سياسة مختارات مقالات

حرب يونيو 67 .. مؤامرة خارجية وخطايا داخلية – ج1

سلسلة مقالات حرب يونيو 67 .. مؤامرة خارجية وخطايا داخلية

الجزء الأول – المؤامرة الخارجية

الكاتب السياسي مجدى منصور يكتب عن خفايا نكسة يونيو (حزيران) 67

قبل البداية – مشكلة متعددة الأبعاد!

«جميع هؤلاء (المُبرئ لعبد الناصر والمُدِين له) ينسون أن هناك فارق بين التصور لما جرى والصورة الحقيقية للأحداث،خصوصاً عندما تبتعد الحوادث ويتكاثف ضباب السنين على العقل الحزين». من مقدمتى للموضوع

أجد نفسى اليوم في مشكلة حقيقية وأنا أتحدث عن نكسة (أو هزيمة) يونيو67، ولمشكلتي أبعاداً متعددة منها أننى ناصري الفكر، ونكسة يونيو هي الجانب السيئ لتجربة يوليو 1952 ولقائدها جمال عبد الناصر، ومن ثم فإن الحديث عنها يجمع ما بين الاقدام والاحجام معاً.

فالإقدام يأتي منبعه من أجل اكتشاف ما هو خافي من فصول مؤامرة(بين عدد من القوى الدولية والاقليمية) كانت ولا زالت مستمرة على التجربة الثورية المصرية بقيادة عبد الناصر الذى يُعد اسمه كالوشاح الأحمر أمام ثيران هائجة كثيرة في العالم و في المنطقة بالأمس واليوم وفى الغد المنظور!

والإحجام يعود من أن الحديث عن يونيو 76 (سواء كانت نكسة أو هزيمة) سوف يُلقى بالمسئولية على جمال عبد الناصر لأنه هو القيادة المسئولة في تلك الفترة، وذلك أمر يُغضب قطاع عريض من الناصريين إلى درجة الجنون و يُعصبهم لحد الهوس(ولعل ذلك عائد لشعورهم أكثر من غيرهم بالمؤامرة عليهم والحصار ضدهم) خصوصاً هؤلاء الدراويش الذين يحاولون تنزيه عبد الناصر عن أي خطأ، وإبعاده عن أي تجاوز، هؤلاء الذين يحاولون جعل عبد الناصر وتجربته أسطورة تاريخية فوق النقد وليست تجربة انسانية قابلة للنقاش ولتمييز الصواب والخطأ فيها.

ثاني أبعاد المشكلة أن كل ما قيل وكُتِب عن نكسة يونيو67 يكشف عن فجوة ولا يغطيها، ويثير أسئلة أكثر مما يقدم من أجوبة،ولعل نهرو(رئيس وزراء الهند الأسبق) كان صادقاً عندما وصف تلك الحالة بقوله:«بأن التاريخ يجيبنا على الأسئلة القديمة بطرح أسئلة جديدة». ومن هُنا تنشأ الحاجة ليس للمطالعة والتأمل فقط، وإنما وراءهما إلى تحقيق وتدقيق أيضاً وذلك أمر صعب وعسير لمن يفهم ويعي، وكان أكثر من عبر عن ذلك ابن خلدون في مقدمته عندما قال:

« إن الغلط والوهم نسيب للأخبار وخليل، فالأخبار مظنة الكذب ومطية الهذر، والكذب متطرق للخبر بطبيعته ».

ثم يطرح الأسباب المؤدية إلى ذلك فيقول:

« منها التشيعات للأراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت في حالة الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى تتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأى أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها من الانتقاد فتقع في قبول الكذب ونقله ».

« ومنها الذهول عن المقاصد، فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب ».

ثالث أبعاد المشكلة أن كل فئة لها تصور عما جرى (بصرف النظر عن صحته أو خطأه) فا الناصريون لهم تصور عما جرى (يُبرأ عبد الناصر)، وأعداء عبد الناصر لهم تصور مختلف تماماً (يُحمل عبد الناصر المسئولية كاملة بعيداً عن أي عوامل أخرى)، وهناك فريق ثالث له تصور مختلف عن تصور الفريقين السابقين، وكل هؤلاء الفرق متشبث بصورته الذهنية وهو ليس فقط يرفض تغيرها بل يرفض مناقشتها من الأصل والأساس وذلك مظهر من مظاهر الجمود والتحجر الفكري الذى أصاب مجتمعنا وأمتنا التي كانت تُسمى يوماً ما بأمة اقرأ.

وجميع هؤلاء (المُبرئ لعبد الناصر والمُدِين له) ينسون أن هناك فارق بين التصور لما جرى والصورة الحقيقية للأحداث،خصوصاً عندما تبتعد الحوادث ويتكاثف ضباب السنين على العقل الحزين.

يتبقى لي قبل الدخول إلى ساحة العتبات المقدسة للموضوع عدد من الملاحظات:

* ان تلك السلسلة عن حرب يونيو 67 سوف تتناول المؤامرة الخارجية من خلال الحديث عن الدور الإسرائيلي والأمريكي والعربي كما ستتناول بالمثل الخطايا الداخلية التي ارتكبها صانع القرار المصري في ذلك الوقت.

