أدب و تراث عروض كتب مختارات

كائن لا تحتمل خفته

عرض رواية كائن لا تحتملُ خفتهُ
للكاتب: ميلان كونديرا

بقلم: دفاف الكتب – الحزائر

كائن لا تحتمل خفته رواية فلسفية عميقة تدور أحداثها في مدينة بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا) بالتحديد خلال فترة الإجتياح الروسي لمدينة براغ سنة 1968، خلال فترة حكم الإصلاحي ألكسندر دوبتشيك ، تعيش شخصيات كونديرا في تناقض و شبه صراع أو توهان عن نفسها و ما تريد في آلحياة ، توماس تيريزا ، سابينا و فرانز ، يدخل كونديرا في روايته في شكل مقدمة يطرح فكرة العود الأبدي لنيتشه ، فلو قدر لكل ثانية من حياتنا أن تتكرر مرات لا حصر لها ، لكنا معلقين على الأبدية مثلما علق يسوع المسيح على صليبه ، هذه الفكرة فضيعة يقول كونديرا ، فكل حركة تحمل ثقلَ مسؤولية لا تطاق ، و هذا ما جعل نيتشه يقول أن فكرة العود الأبدي هي الحمل الأكثر ثقلاً ، لكن هل الثقل حقاً فضيع ؟ و جميلة هي الخفة ؟؟

الطفلُ الذي وضعَ في سلة :

توماس الطبيب الجراح الذي تخلى عن عبئ أسرته زوجته و إبنه ثم والداه ، ليعيش بخفة متحرراً من التزاماته الأسرية متنقلاً بخفة بين صداقات جنسية متعددة فاقت المئتي عشيقة إلى أن يقع في حب تيريزا فتاة من الضواحي هاربة من معسكر مثقلة بالألم و بصراع بين روحها و جسدها ، إلا أن توماس المعتاد على الخفة و الخيانة لا يستاء من ثقل حب تيريزا و غيرتها الشديدة التي تترجم كأحلام و كوابيس يومية يظطر توماس لمجاراتها و إحتوائها بين يديه ، لأن ألم الذات يهون أمام ما نحسه من شفقة إتجاه الآخر إذا هو تألم ، يقول كونديرا ، توماس الذي فهم أنه لم يخلق ليعيش في كنف امرأة واحدة أياً تكن هذه المرأة و الذي يملك سريراً واحداً أتت تيريزا الطفل الذي وضع في سلة انجرفت مع مياه النهر الباردة و جعلته يترنح تحت هذا الثقلْ … هذا الحبْ؟

مرةً واحدة… دفعةً واحدة :

لا توجد وسيلة لنتحقق أي قرار هو الصحيح ، لأنه لا سبيل لأي مقارنة ، كل شيء نعيشه دفعة واحدة ، مرة أولى و بدون تحضير ، مثل ممثل يظهر فجأة على الخشبة دون أي تمرين سابق ولكن ما الذي يمكن أن تساويه الحياة إذا كان التمرين الأول هو الحياة نفسها ؟ هذا ما يجعل الحياة شبيهة دائما بالمخطط الأولي لعمل فني … مرة واحدة لا تحسب ، مرة واحدة هي ابداً أن لا تستطيع العيش إلا حياة واحدة كأنك لم تعش البتة ، تساؤل يلح علينا بإستمرار ماذا لو أتيح لنا إعادة التجربة … إرجاء الاختيار… ماذا لو بعثنا من جديد هل سنعيد حساباتنا ؟!!!

هل الثقل حقا فضيع ؟ و جميلة هي الخفة؟ كلما كان الحمل ثقيلا كانت حياتنا أقرب إلى الأرض و كانت واقعية أكثر و حقيقة أكثر … أوافق كونديرا في ذلك تماما فكلما زادت معرفتنا من خلال التجارب القاسية اذ هي تمثل الثقل كانت أكثر فائدة و أكثر واقعية و حقيقية و بالتالي ربما لا نصتطدم بالاحلام التي تجعلنا نطفو على السطح في أكثر خفة أكثر تفاهة !!!!

