في الكتابة، فقد كانت الأحداث تتكدس في ذاكرتها مما جعل الحلقات تمتد على مدى عام كامل، لم يتوقع رئيس التحرير أن يتضاعف توزيع الصحيفة عشر مرات بسبب هذه القصة العاطفية التي ارسلتها له المرأة القصيرة، وما أن أخبرته أن الحلقات ستنتهي قريباً، حتى قرر أن يقنعها بإصدرها في كتاب وسيمنحها 50 بالمئة من الأرباح بشرط أن تشارك بنصف تكاليف الطباعة، ولأنها لم تكن مطمئنة من نجاح روايتها، فقد رفضت العرض، واختارت أن تحصل على عشرة بالمئة من الأرباح، وبرغم نجاح الرواية في الصحيفة إلا أن الناشر لم يكن يتوقع نجاحاً كبيراً للكتاب، فقرر أن يطبع ثلاثة آلاف نسخة بيعت في اليوم الأول، مما اضطره أن يطبع عشرة آلاف أخرى بيعت خلال أسبوع، وفي نهاية الشهر كانت مبيعات الكتاب قد وصلت الى 100 ألف نسخة في أميركا لوحدها كانت ثماني مكائن طباعة تعمل ليل نهار لسد احتياجات باعة الكتب، كان الناشر يعجز عن توفير جميع الطلبات وبعد عامين كان كل شخص في أميركا يعرف القراءة والكتابة، قد قرأ رواية”كوخ العم توم”، ولم تكن شهرة الكتاب محصورة في الولايات المتحدة، حيث تم تهريب نسخة منها لتطبع في انكلترا، ولتبيع أكثر من مليون نسخة في عام واحد، وأصبحت الرواية ظاهرة عالمية، بيعت أكثر من أي كتاب في القرن التاسع عشر، لقد غيّر كتاب”كوخ العم توم”الطريقة التي كانت تفكر فيها أعداد لاتحصى من القراء في الولايات المتحدة ومعظم أوروبا في النظر الى العنصرية والعبودية، وربما ساهم في تغيير تاريخ أميركا حيث يعده البعض السبب في انتخاب إبراهام لنكولن الرئيس الذي أصدر مرسوم إلغاء الرق..يكتب الفيلسوف الأميركي إمرسون إن الرواية كانت أشبه بـ :”إشعال حريق ضخم، عمل على تألق السماء كلها بطوفان العواطف الجارف الذي اكتسح أمامه كل شيء وعبر المحيط الشاسع نفسه، حتى بدا أن العالم كله قلما كان يفكر في شيء أو يتحدث عن شيء سواه”. وفي روسيا حصل ليف تولستوي على نسخة من الرواية فاعتبرها من الكتب العظيمة السامية التي”تدفقت معانيها من ينبوع المحبة لله سبحانه وللإنسان”. وقال لزوجته صوفيا :”إن هذه السيدة الاميركية وإن كانت بيضاء، لكنها امتلكت القدرة على أن تدخل في ثنايا ذاتية السود، حاشدة كل ملكاتها في تصوير حياتهم والتعاطف مع بؤسهم واستشراف آفاق أبعد وأرحب وأفضل تعدهم بالحرية وتبشرهم بالانعتاق”، بعد سنوات سيكتب الفيلسوف الشهير ويليام جيمس في كتابه”معنى الحقيقة”، إن قراءته في شبابه لرواية”كوخ العم توم”مكنته أن يطبق المبادئ التي تضمنتها الرواية على نفسه في مختلف أنواع السلوك في حياته، فوجد إن فكرة الرواية منحت فلسفته :”حافزاً أقوى على الانتشار، وتسامحاً أحكم نحو الآخرين، ونظرة أصفى للكون، وآفاقاً أوسع، ورضى أعمق، وسلاماً أعظم، واصبحت على أهبة الاستعداد فلسفته للتوجّه الى العالم”.

ولدت هارييت ستاو في ولاية كونيتيكت سنة 1811 لوالد كان يعمل واعظاً أصرّ أن يورّث المهنة لابنائه الذكور، وأن تقضي عائلته حياتها في جو ديني، فأدخل ابنته هارييت الى مدرسة دينية، لكنها سرعان ما أبدت اهتماماً بقراءة وكتابة المقالات..وتتذكر إنها حضرت في تلك الفترة إحدى المهرجانات التي ألقى فيها رالف إمرسون إحدى خطبه والذي طالب فيها”برعاية كل فكر جديد، وكل رأي لم تثبت صحته بعد، وكل مشروع لم يُجرب بعد”، بعدها كانت تتابع ما يكتبه إميرسون في الصحف وتعلمت منه الحكمة التي كان يرددها في مقالاته :”علينا أن نعيش، وندع غيرنا يعيش، ونعاون غيرنا على أن يعيش”.