* من الملاحظ أن الجميع، سواء العاشق المُحب المؤيد لعبد الناصر أو الكاره المعارض الرافض لعبد الناصر قد تحدثوا، إلا الشخص المعنى بذلك و هو جمال عبد الناصر نفسه الذى يريد طرف تبرئته إلى أخر المدى وطرف أخر ادانته حتى أخر العمر، ولهذا فإنني  سوف أدع عبد الناصر نفسه في تلك السلسلة من خلال أوراقه الخاصة المكتوبة بخط يده، أو من خلال أقواله في مجلس الوزراء عقب نكسة يونيو مباشرةً هو الذى يتحدث ويقول ويروى بأسلوبه وبحروفه وبكلماته وبجمله ما الذى حدث؟ وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟ وذلك سيأتي في الجزء الخاص بالخطايا الداخلية.

* إن هدفي من وراء الكتابة في ذلك الموضوع المتفجر ليس (تبرئة) ساحة جمال عبد الناصر، وليست بالطبع (إدانة) جمال عبد الناصر، ولكن هدفي هو الاستفادة مما جرى في الماضي(فى علم إدارة الصراع)، و كذلك فتح حالة نقاش هادئ وعقلاني بعيداً عن مصالح أمراء الطوائف الممول بعضهم اليوم من الرياض تارة و البعض الآخر من طهران تارة أخرى، كما كانوا يتمولون بالأمس القريب من عراق (صدام) ولبيا (القذافي)!

وكذلك بعيداً عن فرسان الساحات الخالية (كما وصفهم الأستاذ هيكل رحمه الله) الذين لا يجيدون اليوم سوى النباح و الردح على منابر السوشيال ميديا، وهم بذلك النباح و الردح يحاولون تقديم انفسهم لأسيادهم من كهنة المعبد، علهم يقبلوهم كنعال في أقدامهم أو خدم في غرف نومهم!!

إن مراجع المعلومات الواردة في المقال سيرد إما في صُلب المقال أو في نهاية المقال.

(1)

«إنني مشفق على إسرائيل فقد ظهر في مصر فرعون جديد ولا أجد في أعماقي قوة موسى الذى قاد شعبه إلى الخلاص». دافيد بن جوريون عن جمال عبد الناصر

كان مؤسس الدولة العبرية “دافيد بن جوريون” هو أول العارفين بأهمية وقيمة مصر الاستراتيجية ولذلك كان يتخوف منها طوال الوقت، وزاد تخوفه عندما قامت ثورة يوليو 1952، و تأكدت مخاوفه عندما رفضت قيادة الثورة الوليدة في مصر عروضه الكثيرة لفتح حالة حوار سرى أو علني معها، ويذكُر ناحوم جولد مان في مذكراته :

أنه بعد قيام ثورة يوليو في مصر بفترة دخل على بن جوريون يوماً، ووجده منهمكاً في قراءة كتاب، وعندما سأله ماذا تقرأ يا ديفيد؟

أجابه: «هذا كتاب فلسفة الثورة” لقائد الثورة الشاب في مصر “جمال عبد الناصر”، ليس عندي شك في اننا سنصطدم معهم».

ديفيد بن غوريون (14 مايو 1948 – 26 يناير 1954م) أول رئيس وزراء لدولة الاحتلال الإسرائيلي. كان متخوفاً من ظهور زعامة عربية ذات كاريزما قادرة على توحيد العالم العربي

وعندما وجد “بن جوريون” الفرصة لإسقاط النظام الثوري الوليد في القاهرة لم يتركها تمُر فذهب وعقد معاهدة (سيفر) مع كُلاً من بريطانيا (ايدن) وفرنسا (موليه) فيما سُمى مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عقب تأميم مصر الناصرية لقناة السويس، وعندما فشل العدوان على مصر، اعتكف نبي إسرائيل الجديد دافيد بن جوريون في مستعمرة سد بوكير في النقب، وذهب اليه تلاميذه ديان وبيريز يطلبون منه العودة، لأن الناس في إسرائيل بدأت تقلقهم غيبته فرد عليهم: «إنني مشفق على إسرائيل فقد ظهر في مصر فرعون جديد ولا أجد في أعماقي قوة موسى الذى قاد شعبه إلى الخلاص».

وتفرغت بعدها إسرائيل لبناء قوتها العسكرية، وتركت مهمة تطويع وتطويق وحصار مصر للإمبراطورية الجديدة (الولايات المتحدة الأمريكية) التي أتت لترث الامبراطوريات الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا).

وقد مشت واشنطن في مراحل متعددة ومختلفة في علاقاتها مع النظام الناصري الثوري في مصر: في البداية وفى عصر الرئيس “آيزنهاور” كانت مرحلة (الغواية). وبعد السويس وفى أعقابها دخلت أمريكا الى الشرق الأوسط بمقتضى مبدأ “آيزنهاور” وكانت تلك مرحلة (الاحتواء).

وفى عهد “كنيدي” كانت سياسة البيت الأبيض مزيجاً من مرحلتي (الغواية) و (الاحتواء)، ويمكن وصفها بمرحلة (الحصار).

الرئيس الأمريكي جون كنيدي

وعندما جاء الرئيس “جونسون” خلفاً لكنيدي كانت مرحلة الحصار في أوجها لأن أسباب الخلاف بين القاهرة وواشنطن زادت وتراكمت وتعددت كل ما هو مسموح به أمريكياً.

