فكر مختارات مقالات

الفلسفة وممكنات أخرى

الفلسفة وممكنات أخرى:
التفكير مع ألان باديو وجاك رونسيير

بقلم: ا. محمد العربي العياري – تونس

ليس بجديد أن تفكر الفلسفة من خارج نسقها، وأن تنعطف باليات اشتغال مناهجها نحو علوم أخرى ” بتعبير أدق أن تستعمل مفردات ومفاهيم لا تصنف دلاليا كمنطوق فلسفي صرف. فالفلسفة التي رفعت مع أفلاطون شعار “لا يدخلن علينا من لم يكن رياضيا” ” هى نفسها التي أعادت طرح السؤال وحاكمت نفسها لتضع حدودا لما “يمكن لها أن تعرف” و” ما يجب لها أن تأمل ” و “مايجب عليها أن تعرف” كما نقرأ عند كانط، أصبحت محورا للسؤال الاشكالي فيما تعنيه وتستطيعه داخليا من خلال ادراك افاق اشتغال مفاهيمها وليس بما تقدمه من إجابات ومفاهيم تثري بواسطتها ما هو موضوع للنقاش.

بهذا المعنى أصبحت مهمة الفلسفة كما يفكر جيل دولوز “إبداعا للمفاهيم وطرحا للسؤال ” ومن قبله أصبح العقل الفلسفي في مراوحته بين شرط إبداع السؤال وضرورة الحل الانطولوجي لقضية السؤال نفسه ” محترما لابستيمولوجيا المعرفة بمقولات الحد ألزماني والمكاني بمقياس ديكارت مضافا إليه النسبية بحدود معادلة أينشتاين في الزمان ونعني به زمن الأشكال والبحث والحل ، كما أصبح هذا العقل يؤول أنتروبولوجيا  المعرفة بتداخل مواضيعها مستندا على مفهوم الأوعى بين “هو ” و “أنا” و”أنا أعلى “(فرويد ثم يونغ).

استنادا على ماسبق ، نتفق على أن الفلسفة لم تعد منذ لحظتها اللاواعية تستند إلى بعد واحد لإنتاج ما يمكن أن يكون ابستيمات خالصة معبرة على حالة واعية لقضايا ذات أبعاد مزدوجة تتمظهر كثنائيات يحكمها الجدل الارسطي بمقاييس المنطق ، او قضايا متناقضة تخضع الى الشرط الجدلي الهيغلي لانتاج الحقيقة . فبين المنطق والحقيقة يبرز الاشكال المتمثل في كيفية التفكير فلسفيا بشروط واليات غير فلسفية .بصيغة أخرى: كيف تتأسس المعرفة الفلسفية استنادا على ما هو غير فلسفي من حيث دلالة مقولاته 

ان التبحر في حل تناقض الاشكالية المطروحة يملي ضرورة (وهى ضرورة فلسفية) أن نعيد استحضارها ما فعلته الرياضيات بعلم الفيزياء من قلب تام وكلي لشروط انتاج المفهوم الفيزيائي ذاته ” فأصبحنا نستدل على السرعة بعامل المسافة والزمن ونبحث في الجزئيات بحساب شحنتها وعلامتها ان كانت موجبة أو سالبة.

هذا عن ونلاحظ كيف ينزاح انتاج الكلمة ذاتها نحو مفردات من داخل الحقل الدلالي للرياضيات ” بمعنى يختفي ما كان محورا للبحث وينطق على لسانه معقودا اثراء المعنى وتطويره بالنسبة الى الاول ” ومن هنا تبرز اشكالية الفلسفة كعلم يغنى نفسه بما مفكرا فيه ضمن مجاله المعرفي.

لكن للحقيقة مسالك أخرى وطرائق قد يغيب فيها السؤال المحوري ويتكفل الجزء بترتيب الكل ” وربما هذا ما جعل جاك رونسيير والان باديو يشتغلان على مشروع اعادة بناء ابستيمولوجيا جديدة لفلسفة لا تهمل ما هو خارج حقلها الدلالي ” بل تستثمره لما يمكن أن تكون عليه.

سنحاول التفكير مع الان باديو وجاك رونسيير فيما حاولا اظافته الى البناء المعرفي لفلسفة مغايرة.

يتحدث الان باديو عما أسماه الحقول الفلسفية من خارج الفلسفة أو الحقول المعرفية وهى:

السياسة ، الحب ، الفن والرياضيات

باديو الوفى للذاتية بوصفها لا وفاءا لحدث الحقيقة ، لا يترك للفلسفة سردياتها المكبلة لانتاج الحقيقة ، بل يغني هذا السرد الطويل بما ذكرناه سلفا.

عن السياسة يستعيد باديو ما كتبه سبينوزا والذي استعاده ألتوسير لاغناء النظرية الماركسية أما الرياضيات فهى اللعبة المفظلة لافلاطون يبوئها المرتبة الفضلى في جدل الحقيقة والتي تطابق عنده مرتبة الفهم .