في العام 1942 تتعرف على مارك توين الذي كان صديقاً لأحد أشقائها، وقد شجعها على الاستمرار بالكتابة بعد أن قدمت له أولى تجاربها وكانت عبارة عن مجموعة قصصية تناولت فيها حياة المهاجرين، ورغم أن الكتاب لم يجذب سوى عدد قليل من القراء، إلا أنه أثار اهتمام مارك توين الذي كتبت لها رسالة يحيي فيها شجاعتها على تبني قضايا المُعدمين والفقراء..قبل هذا التاريخ كانت قضية إلغاء الرق والعبودية تشغل اهتمام ستاو التي نشرت عام 1836 مقالاً عن العبودية وواجب نساء اميركا في التصدي لها..كانت فكرة كتابة الرواية قد راودتها بعد أن تسلمت رسالة من زوجة أخيها ترجوها فيه أن تكتب شيئاً يجعل أمةً بأسرها تشعر بفظاعة الرق..فكتب لها ستاو :”بمساعدة الرب سأكتب شيئاً”، وفي يومياتها تكتب إنها بعد قراءة رسالة زوجة شقيقها انها ذهبت الى غرفتها وأغلقت عليها الباب وبدأت بالكتابة حتى نفذ ما لديها من ورق الكتابة، حيث انتهت من القسم الأول من الرواية وكان بعنوان”الشهيد”، ولما قرأته لأولادها وزوجها تأثروا جميعاً وصاح زوجها :”هذه ذروة قصة الرق كيف استطعت أن تصلي الى كل هذه الحكايات”.

كانت”هارييت”تمضي الساعات الطوال في مطبخ أسرتها، في حال من التفاعل مع الخدم والخادمات من العبيد وأحفاد العبيد، وعمدت إلى متابعة حوارات أعضاء الكونغرس وهم يصرون على تشريع قانون يعاقب الهاربين من السود ويقيدهم الى العبودية، ويجرّم من يساعدهم على الهرب باعتبارهم شركاء في الجريمة، وقد كتبت هارييت رسالة الى أحد أعضاء الكونغرس تندد فيها بما شرعه من قانون اسمته قانون الغاب وكتب مقالاً في إحدى الصحف قالت فيه :”لقد حان الوقت الذي يفرض على كل فرد، حتى ولو كان امرأة أو طفلاً، أن يتكلم بكل ما يسعه من قدرة وجهد انتصارا لقضية الحرية والإنسانية.

بعد صدور الرواية ثارت ضدها سبع ولايات أميريكية وجدت فيما كتبت ستاو تحريضاً على العصيان وخطراً على الاقتصاد حيث كان السود يعملون في المصانع وسكك الحديد كعبيد، إلا أن بعض الولايات وخصوصاً ولايات الشمال وجدت فيما كتبته هارييت ستاو فرصة لإقرار قوانين إصلاحية.. بعد عامين من صدور الرواية يعلن إبراهام لنكولن وكان مرشحاً للرئاسة إنه وجد في رواية هارييت ستاو، خير سند له في مشروعه الذي سيعلنه عام 1865 والقاضي بحظر العبودية وهو القانون الذي اشعل الحرب الأهلية الاميركية ودفع بعض الولايات لإصدار مراسيم تجرّم كاتبة رواية”كوخ العم توم”وتعتبرها خارجة على إرادة الرب وتطالب بإعدامها، فيما قررت العديد من الولايات حظر الرواية وحرقها في الأماكن العامة

تكتب هارييت ستاو في رسالتها الى الرئيس الاميركي إبراهام لنكولن : كنت أما لسبعة أبناء، يكمن اجملهم واحبهم مدفونا قرب مسكني، عند سرير موته وعند قبره تعلمت ما قد تشعر به أمّ عبدة فقيرة عندما يؤخذ ابنها بعيداً عنها. وفي أعماق هذا الأسى، الذي يبدو لي أمراً لايمكن قياسه، كانت صلواتي لله أن لاتضيع المعاناة في مثل هذا الكرب هباء.كانت هناك ظروف أحاطت بوفاة لها مرارة خاصة، ولا يمكن أن يوجد ما يعزيني عن المعاناة القاسية التي تعرضت لها إلا أن انسحاق فؤادي أنا هذا من العمل لتحقيق بعض الخير العميم للآخرين

عند صدور رواية”كوخ العم توم عام 1852 تفاوتت ردود الأفعال ضدها حيث وصلت رسائل التهديد بالقتل الى ستاو – حملت إحدى الرسائل أذن زنجي مقطوعة، ثم ظهر”الأدب المضاد لرواية كوخ العم توم”والذي بلغ 16 رواية و6 كتب وعشرات المقالات، جميعها تنتقد الرواية ومؤلفتها..