(2)

إختلاف التعامل الإسرائيلي مع مصر وسوريا وأسبابه ؟

” في الجنوب مع مصر لم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضرورياً أن نستعمل الهاربون” الجنرال أهارون ياريف مدير الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية

إن المدقق في السياسة الإسرائيلية سيجد حتماً إختلافاً ظاهراً وواضحاً في أسلوب التعامل مع مصر وسوريا فمع أن عداء إسرائيل للبلدين مُحقق ومؤكد إلا أن التعبير الإسرائيلي عن العداء في الحالتين متبايناً.

* والحاصل أنه مع (سوريا) فإن (العداء الإسرائيلي يعتمد أسلوباً يكاد تركيز ضغطه أن يكون على الأعصاب بحيث يستثيرها ويفقدها التوازن) . وإزاء محدودية القدرة على رد الفعل فأن الضغط على الأعصاب (كذلك التقدير الإسرائيلي وفق ما هو ظاهر من الوثائق الأخيرة المفرج عنها أخيراً) يُحول كل التفاعلات إلى إحتقان يرتد أثره إلى الداخل السوري قبل أن ينفجر ناراً على الحدود.

* و أما مع (مصر) فإن (العداء الإسرائيلي يظهر منذ اللحظة الأولى تصميماً على القتل) . فالعداء على الجبهة المصرية دائماً وباستمرار (حرب لسفك الدم دون أي إعتبار أخلاقي أو إنسانى ولكسر الإرادة) وليس لمجرد (استثارة الأعصاب) أو الإعتماد على إحتقان داخلي! .

أسباب التباين في أسلوب التعامل الإسرائيلي مع كُلاً من مصر وسوريا

* عداء إسرائيل لمصر يهدف الى إبعادها وإخراجها من الصراع العربي الإسرائيلي ويعزز ذلك إعتقاد بأن عودة مصر إلى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن.

* وأما في الحالة السورية فإن سوريا موجودة بالجغرافيا والتاريخ داخل البؤرة المباشرة للصراع العربي الإسرائيلي حتى تكاد فلسطين أن تكون جزءاً من سوريا (وإذن فإن سوريا على عكس مصر لا يمكن إخراجها وإذاً كان ذلك فهي باقية مهما حدث .

  • وعلى هذا الأساس فإن أقصى العنف ضروري مع مصر لأن الهدف هو قطع اتصالها بالمشرق العربي وإذاً فهي الجراحة دموية وحتى بدون تطهير للجرح أو تضميد .
  • وأما مع سوريا فأن الجراحة ليست ضرورية والجرح ليس مطلوباً ، وإذا فالترويض أنفع من العنف والتطبيب أنجع من الجراحة إلا في الحالات القُصوى وفى أضيق الحدود.  

ومن سنة 1952 حتى 1970 تركزت قوة السلاح الإسرائيلي أكثر ما تركزت على (مصر) بالذات. بهدف إبعاد (مصر) عن (الشام) والتقدير الإسرائيلي وقتها ولا يزال «أن عودة مصر وعزلها الى ما وراء حدودها في أفريقيا هدف ممكن بالإكراه و ببعض العنف».

وفى سياق الحوادث المؤدية إلى ظروف حرب 67 فإن الجنرال أهارون ياريف مدير المخابرات العسكرية الاسرائلية (أمان) قدم مذكرة إلى اجتماع سياسى على مستوى عالٍ فى أوائل سنة 1966 وفى المذكرة حاول ياريف أن يطرح تقديراته للموقف على ضوء التطورات التى أعقبت مؤتمر القمة العربى الذى عقد فى الرباط فى 12 سبتمبر 1965 ، وفى مقدمة ورقته ذكر ياريف:

«أن اللواء (أمين الحافظ) وهو (الرئيس السورى وقتها) كان أعلى الأصوات المنادية (بحرب) إسرائيل إلى النهاية فى مؤتمر (كازابلانكا) – فى حين أن الرئيس المصرى (جمال عبد الناصر) رد عليه بنبرة (تعقُل) أوضح فيها أن سوريا ينبغى عليها أن تُراعى فى تصرفاتها أقصى درجات الحذر ، لأن العرب فى هذه اللحظة الراهنة عليهم أن يزيدوا من درجة استعدادهم ومن إمكانية التنسيق بينهم ليكونوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم وعن مشروعاتهم داخل حدودهم».

ثم يمضى الجنرال ياريف ليقول فى الخلاصة:

«مع أن دمشق هى نداء الحرب فى هذه اللحظة ، والقاهرة هى صوت الحذر. فإن تقديرات إسرائيل لتصرفاتها لا بد أن تقوم على أساس أن الخطر الرئيسى على إسرائيل من الجنوب(مصر) وليس من الشمال(سوريا)». 

وكان (ياريف) هو من عبر عن اختلاف الرؤية الاسرائلية لإختلاف التعامل الاسرائيلى مع مصر وسوريا بصورة حية ونابضة تُجسم المعنى حينما قال فى إحدى محاضراته بعد اتفاقية السلام المصرى الاسرائيلى: ( إن السلام سوف يداوى كُل جراح الحروب السابقة بيننا وبين العرب .وصحيح أننا لجأنا إلى العنف مع المصريين أكثر من غيرهم ، لكنكم تعرفون أنهم الطرف الأقوى والأخطر ، ولقد كان أسلوبنا في الحرب مع العرب إذا أخذنا بفنون الصيد في البحر وتنوعها هو :

* في الشمال مع (سوريا ولبنان) كُنا نصطاد بالشبكة تحاول الإمساك بالسمكة دون أن تجرحها.

