سياسة فكر مختارات مقالات

ملامح الفكر السياسي عند جون لوك

ملامح الفكر السياسي عند جون لوك

بقلم : صلاح الدين ياسين – المغرب

يعد جون لوك (1704-1632) من أكثر مفكري عصر التنوير تأثيرا و شهرة ، فهو يلقب بأبو الليبرالية ، و تعتبر نظرية العقد الإجتماعي من أهم أعماله و منجزاته الفكرية. كما ساهم نتاجه الفكري إلى حد كبير في تطور الفكر السياسي الحديث ، فقد أثرت كتاباته على فولتير و العديد من مفكري عصر التنوير الإسكتلنديين و الثوريين الأمريكيين ، بحيث تنعكس مساهماته في النظرية الليبرالية انعكاسا واضحا في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية (4 يوليوز 1976) , إذ يعزو البعض عبارة “الحياة و الحرية و السعي وراء السعادة” الواردة في الإعلان إلى نظرية لوك .

قد استهل جون لوك نظريته حول العقد الإجتماعي بتحليله للحالة الطبيعة ، فبخلاف توماس هوبز الذي صور حالة الطبيعة على أنها شر مطلق و حرب الجميع ضد الجميع ، افترض جون لوك الحالة الطبيعية كفطرة ساد فيها السلام و المساواة و الحرية و العقل و الوئام ، و احتكم فيها الأفراد لقانون طبيعي عادل ارتضوه فيما بينهم بحيث يجسد هذه القيم النبيلة .

و قد حرص جون لوك بذلك على تأصيل الحقوق عبر ربطها بالطبيعة البشرية ، إذ اعتبر أن الإنسان ولد حرا و متساويا في الحقوق ليقر بأن ثمة حقوقا طبيعية في حالة الفطرة لا يمكن مصادرتها من أي سلطة زمنية و على رأسها الحق في الحياة الذي يعني أن لا يتدخل أحد في حياة الآخر و ألا يهددها بسوء ، و الحق في الحرية و يقصد به أن يفعل الإنسان ما يريد وفقا لما يمليه عليه ضميره بشرط عدم التعرض بالأذى للآخرين ، إضافة إلى الحق في الملكية .

و بحسب لوك كانت القوة موزعة بالتساوي بين الأفراد ، لكن ارتأوا تنظيم حالة الطبيعة بالإنتقال إلى مجتمع مدني/سياسي لأنه لم تكن توجد هيئة منظمة تتولى إنفاذ القانون الطبيعي و إضفاء الصبغة الإلزامية عليه ، فقد كانت حالة الطبيعة تفتقد لوجود سلطة عليا تنظم تصرفات الأفراد أو تفصل فيما قد ينشأ بينهم من خلافات و نزاعات أو تفرض قانونا معينا لردع المعتدين المخالفين للقانون الطبيعي ، و لا يجوز هذا الإنتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية إلا برضاء الأفراد باعتباره أساس قيام الحكومة المدنية .

و قد جعل لوك من السلطة طرفا في العقد الإجتماعي بخلاف هوبز ، و من ثم فإن السلطة يصبح لها حقوقا كما عليها أيضا واجبات ، بحيث يخضع الحكام و بقية البشر للقوانين نفسها لأنهم غير معصومين من الإنقياد وراء الأهواء و يظلون عرضة لتطوير مصالح شخصية منفصلة عن ما تمليه المصلحة العامة مما يحيد بهم عن واجباتهم التي تعاقدوا عليها و المتمثلة في حماية الحقوق الطبيعية للأفراد ، لذلك لابد أن يخضع الحاكم و المحكوم لطائلة القانون.

صدورا من هذا المنطلق ، فإن تصور لوك للعقد الإجتماعي يؤسس بين الحكام و المحكومين رابطة وديعة ، بحيث يجعل من السلطة وديعة في يد الحكام يفوضها أفراد المجتمع المدني إليهم بشرط أن يمارسوها لتحقيق الصالح العام ، فهذا العقد الوديعة يعد اتفاقا ملزما للأفراد و للحاكم على السواء ، ذلك أنه كما تنازل أفراد المجتمع عن جزء من حقوقهم و حرياتهم في مقابل ضمان تمتعهم بباقي الحقوق و الحريات ، أصبح ضروريا في المقابل التزام الهيئة الحاكمة بالسهر على تحقيق أهداف العقد ، بحيث يلتزم أفراد المجتمع بطاعة السلطة الحاكمة طالما هي ملتزمة بشروط العقد ، و إلا جاز للأفراد أن يثوروا عليها و أن يحلوا محلها سلطة أخرى أكثر حرصا و استعدادا لاحترام حقوقهم .

نخلص من هذا أن لوك لم يقصد في نظريته أن ينشئ مجتمعا سياسيا قائما على القسر و الإخضاع ، كما رفض شكل الحكم المطلق لأنه يقوض الهدف المنشود من التعاقد من أساسه و هو حماية حرية و ممتلكات الأفراد ، بحيث يكمن إنجاز لوك الأساسي في جعله للمجتمع مصدر شرعية السلطة و هو بذلك قادر على مراقبتها و عزلها ، و من ثم يمكن اعتبار لوك أول من نظر لدمقرطة الدولة في الفكر السياسي الحديث متجاوزا الأفكار التأسيسية لكل من ميكيافيلي و هوبز .

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.