وقد مٌنعت هذه الرواية في الجنوب الاميركي من النشر عقداً من الزمن واستمر المنع حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية وإلغاء ملكية الرقيق.

ومُنعت من النشر أيضاً في روسيا القيصرية وإيطاليا وبعض الدول الكاثوليكية، بعد وصف الفاتيكان لها بأنها تنفث السموم اللوثرية.

يصفها النقاد والباحثون بالكتاب الذي ساهم في صنع تاريخ أميركا الحديث وإنه مؤلفته استطاعت ان تغير آراء الأميركيين ومواقفهم حين فتحت عيونهم على ما يجري للزنوج.

تبدأ الرواية بوصف الوضع الاقتصادي السيئ الذي يطاول مزرعة في ولاية كنتاكي، ما يضطر صاحبها الى أن يبيع لآخرين، أفضل عبدين يعملان لديه وكان ذلك قبل صدور قوانين تحريم الرق وتحريم بيعهم، وهذان العبدان هما العجوز العم توم، والفتى هنري، الذي ما ان تعلم امه بما سيكون عليه مصيره، تقرر ان تأخذه وتهرب به، عابرة ولاية أوهايو التي يغمرها الجليد، لكن الأم تتمكن من العبور، أما دهشة مطاردينها أنفسهم وذهولهم، حتى تصل بابنها الى بر أمان حيث هناك يصبح في إمكانها أن تبدأ حياة جديدة حرة، في بلد حر، خصوصاً بعد أن ينضم إليهما زوجها جورج الذي كان هرب بدوره من سيد آخر في مزرعة أخرى.

أما بالنسبة الى العم توم فإن مصيره لن يكون بمثل هذه السهولة، فهو، على رغم وعيه التام بما يدبر له، وما يقاد إليه، يتبع بائع العبيد المكلف بإعادة بيعه مذعناً أمام مصيره هذا، مخلفاً وراءه أسرته العزيزة على قلبه والتي لا يمكنه أن يعيش من دونها. لكن الذي يحدث هو أن العم توم خلال عرضه للبيع، يلتقي الشابة الطيبة ايفانجلين، التي ما أن تراه حتى تحس بطيبته وتتوسل الى أهلها أن يشترياه لها… وبالفعل يصبح توم ملكاً لعائلة ايفانجلين، ما يضعه وسط حياة رائقة مطبوعة بالورع والإيمان الديني العميق، ويجعله يعتقد لوهلة أن الحياة بدأت تبتسم له، لكن هذه الحياة الجميلة لاتستمر طويلا، اذ سرعان ما تموت ايفانجلين، أما أبوها فإنه يصاب بعد حين بجروح قاتلة خلال معركة بين السكان… وهكذا يباع العبيد العاملون في المزرعة الى سادة آخرين، ويكون من نصيب العم توم أن يباع الى المزارع القاسي سيمون ليغري الذي، نظراً الى سن توم وخبرته يصطحبه الى مزرعته جاعلاً منه عيناً له على العبيد الآخرين، ما يحتم على توم أن يتعامل مع أخوته في الجنس والبؤس بكل قسوة، لكنه يرفض هذا. يرفضه تماماً، بل إنه يجابه سيمون بقوة وعنف ما يثير ثائرة هذا الأخير ويجعل أعوانه يضربونه حتى الموت عقاباً له. وفيما يكون توم على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يطلب المغفرة لكل الناس، بمن فيهم ذلك المعلم القاسي الذي ضربه وقتله.

كانت هارييت ستاو في منتهى الحذر من دعاة التفرقة العنصرية الذين كشفت روايتها ظلمهم وعنصريتهم ، وقد ادت بها حالة الهجوم التي تعرضت لها الى ان تنشر كتاب بعونان “المرشد الى كوخ العم توم “كشفت فيه انها اخذت الشخصيات والاحداث والافكار مما يدور فعلا في الحياة الامريكية ، ولم تدع شيئا من خيالها .. بل انها قالت للذين هاجموها: “ان الله هو الذي كتب كوخ العم توم ، ولم اكن سوى الوسيلة التي كتبت الاملاء”.

تكتب الروائية الحائزة على نوبل للاداب بيرل باك أن هارييت ستاو :”تقف في مقدمة الصف الأمامي بين نساء العالم، بل وفي تشكيل مصير الشعب الاميركي في فترة حرجة أشد الحرج في تأريخهم، كان نفوذها أقوى من نفوذ أي فرد آخر، وما قامت به في تاريخنا المعاصر لايمكن أن يقوم به أي شخص”.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.