* أما في الجنوب مع مصر فلم يكن مأموناً أن نصطاد (الوحش بالشبكة) ولذلك كان ضرورياً أن نستعمل (الهاربون)Harpoon  (الرمح أو الحربة المُثبت على بندقية والذى يُستعمل للصيد في الأعماق ، وهو يلحق جراحاً غائره وأحياناً قاتلة بالسمك الكبير الذى يصيبه).

(3)

«مصر سوف تجد نفسها مضطرة لشن حرب وقائية إذا تأكد لها أن إسرائيل على وشك أن تدخل مجال انتاج الأسلحة النووية حتى لو بدت الحرب عملاً انتحارياً» مقولة منسوبة لجمال عبد الناصر فى الوثائق الإسرائلية.

إسرائيل مصممة على ضرب مصر الناصرية

كان التصور الإسرائيلي أن عام 1967 لا يجب أن ينتهى إلا واسرائيل قد الحقت هزيمة ساحقة بمصر وأسقطت جمال عبد الناصر عدوها اللدود وكانت أهم أسباب اختيار تلك السنة ما يا لي:

* أن مشروع إسرائيل النووي بدأ تشغيله سراً، وقُدر إنتاجه من البلوتونيوم بما طاقته 25 كيلو جراماً. وفى تقرير تلقاه رئيس وزراء إسرائيل في ديسمبر 1966 من هيئة (رافائيل) المشرفة على برامج التسليح الإسرائيلي ورد بالنص:

(إن مشروعاً معيناً له أولوية خاصة سوف يصبح قادراً على الأداء في ظرف شهور أقصاها نهاية 1967). وعلى الناحية السياسية فقد كان هناك تقريراُ للموساد مفاده أن هذا (التطور) يصعُب أن يظل سراً، ومن المهم والحال كذلك أن تضع الحكومة الإسرائيلية في حسبانها وتتذكر أن “ناصر” سبق له وأبلغ الأمريكيين أن:(مصر سوف تجد نفسها مضطرة لشن حرب وقائية إذا تأكد لها أن إسرائيل على وشك أن تدخل مجال انتاج الأسلحة النووية حتى لو بدت الحرب عملاً انتحارياً).

وللدقة فإن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية (طبقاً للملفات) كانت واثقة من أنها تستطيع رد أي ضربة وقائية توجهها مصر استباقاً للخطر النوى لكن حساب التكاليف جعل (رئاسة الأركان) توصى أن تأخذ إسرائيل في يدها زمام المبادرة وتضرب وتختار هي التوقيت ولا تنتظر غيرها يفرضه عليها، وذلك لتجنب الخسائر الزائدة لهجوم مصري مباغت يمكن رده و إحباطه، لكنه سوف يستوفى ضرائبه قبل حرمانه من تحقيق مطلبه!

وبالتوازي مع ذلك فإن قيادة الأركان الإسرائيلية ومعها المخابرات العسكرية أمان والمدنية الموساد أخذت تُلح على ان ضربة إسرائيل الاستباقية لأى ضربة وقائية مصرية لا بُد وأن تحدث الأن (نهايات 1966 وبدايات 1967) وأثناء وجود الجيش المصري الثالث (كما تسميه الوثائق الإسرائيلية) في اليمن.

يتصل بذلك أن هذه الضربة الاستباقية لمصر قبل احتمال ضربة وقائية منها سوف تكون حرباً مع مصر وحدها على نحو شبه مؤكد، فذلك ما تقول به أوضاع المنطقة وأحوالها. وكان ما تخشاه إسرائيل وتتحسب له وتريد أن تسبقه ( أن ناصر قد يجد لنفسه مخرجاً من حرب اليمن ينهى تورط الجيش المصري هناك ويقلل من العبء المعنوي والنفسي الذى يتحمله هذا الجيش).

وكان هناك بالزيادة على ذلك كله سبب أخير وملخصه أن برنامج التسليح المصري غير التقليدي يكثف جهوده في مجال الصواريخ. وقد بدا للمخابرات الإسرائيلية أن مصر عرفت بأن السبق الإسرائيلي في المجال النووي زادت وتيرته واتسعت المسافة بينه وبين المشروع الإسرائيلي في معظم التقديرات الظاهرة في الملفات الإسرائيلية بما يقدر بخمس أو ست سنوات لصالح اسرائيل، وترتيباً على ذلك فإن مصر (كما رصدت أجهزت الأمن الإسرائيلية) قررت (سد الفجوة بتكثيف انتاج الأسلحة الكيماوية والجرثومية لكى تكون رادعاً ضد الخطر النووي الإسرائيلي).

على أن كفاءة سد الفجوة كانت لا تزال متوقفة على قدرة مشروع الصواريخ المصري على حل مشكلته الأساسية وهى مشكلة دقة جهاز التوجيه.(علماً بأن مشروع الصواريخ الإسرائيلي كان يواجه نفس المشكلة في نفس التوقيت).

ثم كان أن علمت المخابرات الإسرائيلية أنه بعد تخويف عدد من العلماء الألمان، ودفعهم الى السفر أو الهرب من مصر، وعلى رأسهم الدكتور “وولفانج ييلز” أن القاهرة بدأت في بحث معضلة أجهزة التوجيه مع الاتحاد السوفيتي، وبالتحديد مع عناصر في وزارة الدفاع السوفيتية يشجعها المارشال “أندريه جريتشكو” وزير الدفاع، والأميرال “جورشيكوف” قائد الأساطيل السوفيتية، وكلاهما كان شديد الاهتمام والحرص على البحر الأبيض وموازين التواجد حوله.