عن الحب كتب باديو “مديح الحب” وفيه عرض لمكنونات وممكنات الجسد الذي يتمظهر كحرية مطلقة، واعية ” قادرة وعليها أن تلعب دورها الوجودي كغاية وسبب ” أما الفن فهو حقيقة ومراة وبعد اخر ذاتي وجمعي و في نفس الان يحيل على ممكنات الوصف وبالفكر والكتابة والتعبير.

هذه الحقول الاربعة بما هى مجالات للتحرر والتفكير وانتاج المعنى مع ما يريد باديو أن يشرعن له كمشروع سياسي ينطلق من نظرية فلسفية عملية ثورية اختار كرديف لها أربع مجالات والتي ذكرناها سلفا ” فلسفة يريد من خلالها تغيير العالم بعد تفسيره.

مفكر اخر هو جال رونسيير ” ينطلق مشروعه المعرفي من رفض مطلق للحداثة بحيث يعتبرها” أغرقت العالم داخل ضرب من الدراما المرضية التي جمعت بين كانط وعقدة أوديب “. بهذا المعنى يدعو رونسيير الى تحرير الفلسفة من الدراما الفقيرة القائمة على فكرة النهاية والعود الابدي .

يحيل رونسيير بفكره كمشروع تجديد

ي من قلب الفلسفة ذاتها نحو مقاربة أكثر عمقا واتكالا على دلالات مغايرة للارث التقليدي فلسفيا فيدعوما الى طمس كل مسافة بين الفكر وبين مايمكن أن يشكل عامل اثراء لسياقات ادراك الحقيقة داخله مثلما هو الحال في مسرح “أرتو” الذي يطمس كل مسافة بين المتفرج والمسرح ، هذا الذي يعرفه رونسيير بأنه “المكان الذي يدعى فيه الجاهلون الى مشاهدة الناس المتألمين”.والجاهل هو من بوسعه أن يعلم جاهلا اخر مالا يعرفه هو بنفسه.وأن الديمقراطية الحقيقية لا تعترف بوجود جاهل لالن الجهل نفسه درجة من المعرفة .

طمس المسافة بين المتفرج والمسرح هو طمس للمسافة بين الفلسفة والواقع ” اقتراب من الواقع دون اختصار للنظرية أو تطويع لمعطيات الانتاج المعرفي من أجل تغيير قسري أو لاعقلاني لهذا الواقع.

مقاربة رونسيير تركز على المشاركة في المحسوس بمعنى امكانات ىالتخيل اللا-متناهية والفن كامكان لتحقيق منجزات غابت عن مفردات الاستنتاج الفلسفي الحداثي وهى امكانات خلق فضاء اخر مغاير للامكنة التي تتحوز عليها المنظومة السياسية القائمة ، وكحرية من نوع غير الذي تنص عليه الاجهزة الحقوقية والقانونية ثم كمشترك يهدم ىالفوارق بين البشر ويفتح عاى امكانات التعدد مقابل الوحدة.

اذا ما أعدنا تبويب قراءة الان باديو وجاك رونسيير ” فان المعنى يصبح كالاتي:

اعادة تنظيم شرط التفكير الفلسفي من خلال الاشتغال على حقول ذات دلالات تناقض منطوق البناء المفهومي للفلسفة ، لكنها تدريب لملكة انتاج المعنى فلسفيا على الانفتاح منهجيا وتعزيز للقدرة على بلورة المفهوم ككتلة من دلالات التعبير والوصف وصولا الى تأسيس هندسة بأبعاد متعددة لمقولات الفلسفة.

الى هذا الحد ينتهي العرض الموجز لرؤية باديو ورونسيير كمفكرين حاولا تعميق البحث المفاهيمي للفلسفة من خلال العودة الى الداخل الفلسفي والتعامل مع مجالات كانت ملتبسة بمدلولات عصية على التفكيك دون معاودة فعل تأويلها لغاية الفهم وادراك المعنى” فأعادا صقلها وموضعتها داخل فضاء أرحب على مستوى النظرية والممارسة .والى هذا الحد يقف السؤال ليس لاستفاء الاجابة وانما لغاية البحث في شرط انتاج الاجابة التي أصبحنا نروم الاستدلال على واقعيتها وموجب وجودها “بروافد وحقول معرفية من خارج حقول الفلسفة كما فعل الان باديو ” ونسعى نحو مشركة فعل التفكير والفهم كما يفعل جاك رونسيير بالفلسفة .

هذه بعض الممكنات التي تسمح للتفكير بتجاوز الاطر الضيقة لممكنات الفلسفة بحثا وطرحا للسؤال ونحتا للمفهوم. من هذا الجهد نبدأ فعل التطوير والتفكير أملا في فلسفة مغايرة مفتوحة على ممكنات أخرى.          

 

                                                                                                                                     

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.