أدب و تراث قصص قصيرة مختارات مقالات نصوص أدبية

أمي والزمن الجميل

قصة قصيرة بعنوان: 

أمي والزمن الجميل

بقلم/ سراي نور فرح – الجزائر
صاحبة لقب ملك القراءة وناشطة أدبية 

غفت سناء من فرط التعب.. قبلتها أمها وغطتها.. لقد تعودت أن تنام وصورة صديقتها حياة لا تفارق حضنها .. لطالما شعرت بأنها بقربها تتنفس نفس هوائها .. أخذت الأم الصورة من أحضان سناء بسلاسة ووضعتها مكانها… إلاّ أن سناء فتحت عيناها مرة ثانية وقالت لأمها:

-تعرفين جيدا أمي أنني لا  أستطيع النوم  والصورة بعيدة عني ؟

ابتسمت الأم وردت باستظراف:

-ما هذا الزمن الجميل الذي اختصرته في الصورة يا سناء  ؟

بادلت سناء أمها ابتسامة بريئة و هي تضم الصورة بقوة:

-تعيد لي زمني الجميل … تعيد لي زمني الجميل ..

يا أمي….

ردت الأم:

-سيعود يا ابنتي .. سيعود على مهل … نامي فغدا  لنا حديث جديد… بخوف ردت سناء:

-المشكلة يا أمي أني كلما غفوت .. أغفو على كابوس رحيل حياة .. ألهذا الحد هو مؤلم؟

بتنهيدة من العمق ردت الأم:

-الألم ليس في الرحيل يا بنيتي الحبيبة.. الألم في الذكريات التي تكررينها فتختزل براءتك وتجعل حزنك لرحيل الغير يطول … وحياة مذ رحلت لم تنسيها يوما وهذا جميل… أخبريني ماذا تخزنين من ذكريات عنها ؟

آه يا أمي .. أتذكر الكثير .. أشياء فعلتها وأخجل من ذكرها .. أتذكر لعبي التي كنت أحطمها إذا رفضت اللعب معي .. أتذكر فستاني الأحمر الذي تحب ارتداءه .. فأرفض إعارتها إياه عِندًا.. أتذكر سباق الجري الذي أفشل في الفوز به دائما .. دائما  كانت تفور.. أتذكر أحلى ضحكة إذا أطلقتها عــمَّ الفرح أجواء المكان وجعلت العصافير تزقزق معها… والفراشات تتراقص طربا… أتذكر كم كانت تغيظني عن غير قصد حتى أشعر بالغضب.. وحين أغضب تضمني إلى صدرها بحب.

ردت الأم:

-جميل… وجميلة هي ذكرياتكما فلما تزورك الكوابيس ؟

سناء:

-طول غيابها.. والتوقف عن مراسلتي بأخبارها.. وعدم زيارتها مكان طفولتنا هو الذي يجعل الجميل مخيفا بأسف!

ردت الأم:

-ابنتي الحبيبة ما زالت صغيرة كَوِني صدقات جديدة…

فالدنيا لا تتوقف عند حياة .. قد تعود .. دعي الزمن يقرر ذلك…

سناء:

كل مرة تريني حزينة تحاولين إقناعي بأمل العودة يا أمي .. لكن حياة لم تعد بعد لتعيد لي  أيامنا الجميلة التي ذهبت معها ولن تعود…

اسمعي أمي ..صعب نسيان شخص عنيت له الكثير .. أتذكر في مرة من المرات أجريت سباقا مع حياة، فازت علي بالطبع، فشطت غضبا، وأجهشت بالبكاء…

فربتت على كتفي بحنان وراحت تتهم الرياح بأنها دفعتها بقوة ولخفة وزنها فازت.. ومع أني أعرف أن كلامها غير صحيح.. إلاّ أنني صدقته لأن فيه بلسم يجعلني أقتنع بما لا يُقنِع!

أحبها أمي .. وكنت أعجز عن التعبير لها ولطالما أحببت احتواءها لي….

ردت الأم :

-سعيدة لأجلك..كانت حقا صديقة وفية لك.. لكن الأيام تستدعي أحيانا أن ننتظر ونصبر لحين عودة أحبائنا… كما أننا بطبيعتنا البشرية لا نتقبل كل شيء بسهولة …

سناء مقاطعة أمها:

-أتظنين حياة تعاني أيضا لفراقي، وأنها تكره المدينة لأنني لست فيها .. أم تراها نستني واندمجت مع الأجواء الجديدة.

ردت الأم:

-ربما .. وربما قد تكون تعاني مثلك.. وقد تكون قد نستك واندمجت مع غيرك… سناء حبيبتي.. إن في الحياة أشياء جميلة تستحق أن تعاش رغم الألم وتوجب عليك مع كل ما تحملينه من ذكريات جميلة لها حُسن الظن فيها والتماس العذر لطول غيابها … احتضنت سناء أمها بقوة وقالت:

-أنت عظيمة يا أمي وأظنه كذلك ما قلت.. أعطتها الصورة وأكملت.. لو أنني حدثتك بما في أعماقي منذ رحيلها.. لما اختلف مفهوم الزمان عندي .. خذي يا أمي الصورة ضعيها في مكانها وتصبحين على خير…

ردت الأم:

-و أخيرا استطاعت ابنتي حبيبتي التخلي عن الصورة .. لا بأس وأكملت وهي تطفئ النور:

– وأنت معك كل الخير حبيبتي.

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.