سياسة فكر مختارات مقالات

ملامح الفكر السياسي عند مونتسكيو

أهم ملامح الفكر السياسي للمفكر الفرنسي مونتيسكيو

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

يعد الفيلسوف السياسي الفرنسي مونتيسكيو (1755-1689) من أهم رموز عصر التنوير، و يوصف من لدن العديدين بأنه مؤسس علم السياسة لأنه ارتأى أن يجعل من معاينة أحوال الدول و الشعوب و عاداتها موضوعا له، يستنبط من خلاله المبادئ التي تحكم القوانين الوضعية لهذه المجتمعات، وهو ما يسميه بروح الشرائع.

لقد أسس مونتيسكيو تقليدا جديدا في الفكر السياسي الحديث يجعل فلسفته تقوم على الفصل بين القوى أو السلطات وتوازنها في الهيكل السياسي والمؤسساتي للدولة، فهو بخلاف لوك وهوبز لم ينطلق من حالة طبيعية حقيقية أو مفترضة لسبر أغوار الطبيعة البشرية بقدر ما كان شاغله هو البحث في العلاقات و التوازنات التي تضبط النظام السياسي للدولة ، و من غير الممكن استكناه موقف مونتيسكيو دون استحضار الخلفية الإجتماعية التي كان ينهل منها ، فقد كان يتحدر من أسرة فرنسية أرستقراطية ثرية، و هو ما يفسر إلى حد كبير رفضه الصريح لنظام الحكم المطلق بوصفه خصمه النظري اللدود و خصم طبقة النبلاء كافة.

 إن أهم ما يميز مرحلة تطور الحكم المدني في فكر مونتيسكيو هو اتخاذه شكل حكم القانون ، و اعتباره أن أي حكومة جيدة و رشيدة يجب أن تخضع لحدود و قيود قانونية ، و الإستبداد هو بالضبط غياب و انعدام هذه الحدود ، فالإستبداد بنظره ليس نظام حكم محدد بل هو انعدام التحديد و انعدام النظام ، و لذلك يمكن أن يكون تعريفه سلبيا فحسب . إنه الشر الكامن في أي نظام ، و عندما وصف مونتيسكيو الإستبداد في “الرسائل الفارسية” (1721) الذي يعد أول كتاب أصدره في مساره التأليفي ، فإنه كان يحيل إلى الملكية المطلقة كما خبرها في أوروبا.

 وبالنسبة لتصوره حول أشكال الحكم ، فقد قسم أنظمة الحكم إلى جمهورية ، و ملكية ، و استبدادية ، و رأى أن الجمهورية هي التي تكون للشعب أو لفريق منه السيادة . في حين أن الملكية هي التي يحكم فيها فرد واحد و لكن بقوانين ثابتة و نافذة. بينما يحكم في الإستبدادية فرد مستبد بلا قانون و لا نظام ، يحرك الجميع وفق إرادته و أهوائه.

إن نظام المستقبل بالنسبة إلى مونتيسكيو هو الملكية ، و لكن المقصود هو الملكية المنظمة بحكم القانون و المؤسسات، يعتلي فيها الملك الفرد العرش بموجب قانون ينضبط له بدوره ، كما يحترم توازن القوى و مراتب الشرف القائمة في الدولة ، و يمارس حكمه عن طريق مؤسسات وسيطة متشكلة بالأساس من فئة النبلاء التي يعتبر تحديد شرفها الرفيع من سلطة الملك. والحاكم الفرد من دون طبقة أشراف و من دون مراتبية هرمية يكون في الواقع الفرد الوحيد في الدولة، أما الباقي فهم مجرد رعايا أي أنه بالضرورة فرد مستبد.

و برأي مونتيسكيو ، فإن ما يميز النظام الملكي بدستوره المتوازن حيث تحدد فيه كل قوة في الدولة القوة الأخرى، و حيث يحدد الشرف و المقامات الرفيعة سلطة الفرد هو أن هذا التوازن الموضوعي يقوم بدور الحكمة و الفضيلة حتى لو لم يكن أصحابه المشاركون فيه حكماء أو فضلاء ، أي أنه تجري عملية مأسسة للفضيلة ، بحيث لا تكون مرتبطة بفضائل الأفراد و لا مرتهنة بهم ، و إنما تقوم المؤسسة الإعتبارية بهذا الدور بتحديدها للعشوائية و الإعتباطية المزاجية و المصلحة الفردية .

