سياسة فكر مختارات مقالات

ملامح الفكر السياسي عند كارل ماركس

أهم أفكار و نظريات كارل ماركس

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

 يعد كارل ماركس (1818-1883) فيلسوفا ومؤرخا وصحافيا و منظرا ثوريا للفكر الشيوعي، كما عرف بإسهامه الميداني في صفوف الحركة العمالية ، إذ شارك في تأسيس جمعية الشغيلة العالمية أو ما يعرف بالأممية الأولى . و يعتبر ماركس بذلك من أهم نقاد الدولة الرأسمالية الحديثة التي ينظر إليها على أنها مجرد وسيلة لاستغلال الإنسان من قبل الإنسان ، أي العمال و سائر الشغيلة الفقراء من قبل البورجوازيين و رجال الأعمال الأغنياء الذين يملكون وسائل الإنتاج .

إن أول ما يستوقف الإنتباه في نموذج ماركس النظري هو حرصه على إضفاء الصبغة العلمية على نتاجه الفكري ، فاشتراكيته هي اشتراكية علمية بمعنى أنها تهتم بصورة أساسية بالكشف عن طبيعة التطور التاريخي و الإجتماعي و لا تكتفي بتقديم نقد أخلاقي للرأسمالية . فقد انتقد ماركس المفكرين الإشتراكيين الأوائل كالمصلح الإجتماعي الفرنسي سان سيمون باعتبارهم “يوتوبيين” ، و ذلك على أساس أن اشتراكيتهم تتأسس على الرغبة في التغيير الإجتماعي الشامل غير المتصل بحتمية الصراع الطبقي و الثورة .

و من نفس المنطلق ، يرفض ماركس مفهوم الأيديولوجيا الذي يرتبط عنده بالزيف و الوهم و الغموض ، فهي مسؤولة عن رؤية زائفة أو خاطئة للعالم ، و هو ما أشار إليه إنجلز بمصطلح الوعي الزائف . بحيث تضع غطاء على أعين البروليتاريا المستغلة تمنعها من إدراك حقيقة استغلالها ، و ذلك من خلال إخفاء التناقضات التي تتأسس عليها الرأسمالية . و كما يشير ماركس في مؤلفه المبكر الأيديولوجيا الألمانية : “تعد الأفكار السائدة في كل حقبة أفكار الطبقة الحاكمة ، فالطبفة التي تملك وسائل الإنتاج المادي تسيطر في الوقت ذاته على وسائل الإنتاج العقلي” .

 و لعل ما جعل مقترب ماركس مختلفا عن سابقيه من المفكرين الإشتراكيين هو تبنيه لما أطلق عليه إنجلز “الفهم المادي للتاريخ” أو المادية التاريخية ، بحيث تعكس مخطوطة ماركس “مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل” مرحلة مهمة في مسيرة ماركس نحو المادية التاريخية من خلال التصدي بالنقد للمثالية الهيغلية ، فقد استخدم المادية كمنهج في دراسة العمليات التاريخية بغرض كشف العلاقة بين الدولة و المجتمع المدني و تتبع تاريخ اغترابهما ، فقد زود الرجوع إلى التاريخ ماركس بحجج ملموسة ، دفعته إلى الإستنتاج بأن الظروف المادية أو الإقتصادية هي التي تحدد في النهاية القانون و السياسة و الثقافة و غيرها من أبعاد الوجود الإجتماعي ، بمعنى أن المبنى الفوقي أي مجال الصراع السياسي و الحزبي هو مجرد انعكاس للمبنى التحتي أي القاعدة الإقتصادية .

 و من بين ما يلفت النظر في نقد ماركس لفلسفة هيغل هو رفضه قبول الفصل بين الدولة و المجتمع المدني أي البورجوازي و اعتباره هذا الفصل بالذات دليلا قاطعا على اغتراب الإنسان بل و عبوديته أيضا . هذا الفصل هو الدليل على أن عالم الإنسان الحديث منقسم إلى عالمين : عالم السياسة الذي يفترض فيه أن الإنسان يعيش بحرية كمواطن ، و عالم الواقع الإقتصادي الذي يجسده المجتمع البورجوازي الذي يخضع فيه الإنسان لسيطرة علاقات الإستغلال الإقتصادية .