معسكر إعتقال :

تصر أم تريزا على أن تبقى ابنتها معها في عالم الفحش حيث الشباب و الجمال لا يساويان شيئا و حيث العالم مجرد معسكر إعتقال كبير للأجساد المتشابهة و حيث الأرواح متوارية ، و هذا ما جعل تيريزا تعيش صراع مع أمها و رغبة في ألا يكون جسداً كباقي الأجساد بل في أن ترى طاقم النفس يتدفق من قلب السفينة ليسقر على صفحة وجهها ، و زاد من تعقيد الأمر أن روحها كانت تختبئ في قعر الأحشاء و حزينة و خائفة خجلة من أن تظهر نفسها لهذا عملت على القراءة والمطالعة حتى تسمو بروحها بعدها هربت من معسكر أمها العاري إلى المدينة عند توماس حتى تحقق ثنائية الروح و الجسد لكن خاب ظنها فقد سبقها معسكر العري إلى هناك ، كونديرا جعلنا نعيش في معسكر اعتقال كبير و شاسع من العادات والتقاليد التي تحكم المجمتع و التي تأبى على أحد أن يخالفها أو أن يتمرد عليها لانه سيلاقي سخرية الجميع ثم سيخيب ظنه.

أحلام تيريزا :

تحلم تيريزا بموكب النساء العاريات حول البركة في مشهد جثث مغتبطة تصرخ و تغني ثم يطلق توماس عليها النار لتتهاوى الجثث على سطح البركة في كابوس مرعب لم تكن تيريزا بحاجة إلى حل رموزها فهي توجه إتهام واضح إلى توماس و إلى خياناته المتكررة و أنها مثل بقية عشيقاته لا يثيره فيها إلا الجسد و هنا فقدت ثنائية الروح و الجسد التي هربت من بيت أمها من أجلها ، فما الذي يجعل توماس يعود إليها في كل مرة رغم تعدد عشيقاته أهو الحب ؟ الشفقة ؟ إن ألمنا بالذات ليس بأثقل من الألم الذي نعانيه مع الآخر و من أجل الآخر و في مكان آخر ،ألم يضاعفه الخيال و ترجعه مئات الأصداء.

سابينا و القبعة:

الحب الذي صار علانياً سيزداد وزنا ليصير حملاً ثقيلاً : يمكن إختصار مأساة حياة (بإستعارة) الثقل ، نقول مثلا أن حملا قد سقط فوق أكتافنا ، فنحمل هذا الحمل ، نتحمله أو لا نتحمله و نتصارع معه و في النهاية إما أن نخسر أو نربح…لهذا فمأساتها ليست مأساة الثقل و إنما مأساة الخفة والحمل الذي سقط فوقها لم يكن حملا بل كان خفة الكائن الذي لا يطاق ،هي عبارة فلسفية غريبة خاصة بكونديرا كيف اذا صار الحبُ علانياً صار ثقيلا ؟!!!، سابينا بعد أن ترك فرانز من أجلها زوجته الشرعية العلانية ليتحلق بحبه لسابينا علانيةً تتركه هي !!! كانت الخيانة عنوانها و مظهرها قبعة الجدْ تظعها في كل خيانة ، تمثل القبعة برأيي العائلة ، الأسرة المجتمع الوطن ، سابينا التي لم تعرف في حياتها غير الخيانة عندما صار حبها علانيةً شعرت بالثقل يطوقها فهربت منه إلى خيانات جديدة..

توماس… و أديب!!!