وكان التخوف الإسرائيلي من أن المارشال والأميرال كليهما أو أحدهما قد يمارس ضغطاً أو يقوم على مسئوليته بمبادرة تؤدى في أي لحظة الى حل معضلة جهاز التوجيه في الصواريخ المصرية، ومن ثم تكتسب استراتيجية الردع المصرية مصداقية في اعتمادها على الأسلحة الكيماوية والجرثومية كموازن ومُعادل ولو مؤقت للقنبلة الذرية الإسرائيلية.

* يزيد على ذلك كله أن المخابرات الإسرائيلية راحت تتابع ما رأته خلافاً بين مدرستين في القيادة السوفيتية الحاكمة وقتها:

* مدرسة يقودها “ليونيد بريجنيف” رئيس الحزب، وهى بتأثير المؤسسة العسكرية التي يقودها المارشال “جريتشكو” ترى أن السياسة السوفيتية في العالم العربي تُبرر تكاليفها وزيادة بما تحققه من مزايا استراتيجية واقتصادية وعسكرية ومعنوية، وهذه المزايا لا تقتصر على الشرق الأوسط وحده، ولكنها منه واصلة إلى أفريقيا وإلى شبه القارة الهندية.

* ومدرسة يقودها “أليكسى كوسيجين” رئيس الوزراء (وهو في الأصل مهندس) ترى أن السياسة السوفيتية في الشرق الأوسط زادت تكاليفها عن كل حساب، خصوصاً أن دولاً كثيرة في (المجموعة الاشتراكية) حتى في أوروبا أخذت تشكو من أن تعامل موسكو مع “الأبعد” أكثر كرماً منه مع “الأقرب”.

وفى دورة اللجنة المركزية في سبتمبر 1966 وقف “كوسيجين” يُطالب بضرورة إعادة تقييم السياسة السوفيتية في العالم العربي على اساس من الأرقام وليس على أساس من الأوصاف المطاطة التي تقبل التفسيرات الواسعة للحزب أو للجيش!

وكانت اسرائيل ترى أن المدرسة التي يمثلها “بريجنيف” سوف يرجح رأيها وأن احتدام النقاش حول (دراسة الجدوى) و (حساب التكاليف) قد يفتح (نافذة فرصة) تُطلق يدها لعمل في الشرق الأوسط، لأن هذه النافذة قد تُغلق في زمن قريب، ومن ثم يكون هناك إجماع داخل القيادة السوفيتية على خط موحد وقد يكون مؤيداً دون تردد للعرب.

(4)

« إن العدو الرئيسي هو (مصر) وتوجيه ضربة (قوية) و(مُهينة) ضد هذا العدو الرئيسي هو هدف “عمليات الردع” التي يتوجب أن تقوم بها اسرائيل ضد الاستفزازات المصرية » التوجيه الاستراتيجى لخطة الحرب الإسرائلية فى يونيو67

الخطة الإسرائيلية تتكشف

من الحقائق التي أكدتها قراءة الوثائق الإسرائيلية المُفرج عنها أخيراً، وكتب عنها الأستاذ “محمد حسنين هيكل” رحمه الله.

أن السياسة من ألفها الى يائها عملية إنسانية، يُفكر فيها بشر، ويُخطط لها بشر، ويُديرها بشر. وعلى هذا الأساس فكل سياسة مهماً كانت دقة تصميمها، ومهماً كانت كفاءة الوسائل التي تُوضع تحت تصرفها، ومهما كان وضوح وجرأة المطلوب منها فإنها تبقى مكشوفة ومُعرضة لكُل ما يعترى الفعل البشرى من قوة وضعف، ومن همة وقصور، ومن حذر وجموح.

ففي ربيع سنة 1967 ما بين مارس إلى مايو كانت الخطة الإسرائيلية لتوجيه ضربة قوية و مُميتة (إن كان ممكن) إلى مصر شبه جاهزة، وكان الطُعم الذى رماه الإسرائيليون ليسبح في بحيرة طبرية (الخطر على سوريا) كي يصطادوا به الحوت الكبير(مصر- جمال عبد الناصر). ورغم أن هناك تفاصيل كثيرة وحقائق عديدة تُظهرها الوثائق الإسرائيلية لهذا الحدث، الا أنى سأقفز فوق الحوادث لأصل الى يوم 15 مايو1967.

فقد عُقد اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي على هيئة مجلس أمن قومي وتقرر ما يا لي:

* أن العدو الرئيسي هو (مصر) وتوجيه ضربة (قوية) و(مُهينة) ضد هذا العدو الرئيسي هو هدف “عمليات الردع” التي يتوجب أن تقوم بها اسرائيل ضد الاستفزازات المصرية!.

* تم بحث وإقرار خطتين بديلتين للعمل العسكري الإسرائيلي ضد مصر:

الخطة الأولى – (واسمها الرمزي “أتزمون”) وهى تقضى بقيام القوات الإسرائيلية باحتلال قطاع غزة، والالتفاف داخل الحدود المصرية والاستيلاء على العريش وقطعها (هي ورفح)، ثم رد و تدمير أي هجمات مضادة تقوم بها القوات المصرية في هذا القطاع.

والخطة الثانية – (واسمها الرمزي “كاردوم”) وهى تقضى بقيام القوات الإسرائيلية بتوسيع هجومها باحتلال شمال سيناء حتى “جبل لبنى”، والتمسك بهذه المناطق (غزة والعريش و شمال سيناء حتى جبل لبنى) حتى يتغير الموقف المصري.