و بالتعمق في أطروحة ماركس يتبين بأن عالم الدولة البورجوازية الحر نظريا بالنسبة إلى المواطنين ليس حرا فعلا في ظل هذا الإنقسام ، و أنه يخضع في الواقع لسيطرة البيروقراطية التي هي عبارة عن طبقة مغلقة أو طغمة ، بخلاف هيغل الذي ادعى أنها طبقة كونية و متعالية بحكم التعريف لأنها تمثل مصالح و إرادة المجتمع ككل و غير خاضعة لاعتبارات مادية جزئية ، فالدولة الرأسمالية بحسب ماركس خاضعة لقوى البورجوازية المتصارعة ، و ليست كيانا سياسيا شاملا للجميع يتأسس نتيجة الجمع بين المتناقضات .

 كما أنه و في كتابات ماركس المبكرة ، استند معظم نقده للرأسمالية الصناعية على مفهوم الإغتراب . ذلك أنها تسبب اغترابا للبشر عما ينتجه عمل أيديهم ، لأنهم يعملون لينتجوا ليس ما يحتاجونه أو ما ينفعهم ، و لكنهم ينتجون السلع التي تدر الأرباح على ملاك رؤوس الأموال . و يشرح ماركس الإستغلال الإقتصادي بالإشارة إلى فكرة فائض القيمة ، فلا يتم إشباع سعي الرأسمالية وراء الربح إلا باستخلاص فائض القيمة من العمال بدفع رواتب أقل من قيمة العمل التي يولدونها .

و مع أن ماركس كان ناقدا لهيغل في معظم أفكاره ، إلا أنه اعتنق فكرة أن الديالكتيك أو المادية الجدلية هو القوة القائدة للتغيير الإجتماعي ، فقد استخدم الديالكتيك الهيجلي في التفسير المادي للتاريخ و الذي يشير إلى أن التقدم هو نتاج الصراع ، و لذا ستنهار الرأسمالية حتما لأنها تحتوي نقيضها أي البروليتاريا التي رأى ماركس أنها “حفار قبر الرأسمالية” . و يميز ماركس هنا بين أربعة مراحل في التاريخ :

1- المجتمع البدائي الذي شكلت فيه الموارد و الضرورات الأساسية للعيش المصدر الرئيسي للصراع .

2- العبودية التي تشمل المجتمعات الكلاسيكية و تتصف بالصراع بين السادة و العبيد .

3- الفيودالية و الصراع بين ملاك الأراضي و الأقنان .

4- الرأسمالية و الصراع بين البورجوازية و البروليتاريا .

 

و هكذا لا يعدو التاريخ الإنساني أن يكون صراعا ممتدا بين المضطهدين و من هم عرضة للإضطهاد ، و يرى ماركس اتباعا لهيغل أن هناك نهاية للتاريخ أي للصراع ، ستقع عندما يتشكل مجتمع يخلو من التناقضات و هو المجتمع الشيوعي الذي ينتفي فيه الصراع الطبقي ، إذ يتمثل هدف ماركس النهائي في زوال الفرق بين المجتمع و الدولة في المجتمع الإنساني/الشيوعي الذي يصبو إليه حيث تتحقق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج و تقوم بذلك المساواة الكاملة بين أفراد المجتمع .

و عموما ، يسجل لماركس عمله على تعرية مكامن الضعف و الإختلال داخل النظام الرأسمالي الناجمة عن إهمال النظرية الكلاسيكية الليبرالية للبعد الإجتماعي في الديمقراطيات الليبرالية التي أرست لها نظريا . لكن نبوءة ماركس بالإنهيار الحتمي للنظام الرأسمالي لم تتحقق على الرغم من الأزمات الدورية التي مر بها ، كما ظهرت محاولات تجديدية داخل النظرية الإشتراكية ذاتها عملت على تجاوز بعض أطروحات ماركس كاتجاه “الديمقراطية الإشتراكية أو الإجتماعية” الذي استوعب و قبل بآليات عمل الديمقراطية الليبرالية و تخلى عن هدف الإطاحة بالرأسمالية ، مكتفيا بالعمل على إصلاحها من الداخل و منحها طابعا إنسانيا بالدعوة إلى إقرار العدالة الإجتماعية بدلا من المساواة الشاملة .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.