هل كانوا عارفين ؟ بل هل هم أبرياء لأنهم غير عارفين ؟ إن غبياً جالسا على العرش أهو منزه عن كل مسؤولية فقط لأنه غبي؟ سؤال طرحه توماس عن الوضع الذي آلت إليه براغ و عن ذنب الشيوعيين المحليين و ربط ذلك كله بحكاية “أوديب”حيث تقول الأسطورة إن راعياً من “طيبة” عثر على طفل لقيط ، فأخذه إلى مدينة بعيدة ليربيه ملكُها و عندما كبر “أوديب” قتل رجلاً بعد أن اختلف معه على أحقية المرور على طريق جبلية ثم وصل “طيبة” وهناك امتحنته أبو الهول بلغز فتمكّن “أوديب” من حلّه، فنصبه أهلها ملكاً عليهم وزوّجوه من أرملة ملكهم السابق لكن تفشي الأمراض والفقر في المدينة أقلق “أوديب”، فلجأ إلى كاهن رأى أن الأحوال ستبقى سيئة ما داموا لم يعثروا على قاتل الملك السابق وأخذ “أوديب” على عاتقه العثور عليه، وتتبّع الأحداث إلى أن عثر على ذلك الراعي، وهنا عرف أن الرجل الذي قتله كان ملكاً، وهو والده، وأن المرأة التي تزوّجها هي أمه، فشعر بالذنب وفقأ عينيه بالدبابيس ورحل عن “طيبة” ، كل متواطئ على الوطن بذنب أو ببراءة هو أوديب ، و تتكرر الأسطورة على مر الزمن و لازالت مأساة أوديب تتكرر معها.

متضادات كونديرا :

طرح كونديرا في هذه الرواية العديد من المتضادات الفلسفية و تضارب العلاقات بين البشر، بين الثقل و الخفة ، الحب و الشفقة ، الخيانة و الوفاء ، بين السياسة والوطن ، متنقلاً بين أربع الشخصيات متعارفة و مترابطة بعلاقات جسدية متناقضة و هي محور الرواية ككل متمادياً في ذلك حيث أفرغ مخيلته الجنسية فيها بشكل مقرف صراحة.

كونديرا يجهل شخصياته!!!

– سيكون ساذجا من قبل الكاتب أن يجعل القارئ يعتقد أن شخصياته وجدت فعلا ، لا ، هي لم تخلق من جسد امرأة بل من بضع جمل موحية أو من موقف حرج … ، كذلك كانت شخصيات كونديرا تتصرف أحيانا بما لم يتوقعه حين قال عن تيريزا أنه يجهل تماما ما قصدته بإحدى عباراتها ، فهل هو يسخر من القارئ أنه يجهل شخصياته ؟

– إنعدام الترابط الكلي في السرد ، تحس أن الكاتب لا يريد قص قصة ذات أحداث مسلسلة و مترابطة بل أن يلقي أفكاره الفلسفية و آراءه على دفعات و بشكل متقطع في الوجه القارئ ، فهو يتدخل من خلال بعض صفحات الرواية في حوارٍ مغلق معه و يطرح تساؤلاته بشكل عفوي و في حوار مع القارئ يجيب أيضاً على تساؤلاته و يوجه القارئ للتفكير العميق الخفيف.

ربما لي مساحة هنا لأعبر عن رأيي صراحة ، لأني فيما أعتقد لكل شخص ، إنسان ردة فعل متباينة كذلك القراء لهم ردود فعل أو استجابة متباينة بشأن ما يقرؤون و إلا لكنا مجرد نسخ متطابقة و لزال التنوع الذي يحفظ كل الألوان و يحفظ الاستمرارية ، اذن أقول صراحة لدي بعض الملاحظات عن الرواية في شقها الفلسفي و حتى الأدبي كانت عميقة جداً بأفكارها الغريبة جداً الداعية للتفكير بجدْ مع جانبها السياسي المهم ، إلا آني لازالت أشعر بالتقزز ، نعم بالتقزز صراحة من فحش العبارات و التجسيد الصارح الفاضح للعلاقات الجنسية لأبطال الرواية و حتى لبعض ألفاظ الراوي التي لا داعي لها برأيي ليوصل فكرته.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.