* تقرر تنفيذ الخطة الأولى واعتبارها كافية لتوجيه ضربة قاسية إلى الجيش المصري وإلى هيبة السياسة المصرية، واظهار عجزها عن حماية أرض فلسطينية (قطاع غزة) تحت مسئوليتها وعجزها عن حماية حدودها نفسها (رغم كل دعاواها بالقدرة على حماية الأمة العربية).

* على الجبهة السورية هناك تصريح بعمليات دفاعية عند الضرورة، وتكون محصورة في الحدود اللازمة لا تتوسع فيها.

* على الجبهة الأردنية حذر وترقب دون التورط في أية اشتباكات إلا بإذن خاص من وزير الدفاع (وهو نفسه حتى تلك اللحظة رئيس الوزراء “ليفي أشكول”).

(5)

«يبدو الأن أن النوايا المصرية لا يمكن اعتبارها “مظاهرة سياسية” و إنما “عملية عدوانية» الجنرال أهارون ياريف مدير الاستخبارات العسكرية

التطور الخطير في المشهد؟!

يوم 17 مايو وقع تطور يظهر في الوثائق الإسرائيلية على أنه (حدث بالغ الخطورة) إلى درجة أن بعض التقارير الإسرائيلية تجعل منه نقطة التحول الرئيسية في مجرى حرب يونيو 1967، وضمن هذه التقارير ما كتبه الجنرال “إيزر وايزمان” (مدير العمليات) والجنرال “موردخاي هود” (قائد الطيران) – في حين أن الجنرال “اسحاق رابين” (رئيس هيئة أركان الحرب الإسرائيلية) احتار ولم يكن قادراً على تقدير درجة التهديد المتمثلة في هذا التطور المُثير!.

وكما يقول الأستاذ هيكل في كتابه : أنه من المثير للدهشة أن هذا التطور الذى أحدث هزةً في المؤسسة الإسرائيلية لم تكن له نفس الأهمية في دائرة صنع القرار في مصر والذى حدث:

«أنه بعد الظهر الباكر من يوم 17 مايو 1967 قامت طائرتان مصريتان من طراز(ميج S 21) بالتحليق بسرعة فوق منطقة (النقب) من جنوبها الى شمالها. ومع أن وسائل الدفاع الإسرائيلية تصدت لهما فإن أياً من الطائرتين المصريتين لم تُصب بأذى»!

مؤدى التطور في القاهرة

يقول الأستاذ “هيكل” أنه في لقاء مباشر مع الرئيس “جمال عبد الناصر” صباح يوم 18 مايو في غرفة مكتبة في بيته قال الرئيس له:

«أنه انشغل بشيء جرى عصر الأمس، يظهر أن حكيم (عبد الحكيم عامر) وصدقي (صدقي محمود قائد الطيران) أرادا اختبار قوة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ولذلك أرسلا طائرتي استطلاع لاختراق المجال الجوي الإسرائيلي من (ايلات الى بير سبع الى الخالصة الى سد بوكر)، ثم عادت الطائرتان بسلام.

ولم تتعرض لهما الدفاعات الإسرائيلية بالكفاءة التي كنا نتصورها. كما أن طلقات المدفعية الإسرائيلية المضادة كان بينها وطائراتنا مسافة كبيرة. وقد خرجت المقاتلات الإسرائيلية بعد ذلك للمطاردة، لكنها خرجت متأخرة 14 دقيقة بعد لحظة الاختراق. وأكملت الطائرتان مهمتهما وعادتا، وجاءني قبل قليل مجموعة من الصور».

الاستاذ محمد حسنين هيكل بصحبة الرئيس جمال عبد الناصر

واستطرد جمال عبد الناصر:

«إنني أستغرب مما حدث. ولا أصدق أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية ليس عندها المدى الذى يسمح لها بالوصول إلى الارتفاع الذى كانت عليه الطائرتان. وفى نفس الوقت فإني لا أتصور أن هناك تقصيراً في الدفاعات الإسرائيلية يسمح لطائراتنا أن تخترق (النقب) للاستطلاع وتعود.”حكيم” و “صدقي” كانا سعيدين، ولكنى لم أتحمس كما توقع الاثنان، الحكاية دعتني إلى الشك أو التساؤل عما إذا كان الإسرائيليون يريدون إقناعنا بأنهم ليسوا مستعدين – أو ماذا»؟

وأكمل عبد الناصر:

«اتصلت بعد ساعة ب”صدقى” وأبديت له شكوكي، وبدا لي أنه مازال مأخوذاً وسعيداً بما فعله أولاده (الطيارون) لكنى في الحقيقة أُفضل أن أتحفظ».

ومن المفارقات أنه بعد أيام قليلة – يوم 26 مايو، وربما بقصد اقناع جمال عبد الناصر فإن المشير عبد الحكيم عامر والفريق صدقي محمود رتبا لغارة استطلاع ثانية، عبرت نفس المنطقة واستطلعت وصورت، وصدت قذائف مضادة للطائرات تنفجر في الأجواء تحتها ولكن المدى لا يطولها.

كان ذلك في مصر، وأما في إسرائيل فقد كانت الصورة أشد ما تكون اختلافاً.

