تاريخ قادة وأعلام مختارات مقالات

تأبين المجاهدة الجزائرية لويزة أغيل أحريز  1936 – 2019م

تأبين المجاهدة الجزائرية لويزة أغيل أحريز  (1936/ 2019م)

بقلم: أ. د/ نبيلة بن يوسف – الجزائر

حرّة من حرات الجزائر، تركت بصمة في تاريخ الثورة الجزائرية، وفي تاريخ المرأة الجزائرية والعربية المجاهدة، ولدت بمدينة وجدة يوم 22 أوت 1936م، من أصول أمازيغية تحديدا من مدينة تقزيرت الساحلية (ولاية تيزي وزو)، وانتقلت أسرتها إلى قصبة الجزائر وعمرها لا يتجاوز الخامسة، أخذت عن والدها “سعيد” الشجاعة وحب الوطن، كان يوصي أبناءه على التفوق المدرسي على أن لا يتركوا لأبناء المعمرين المراتب الأولى في المدرسة. الجوّ العائلي المشحون بالروح الوطنية، والانتماء الروحي والفعلي لمنظمات سياسية سرية، ثم الانتماء الى روح الثورة التحريرية الكبرى “جبهة التحرير الوطني”، حيث كان أفراد من عائلتها متابعون من طرف البوليس السري الفرنسي، ولا تمر فترة إلاّ وسجلوا دخلوهم إلى السجن ليذوقوا مرارة التعذيب، من الموقوفين أختها المجاهدة “مليكة” والفوج المجاهد معها. قالت في تصريح لها لجريدة الإتحاد بتاريخ 11 أوت 2006م:

“… وفي نفس سنة اعتقالي 1957 أُعتقلت أختي مليكة وأختي فطيمة وأمي وأبي وجدتي بالجزائر وكذا أخي، واثنان من أخوالي بفرنسا بعد أن اكتشف أمر انضمامهم إلى ”فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا” ونضالهم هناك لحشد الدعم المالي والمعنوي للمهاجرين الجزائريين للثورة التحريرية…”.

كانت بداياتها الأولى في مساعدة والدها بالاتصال ببعض المجاهدين لما تأخذ لهم الرسائل والأدوية والوثائق، وبعد إضراب الثماني أيام الشهير عام 1956م، لما وجهت جبهة التحرير الوطني قائدة الثورة التحريرية المجيدة نداءا لجميع الطلبة للالتحاق بصفوف الثورة لبت “لويزة” النداء دون تردد وقاطعت المدرسة الفرنسية.

      في سن الواحد والعشرين لم يكن حلمها مثل حلم قريناتها من البنات ( الزواج والإنجاب)، بل الحلم الأكبر هو تحرير الجزائر من قبضة وخنقة الفرنسي، تلتحق لويزة الملقبة بلويزات(تسمية فرنسية) في هذا السن المبكر بالثورة التحريرية تنشط كفدائية، ولجمال قدها ووجها السمح كانت بسهولة تمرّ محملة بالأسلحة والوثائق الهامة في وسط الدوريات العسكرية الفرنسية المشددة الحراسة، بل كانت تستطيع أن تمرر معها صديقاتها وأصدقاؤها الفدائيين لثقة العسكر بها وظن البعض بها أنها أوروبية، وما سهل تنقلاتها في قلب العاصمة هو وقوع الضابط  sapati في غرامها، لكن يوم الثامن من جويلية 1957م، أصبحت لويزات من المبحوث عنهن.

بدايات التعذيب الجهنمي:

حان وقت الالتحاق بالجبل فهو ملجئ جميع المبحوث عنهم من طرف العسكر الفرنسي، وتحوّلت بذلك من فدائية إلى مجاهدة عسكرية في جبال الشبلي (ولاية البليدة حاليا)، ولم تسلم هناك أيضا من الإصابة بخمسة رصاصات في جسدها الطاهر يوم 29 سبتمبر 1957م لما وقعت في كمين الفيلق العسكري العاشر، لم تستشهد … لأنّ عمرها كان أطول وقضائها ينتظرها في صالات العذاب، على جناح السرعة رفعت المصابة إلى مستشفى عسكري بالجزائر بقيت فيه لأشهر، أين ذاقت فيه مرارة الألم والمرض من جراء ما أوقعته الرصاصات في جسمها وليومنا هذا لا تزال تشكو إعاقة على مستوى إحدى رجليها، وما أضافته يد المستعمر من ضرب جامد، واغتصاب …، من طرف جنود فرنسا على رأسهم الرائد غرازياني Graziani الذي كان يعذب المستجوبات بطريقته الخاصة (اغتصابهن) وأمر جنوده من بعده باغتصابهن بوحشية عديد المرات.