 تأسيسا على ذلك ، يقترح مونتيسكيو إذن مواجهة استبدادية السلطة بواسطة السلطة ذاتها ، فقد انطلق من قوانين الحركة عينها التي انطلق منها هوبز بمعنى أن كل جسم يتحرك بالسرعة نفسها و بخط مستقيم إذا لم توجد عثرات في طريقه . والغاية الأساسية من مبدأ فصل السلطات هي إيجاد هذه العثرات بحيث تحدد كل قوة أو سلطة حركة السلطات الأخرى.

و بناء عليه ، رفض تركيز السلطة و إنما قال بضرورة توزيعها في مراكز مختلفة بحيث لا تحتكر جهة واحدة السلطة كلها و وظائفها ، و بهذا وحده تكون الحرية ، إذ يقول: “يوجد في كل دولة ثلاثة أنواع للسلطات وهي: السلطة التشريعية ، و سلطة تنفيذ الأمور الخاضعة لحقوق الأمم (السلطة التنفيذية)، وسلطة تنفيذ الأمور الخاضعة للحقوق المدنية (السلطة القضائية)”.

فلا تكون الحرية مطلقا إذا ما اجتمعت السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية في يد شخص واحد أو في هيئة حاكمة واحدة ، ذلك لأنه خشي أن يضع الملك نفسه أو المشرعون أنفسهم قوانين جائرة لتنفيذها تنفيذا جائرا ، و بذلك تنشأ السلطات المختلفة داخل الدولة بشكل تحد الواحدة منها الأخرى و بحيث لا تستطيع أية واحدة منها أن تنفرد أو تقوم بشيء على حدة ، و بذلك فإن الرقابة المتبادلة بين مختلف السلطات هي الضمانة الفعلية للحرية السياسية.

كما أنه و إضافة إلى الميزة الأولى التي ينطوي عليها مبدأ الفصل بين السلطات و توازنها و المتمثلة في حماية الحرية السياسية و درء خطر الإستبداد و الإستفراد بالحكم، فإن الميزة الثانية هي حسن إتقان وظائف الدولة ، ذلك أن  الفصل بين السلط يحقق مبدأ تقسيم العمل والتخصص الذي من شأنه أن يضمن إتقان كل هيئة لوظيفتها و حسن أدائها.

أما الميزة الثالثة فهي ضمان احترام مبدأ سيادة القانون بحيث تخضع السلطات الحاكمة للدستور و القانون و ليس للأفراد، لأنه إذا ما اجتمعت و تركزت السلط التنفيذية و السلطة التشريعية في هيئة واحدة فلا ضمان لاحترام القانون، ولأن هذه الهيئة ستقوم بوضع القوانين و تعديلها بناء على الظروف المزاجية مما يفقد القانون صفة العدالة و التجريد، لذلك فإن الفصل بين السلط و ما يصاحبه من رقابة متبادلة بينها يؤدي إلى ضمان احترام كل سلطة لحدودها الدستورية والقانونية، كما يجعل السلطة القضائية رقيبة على السلطتين التنفيذية و التشريعية و يضمن خضوع قرارات السلطة التنفيذية لرقابة القضاء وإلغائها عند مخالفتها للقانون.

عموما، وعلى الرغم من أن مونتيسكيو كان يتحدث باسم طبقة النبلاء والنخبة الحقوقية في الدولة، يكمن سر أهمية نموذجه النظري في أنه بات جزءا لا يتجزأ من أي تصور معاصر للدولة الحديثة ذات نظام الحكم الديمقراطي، القائمة على ضوابط و ضمانات دستورية تحفظ توازنها و تدرأ خطر الإستبداد و الحكم المركزي لما يرتبه من تعسف على حقوق و حريات المواطنين، إذ رفع مونتيسكيو و غيره من المفكرين الليبراليين اللاحقين شعار الحكومة المقيدة وعيا منهم بحقيقة أن الحكومات تملك قابلية للطغيان، وهو ما جسدته عبارة اللورد أكتون الشهيرة “السلطة تعمد إلى الإفساد، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة”.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.