مؤدى التطور الخطير في تل أبيب

يظهر في الملفات أولاً :

تقرير من الجنرال “اسرائيل ليور” بأن عمليات الاستطلاع الجوي المصري (أثناء اختراقها لمنطقة النقب الجنوبي) مرت فوق منطقة “ديمونة”، وذلك في تقدير ليور: يكشف أن:

(التسهيلات النووية الإسرائيلية قد وضعت كأولوية أولى في خطط مصرية للحرب، ومجلس الوزراء المصغر سوف يبحث هذا الأمر الخطير، ولدينا مذكرة من رئاسة الأركان وقد طلبنا تقريراً جديداً من المخابرات العسكرية عن حسابها للاحتمالات بعد ما حدث).

وتظهر في الملفات ثانياً:

مذكرة كتبها الجنرال “ييجال آللون” وهو عضو رئيسي في لجنة المن والدفاع في مجلس الوزراء تقول:

(من الواضح الأن أن مفاعل ديمونة على رأس قائمة الأهداف المصرية، وهذا في حد ذاته يفرض على إسرائيل أن تقوم بشن حرب وقائية ضد مصر لأن أي تهديد ل(ديمونة) تهديد للرادع النهائي الضامن لأمن إسرائيل).

ثم يظهر في الملفات ثالثاً:

تقرير مراجعة قامت به هيئة المخابرات العسكرية (أمان) وهو بتوقيع الجنرال “أهارون ياريف” جاء فيه نصاً:

(أنه يبدو الأن أن النوايا المصرية لا يمكن اعتبارها “مظاهرة سياسية” و إنما “عملية عدوانية”)!

الجنرال الإسرائيلي أهارون ياريف (‎20 ديسمبر 1920 – 7 مايو 1994) هو سياسي وعسكري إسرائيلي.

ثم يظهر في الملفات الجنرال (اسحاق رابين) رابعاً:

أنه حين قرا رئيس الوزراء الإسرائيلي “ليفي أشكول” هذا التقرير بالمراجعة لهيئة المخابرات العسكرية الإسرائيلية – التفت إلى ناحيته وقال له:

( إنها الحرب .. أقول لك إنها الحرب سواء أردنا أو ترددنا)!

وعندما صدر في مصر قرار إغلاق خليج (العقبة) مساء 21 -22 مايو كان رئيس وزراء إسرائيل يُرجح أن هذا القرار هو (الذريعة) لضرب مفاعل (ديمونة).

وطبقاً لمحضر اجتماع للجنة الأمن والدفاع في مجلس الوزراء، فأن أول تعليق (لليفي أشكول) على القرار كان قوله:

(أظن أن نواياهم الحقيقية ليست في خليج العقبة، فهم يعرفون أن بواخرنا العابرة من مضايق (تيران) تكاد (لا تظهر هناك)، ولذلك فإن الحصار الذى ضربوه على المضايق غير مفيد في الواقع العملي. والتفسير المُقنع في رأيي هو أن هذه الخطوة(إغلاق الخليج) تصاعُد مقصود يُريد خلق الأعذار لعمل من جانبنا – يردون عليه هُم بضرب (ديمونة)، والغالب أن ذلك هدفهم من التصعيد).

وفى ذلك الاجتماع للجنة الأمن والدفاع طلب الجنرال “رابين” رئيس هيئة أركان الحرب (توجيهاً جديداً من القيادة السياسية بعد هذه التطورات الأخيرة). وكان تقديره أن (هذه التطورات تقتضى عمليات أوسع بكثير وأشد عنفاً من الخطط السابقة التي أُقرت في اجتماع يوم 15 مايو، وأنه لذلك يريد تعليمات أكثر تحديداً).

و أثناء المناقشة أبدى “رابين” أن الضرورات الأن تفرض البدء ودون العودة إلى مجلس الوزراء لطلب ترخيص آخر. والبدء أن تقوم القوات الإسرائيلية وفق الخطة المُعدة بهجوم جوى واسع على كل المطارات المصرية في سيناء وإلى غرب قناة السويس في ضربة استباقية قبل أن تقوم مصر التي استطلعت (ديمونة) مرتين بتوجيه غارة واسعة النطاق إلى (“قُدس الأقداس”Holly of the Hollis) الإسرائيلي.

وبعد مناقشات طالت في لجنة الأمن والدفاع يظهر في التقرير المكتوب عن الاجتماع أن الرأي اتجه إلى تجنُب بحث خطوات عسكرية محددة في الاجتماع الكامل للجنة الأمن والدفاع على اعتبار (أنه ما دام هناك اتفاق على الاطار العام فإن رئيس الوزراء (مفوض من اللجنة) بأن يتدارس مع رئيس الأركان في الخطوة أو الخطوات الواجب اتخاذها، وفى توقيت هذه الخطوات).

(6)

«ليس هناك في الحرب شيء اسمه “تقريباً» دافيد بن جوريون لرئيس الأركان إسحاق رابين

عند لحظة الذروة … تقريباً!

ديفيد بن جوريون و إسحاق رابين

وفى تلك الساعات الخطيرة أحس رئيس الأركان “إسحاق رابين” أنه في حاجة إلى جلسة يستنير فيها بآراء “المُعلم” كما كانوا يسمون “دافيد بن جوريون” مؤسس الدولة. وتوجه “رابين” مساء 24 مايو 1967 إلى مستعمرة (سد بوكر) في وسط (النقب) حيثُ اعتكف (المعلم) معتزلاً لا يُريد المشاركة في سياسات يعتقد أن أعوانه السابقين (خصوصاً “ليفي أشكول” و “جولدا مائير”) قد أفسدوها.