وبعد المستشفى نٌقلت إلى سجن باردو بأعالي الجزائر وهو سجن تابع للمضليّن الفرنسيين لا رحمة فيه لكل جزائري يدخله، قضت فيه شهرين ونصف تحت وطأة التعذيب الجهنمي، سبّب جروحا وآلاما صحية ونفسية لا تزال تعيشها وهي في بداية عقدها الثامن، استنطاق بشع ليعرفوا منها عن مخابئ الثوار ومعلومات أخرى تساعدهم في القضاء على الثورة من جذورها، ولم تذق طعم الحرية وبقوا يتنقلون بها من سجن إلى آخر، حتى لا تظهر فضائع جرائمهم، إلى غاية 16 فيفري 1962 تمكنت من الهروب من سجن بفرنسا بمساعدة فرنسيين متعاطفين مع الثورة والثوار الجزائريين وعادت إلى أرض الأجداد ولم تظهر إلا بعد تمام الإعلان عن وقف إطلاق النار 19 مارس 1962م.

تزوجت السيدة لويزة من مجاهد وأنجبت منه بنتان، وهي اليوم جدة وكما نقلت معاناتها لبنتيها لا تزال تنقلها لأحفادها، لكن هذه المرة بقوة دون خوف وكما تحكيها لهم تحكيها لجميع الجزائريات مرفوعة الرأس في وقت كانت لا يمكنها التلفظ بما جرى لها أثناء التعذيب حياءا وتسترا على شرفها وشرف العائلة، و وعودها لوالدتها بأن لا تتلفظ بكلمة حافظت عليه سنوات(طابوهات الماضي)  إلى أن أصبحت الضرورة ملّحة.

     لعلّ ما ميزها عن غيرها من مجاهدات الثورة الجزائرية المجيدة، وثورات العرب ضد الاستعمار الغاشم، هو قدرتها على كسر حاجز الصمت ولو بعد سنوات طوال من الكتمان والمعاناة النفسية والصحية.

مذكراتها، مواجهتها مع جلاديها بعد أزيد من 40 عاما

لقد استطاعت أن تخط بيدها مذكرات رحلتها مع العذاب، لتصف بشاعة المحتل، قدارته في عدم احترام الإنسان من خلال ألوان العذاب المروّع التي ذاقته، لاسيما الاغتصاب الذي يعد الأبشع في حق امرأة لأنّ من مسها فقد مس شرف عائلة بأكملها، كتبت في مذكرتها التي ترجمت من اللغة الفرنسية إلى العربية: ” لم استطع لسنوات طوال أن أحكي وأكتب عن ما حدث لي أثناء التعذيب، لأنّ تقاليدنا لا تسمح ولا تقبل…”.

كانت الفرصة سانحة لما فتحت جريدة لومند الفرنسية البحث في ملفات التعذيب إبان الحرب الجزائرية، فكانت تصريحات السيدة المجاهدة لويزة للجريدة بما حدث لها ولمثيلاتها من جرائم بمثابة هزة أرضية لفرنسا حكومة وشعبا، أثارت ردود الفعل القوّية، على رأسها تهديدات المكذبين لتصريحاتها وهم قدامى القادة العسكريين الفرنسيين أيامها، مثل الجنرال بيجار(فارق الحياة 18/06/2010 عن عمر يناهز 94سنة) الذي هدد بإغلاق جريدة لومند الشهيرة، مؤكدا أن النقيب ريشون Richaud الذي تحكي عنه لويزة من وحي خيالها ولا وجود له، لكن الجنرال ماسو MASSU  Jacquesظهر وفضح المستور مؤكدا ومعززا تصريحات لويزة، معترفا أن ريشون كان أكثر رجاله إنسانية، ومؤكدا شهادة أخرى لمرارة التعذيب الذي قاده جنود فرنسا ضد الجزائريين.

لا تزال تذكر “ريشون” الذي أنجدها من يد معذبيها فأول ما عرفت مكانه راحت تقف على قبره في فرنسا وكتبت عليه؛ ” بكل امتناني شكرا لك”.

      وما ميزها أيضا عن بقية المجاهدات الجزائريات ونساء الثورات في العالم خلال القرن الماضي؛ هو قدرتها على التحدي ومقاضاة جلاديها ومغتصبيها بعد أن كشفت جرائمهم الوحشية في تصريحاتها لأكبر جريدة فرنسية ثم في مذكراتها الخالدة تحت عنوان “مقاومتي للتعذيب” Mon combat contre la torture، وكتابها الثاني “فيلا سوزيني”  Villa susine أين رأت مرارة العذاب.

فضحتهم في كتبها فاضحة بذلك فرنسا الرافعة للواء الحرية والأخوة والمساواة، فاضحة أعمال العسكر الفرنسي التي فاقت الحدود، كاشفة للعالم أجمع أن العالم العربي وكل ما أطلق عليه بتسمية العالم الثالث كان تحت جحيم المستعمرين عذاب ليس له مثيل، لم يصور ولم يكتب عنه بالشيء الكامل، ولكنه لا يمحى من الذاكرة الانسانية.

كشفها للارحمة وللإنسانية الاستعمارية الفرنسية، لم يتوقف على ذلك بل راحت لتحاكمهم في المحاكم رغم أن الاستقلال مرّ عليه سنوات طوال، وبعد أن تراجعت صحتها ونال منها المرض والكبر (لا تتحرك إلاّ باستنادها على العصى منذ  1957م سنة التعذيب)، وأعلنت حربها القانونية وحدها، بقيت وحيدة فيها إلى غاية 2005م أين تدخلت الحكومة الجزائرية لمساندتها، وذلك لم يكن طلبها، بل شعرت أن قانون 23 فبراير 2005م الممجد للاستعمار هو من حفزّ الحكومة وحركها، حتى أن رئيس الجمهورية الجزائرية “عبد العزيز بوتفليقة” لم يوقع على معاهد الصداقة مع فرنسا بسبب هذا القانون المزيف للحقائق التاريخية والناكر لجرائم المستعمر الفرنسي الشنعاء التي ارتكبت في القرن العشرين وما قبلها.

وقد عبرت السيدة المجاهدة لويزة إغيل أحريز عن استياءها الشديد لقانون فبراير، ولما علمت بزيارة “فرانسوا هولند” رئيس فرنسا الأسبق قالت في حوارها للصحافة: ” لا أتصور أي بناء بين البلدين إذا لم تتنازل فرنسا عن كبريائها الزائف، وتعترف أخيرا أنها قضت في الجزائر فترة استدمارية، أضرت وما تزال بالجزائريين”.

قالت المجاهدة لويزات أن شهادتها للتاريخ ومحاكمتها لجلاديها ليست انتقاما بقدر ما هي بحثا عن العدالة، وكتبت في مؤلفها الخالد: “أتمنى أن يعلم الفرنسيون أنه في الجزائر بين 1954 و1962م، لم تكن عملية ضبط، ولم تكن الضبط لأجل السلم كما ينوه له الفرنسيون، أكتب لأذكر أنها كانت حربا ضروسا في الجزائر، ولم يكن الاستقلال سهل المنال، حريتنا أخذت بثمن مليون ونصف مليون شهيد، تضحيات جسام، كانت فرنسا مؤسسة التدمير البسيكولوجي للفرد الجزائري، أقولها دون حقد، الذكريات ثقيلة الحمل، أتمنى أن شهادتي تستفز شهادات أخرى من طرفي المتوسط، لتنطق ألسنة الضباط الفرنسيين القدامى، والمجاهدين الجزائريين اللذين عاشوا وعايشوا هذه الحرب”.

ردت بقوة على من شتم الجزائر أثناء المحاكمة، لما شتم “كولار” محامي الجنرال الأسبق شميت، بل طالبت المجاهدة من وزير الدفاع الفرنسي الأسبق “جيرار لونغي” الذي تلفظ بعبارات فضة حول القضية على قناة بولتيك سينا أن تواجهه أمام عدسات الكاميرات ووسائل الإعلام في مناضرة ترد فيها على أكاذيبه.

ولا زالت قضيتها قائمة في المحاكم بداية من المحكمة الفرنسية وكلما خسرت قضية طالبت الاستئناف مطالبة القضاة بالإنصاف، وقالت في تصريحاتها الصحفية سأنقل قضيتي إلى المحكمة الجنائية الدولية.