وعرض رابين (طبقاً لشهادة مُسجلة بصوته محفوظة في مكتبة “بن جوريون” في جامعة بير سيع” تطورات الساعات الأخيرة.

وكان “بن جوريون” من أول لحظة بادى الغضب، ولعله أحس أن “الأخرين” في تل أبيب تجاهلوا استشارته، ولم يجئ إليه أحدهم إلا بعد أن قاربت الأزمة ذروتها.

وطبقاً لشهادة “رابين” المُسجلة فإن “بن جوريون” رد عليه قائلاً:

« أنا لا أظن أن الظروف الآن مُهيأة لحرب. وأنا استغربت أنك تسرعت في دعوة قوات الاحتياطي».

وقاطعه “رابين” (طبقاً لشهادته) قائلاً:

« لقد كُنا نُريد أن نجعل درجة استعداد القوات عند الحد المُلائم لتطورات الأزمة».

وهنا علا صوت “بن جوريون” يسأل:

« من الذى صعد الأزمة إلى هذه الدرجة؟ ومن الذى أصدر إليك الأمر بدعوة الاحتياطي؟

الذى أعطى لك الأمر لا يفهم تبعات ما أمر به، وأنتم جميعاً بتصرفاتكم الحمقاء وضعتم الدولة في مأزق، وأمامكم الآن عِدة جيوش عربية تُحيط بإسرائيل».

ورد “رابين”:

« أننا قدرنا الوضع العسكري للجمهورية العربية المتحدة، ونعتقد في صحة تقديراتنا. وأريدك أن تعرف (أن ناصر يستهدف مفاعل ديمونة)، لكن اللغز الذى يواجهنا الآن هو (ما الذى يدعو ناصر ويشجعه على هذا النحو على استهداف مفاعل ديمونة بضربة يبدوا أنها قادمة بعد أن تم استطلاع الموقع؟ – إن المصريين قاموا مرات قبل ذلك بالاستطلاع فوقه سنة 64 وسنة 65، لكن الظروف الان مختلفة بسبب وجود حالة طوارئ، والاستطلاع في هذه الحالة لا يمكن أن يكون مقدمة لشيء؟»

و تساءل “بن جوريون” مُوجهاً كلامه ل”رابين” (طبقاً لروايته):

« هل يمكن أن يكون الروس قد أعطوهم تعهُدات مطمئِنة تشجعهم على المخاطرة؟»

وقال “رابين”: « لا أظن، ولكننا على اتصال بالأمريكيين لأنهم في الغالب يعرفون أكثر عن هذا الأمر».

وتساءل “بن جوريون”: « هل الأمريكان معكم بالكامل في خططكم؟»

ورد “رابين”: « لا أستطيع أن أقول (بالكامل)، ولكنهم معنا (تقريباُ)».

ورد “بن جوريون” منفعلاً إيشيا” (تدليل اسحاق) ..

« ليس هناك في الحرب شيء اسمه “تقريباً”»!

ثم زاد “بن جوريون” كلامه تأكيداً:

« فيما يتعلق بمصير اسرائيل ليس هناك شيء اسمه تقريباً»!

وسكت “رابين” وعاد إلى قيادته تلك الليلة (شبه مريض)، وانتابته (حالة تقلُص في الأمعاء وقيء).

وسارع مدير العمليات “إيزر وايزمان” إلى الاتصال بالجنرال “إسرائيل ليور” مدير المكتب العسكري لرئيس الوزراء لإبلاغه «أن رئيس الأركان أُصيب بانهيار تحت وطأة الظروف، وأنه لا بُد من قيادة عسكرية جديدة تخوض الحرب»!!

ولا زالت الأحداث والمفاجآت والأسرار تتكشف، تُرى ما الذى سوف تكشف عنه الأحداث؟ هذا ما سنعرفه في الجزء القادم.

فى الجزء القادم تقرأون: خفايا الانقلاب العسكرى الأول فى إسرائيل؟!

المراجع:

* ملفات السويس – محمد حسنين هيكل.

* الانفجار 67 – محمد جسنين هيكل

* المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل – محمد حسنين هيكل.

* الوثائق الإسرائيلية – محمد حسنين هيكل.

* اسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية و حرب حزيران يونيو 1967- مجموعة من الباحثين صادر عن مركز الامارات للدراسات.

* هزيمة يونيو حقائق وأسرار من النكسة حتى حرب الاستنزاف – اللواء طه المجدوب.

* تحطيم الآلهة – عبد العظيم رمضان.

* الحرب الثالثة بين العرب وإسرائيل – إدغار أوبلانس.

* أضواء على نكسة 67 – أمين هويدي.

* الأوضاع الداخلية في إسرائيل وأثرها على حرب 67 – رسالة ماجيستير لمحمد إسماعيل محمد.

* ستة أيام من الحرب حزيران 1967 م وصناعة شرق أوسط جديد – ميشيل ب. أورين.

* حـرب الثلاث سنوات 1967-1970 مذكرات الفريق أول محمد فوزي.

* التقصير قصة الحرب العربية الإسرائيلية يرويها أهم صحافين إسرائيل – صادر عن كتاب الساعة.

* أقوال قادة النكسة – صلاح مصطفى – دار الساقي لبنان.

* الأوراق الخاصة للزعيم جمال عبد الناصر – المجلد الخامس- د. هدى جمال عبد الناصر.

* محاضر مجلس الوزراء المصري أعوام 1968،1969،1970

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.