لم تقتصر في مذكراتها على حكاية رحلة عذابها تحت بطش جلاديها، بل تذهب لتأنيب ضمير الحكومة الفرنسية التي لم تعترف يوما بجرائمها الوحشية على أرض وأهل الجزائر، تكتب: ” فرنسا تعترف بمجازر لكن لا تعترف أبدا بمجازرها في الجزائر، تطلب العفو من الأرمن عن مذبحة لم ترتكبها، وتعمل نفس الشيء بالنسبة للهولوكست، لا تمرّ مناسبة لتظهر تعاطفها مع اليهود، لكنها لا تعترف بجرائمها المتتالية في الجزائر التي تعتبر حقيقة جرائم ضد الإنسانية. لحد الساعة فرنسا لم تقبل إعطاءنا خارطة القنابل المغروسة في أرضنا لاسيما على الحدود الشرقية والغربية، وعليهم أن يعيدوا لنا أرشيفنا الحافظ لحضارتنا”. وصراحتها جعلتها تقع في مواجهة حتى مع بعض المجاهدين الجزائريين اللذين لا يهتمون بمسألة طلب فرنسا العفو من الجزائر، وبذلك يقفون في وجه تمرير قانون تجريم الاستعمار فوقعت في مواجهة مع المجاهد “ياسف سعدي” (سيناتور)، وقالت في لقاء صحفي انه بمجرد أن شكره السفاح الجنرال الأسبق بيجار في إحدى تصريحاته تحوّل كليا” وأضافت؛ “إذا كان ياسف سعدي لا يرد اعتذار من المجرمة فرنسا فأنا أريده، وأطالب بإخراج قانون تجريم الاستعمار إلى النور كما أخرجت فرنسا قانون تمجيد ماضيها الاستعماري”. وإن كان الجنرال بيجار ذاته لم ينكر اعتماد وسيلة التعذيب في الجزائر ضد كل من يقف في وجه فرنسا.

دعتها عديد الندوات التاريخية للإفادة بشهادتها وحكايا التاريخ حتى لا تمحى من الذاكرة الشعبية لاسيما للجيل الذي لم يعايش الثورة الخالدة، وكانت دوما في الموعد رغم أمراضها وكبر سنها لتعتبر ذلك مواصلة للكفاح من أجل وطن شامخ.

أصبحت السيدة لويزة في عهد الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة إحدى عضوات مجلس الأمة (المجلس الأول في البرلمان الجزائري حيث يحق للرئيس أن يختار الثلث وفقا لدستور البلاد). وللتذكير بقيت وفية لأفكارها ونضالاتها … انسحبت من المجلس عام 2018م لعدم رضاها عن العهدة الخامسة للرئيس الذي عينها، بل لم يكن سنها ومرضها معرقلا في مشاركاتها التاريخية في الحراك الشعبي الجزائري المشهور الذي بدأ منذ 22 فبراير 2019م إلى غاية ضرورات الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا 19، ولكنه قد يستمر إلى أن تتحقق العدالة المنشودة، فارقت الحياة عن عمر يناهز 83 عاما (بتاريخ الأربعاء 13 نوفمبر 2019م) قبل أن تشهد تلك المطالب تتحقق على أرض وطن قدم فيه النفس والنفيس حتى ينجلي الظلام وتنقشع شمس الحق.

طي الكتمان لا النسيان، كثيرات هنّ من لقين العذاب تحت أيدي وآلات المستعمر الذي تفنن في ألوان التعذيب، وكانت المرأة المستهدف حتى إن لم تكن مجاهدة مشاركة في حرب التحرير؛ إلاّ أنها كانت زوجة لمجاهد، أو ابنته أم أمه أم أخته…، ولعلم المستعمر الأوروبي بعقلية وتقاليد العربي والمسلم في اعطائه القيمة الكبرى لشرف المرأة الذي يعتبر شرف عائلة بأكمله، لذلك استعملته كورقة ضغط لاستنطاق المجاهد وأخذ المعلومات منه لضرب الثوار والثورة،  لكن هيهات فقد كانت عزيمة حرّات الجزائر فوق كل جبروت و رغم كل المحن.

من أجمل ما أختم به المقال ما كتبته المجاهدة في مذكراتها الخالدة؛

“أنا أكتب اليوم لأذكّر الناس أنه كانت ثمة حرب فظيعة ولم يكن من السهل علينا الوصول إلى نيل استقلالنا.. أتمنى أن يُحفظ من قصتي هذه ويستخلص منها أنه يجب أن يصان الإنسان ذاتا كريمة كما خلقت، إذ لا يمكن لأي بشر أن يحقق غاياته مهما كانت، بالتعذيب وبالإذلال وبالإهانة. بكتابي هذا أكون قد أدّيت واجب قول الحقيقة”. 

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.