اجتماع مختارات

الاثار النفسية والاجتماعية لجائحة كوفيد-19 على المسنين خلال فترة الحجر الصحي

الاثار النفسية والاجتماعية لجائحة كوفيد-19 على المسنين خلال فترة الحجر الصحي

بقلم: احميداني عبد الفتاح + مصطفى الهيلالي

تقديم

يعيش المغرب وضعا استثنائيا مثله مثل باقي دول العالم. وذلك بعد غلق الحدود وتعليق الدراسة الحضورية … نتيجة لاستفحال جائحة كورونا وما خلفته من تأثيرات على حياة الفرد والجماعة، وما رافقها من احتياطات وقائية وحمائية في محاولة لتجنب الإصابة بوباء كوفيد -19 .

هذه التأثيرات لم تقتصر على جانب دون الآخر، أو فئة عمرية دون الأخرى . غير أن ما يمكن تسجيله هو التداعيات التي مست الأشخاص المسنين بشكل خاص، وذلك لمجموعة من الاعتبارات التي تهم هذه الفئة.

إن تأثير وباء كوفيد-19 على حياة المسنين كان جليا ،مس جميع جوانب حياتهم ،خاصة النفسية والاجتماعية منها ، وبالتزامن مع الإجراءات التي اتخذت لحمايتهم وللحد من انتشار وباء كوفيد-19 وفي مقدمتها الحجر المنزلي، هذا الوضع يتطلب الكثير من الوعي لتحديد الأبعاد التي مستها الجائحة من منطلق أن الفهم السليم يمهد لعملية التدخل وتقديم المساعدة . لذا يأتي هذا العمل في محاولة لتقديم نظرة حول هذه الوضعية مع الحديث بشكل محدد حول الآثار النفسية الاجتماعية، ثم الحديث عن بعض برامج التدخل المقدمة للأشخاص المسنين داخل مراكز الرعاية الاجتماعية.

– 1 – خصوصية المسنين أمام وباء كوفيد-19

من المعلوم ان المسنين أكثر ضعفا أمام وباء كوفيد-19″ إنها رسالة أكدت عليها مجموعة من الجهات خاصة الصحية منها . كما أكدت عليها الإحصاءات المقدمة من طرف المنظمة العالمية للصحة . تعيش هذه الفئة عامة والأشخاص المسنين داخل مراكز الرعاية الاجتماعية وضعا خاصا يتسم بمجموعة من المتغيرات في ظل هذه الوضعية، سواء عامل تقدم السن أو الوضعية الصحية في بعدها الجسدي النفسي والاجتماعي.

-1-1 الخصائص النفسية والاجتماعية للمسنين في زمن الكورونا:

إن الخصائص النفسية والاجتماعية للمسنين تتسم بالتنوع والتفاوت حسب الفروق الفردية، وحسب الوضعية الصحية، إذ يلاحظ ارتفاع الشكاوي خلال فترة الحجر الصحي أكثر من الأيام العادية، وأكثر مما هو معتاد، يتعلق الأمر بمشاكل في العلاقات الاجتماعية والصحية والنفسية، إذ يعتبرون أنهم في وضعية أقرب إلى الموت منها للحياة، كما تظهر أعراض القلق وظهور الأرق وقلة النوم، أو حدوث العكس بارتفاع ساعات النوم لدى البعض منهم، وهناك كذلك من ينقلب لديه وقت النوم من الليل إلى النهار وهو ما يؤدي إلى الى مشاكل أخرى تتعلق بإزعاج الأخرين أو إزعاج الطاقم المشرف على المؤسسة. كل هذه المشاكل قد تؤدي إلى ضعف الأداء على مستوى الذاكرة خصوصا لدى المسنين المتقدمين في السن، والذين لا يمارسون أي نشاط دهني أو بدني.

كما يلاحظ أن بعض الأشخاص المسنين يفقدون شهية الأكل أو العكس، وهو ما يؤدي إلى مضاعفات صحية فيما بعد، وهذا مرتبط بالتقلب المزاجي، لدى البعض، إذ يميلون إلى الانسحاب في بعض الموافق وعدم الرغبة في التواصل الاجتماعي، والميل نحو المبالغة في الحزن والخوف من الموت، وذلك من خلال تعبيراتهم {تنتسنا ساعتي توصل، أمول نوبة…} كما يمكن أن تظهر كذلك الاتكالية والعدوانية وعدم الثقة بالنفس، وكل هذه الخصائص النفسية المعتادة لدى الأشخاص المسنين تزداد بفعل الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي المفروض.

أما فيما يخص الخصائص الاجتماعية خصوصا مع ظهور الحجر الصحي فتتجلى في انسحاب المسنين وانقطاعهم عن الحياة الاجتماعية بصفة عامة، يتضح ذلك من خلال:

– التقليل بشكل كبير من التفاعل الاجتماعي مع الآخرين، الانسحاب من الحياة الاجتماعية خصوصا في حالة الشعور بعدم الاهتمام من طرف المحيطين بهم، كما قد يظهر الفراغ الاجتماعي في ظل الحجر الصحي نتيجة لفراق الأصدقاء أو موت بعضهم. وقد ارتفعت لديهم الحاجة إلى مساعدة الآخرين، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الحالة النفسية والمعنوية لديهم باعتبارهم أصبحوا عالة على الأخرين.

كل هذه المشاكل الاجتماعية تضاعفت بسبب كورونا، وأدت إلى سوء العلاقات الاجتماعية على قلتها، وهو ما يؤدي إلى صعوبة الاندماج مع الأخرين، وتناقص الأدوار الاجتماعية، ونقص المكانة الاجتماعية وهو ما قد يؤدي إلى الفراغ بفعل التباعد الاجتماعي وقلة النشاط. والذي نتج عنه صعوبة التكييف مع زملائهم بالمراكز.

2- انعكاسات جائحة كورونا على الأشخاص المسنين :

كل هذه الإجراءات والتدابير الاحترازية في زمن الكورونا، حوَّل مؤسسات الرعاية الاجتماعية إلى سجون من نوع خاص، مما أدى إلى ظهور مجموعة من الانعكاسات السلبية على مجموعة من المستويات خاصة منها النفسية والاجتماعية والصحية… هذه الانعكاسات أيقظت تلك الانفعالات السلبية سواء بالنسبة للمسنين المقيمين بالمؤسسات أو الذين يعيشون مع العائلة، كما أيقظت لديهم أحيانا الإحساس بالتخلي مع انقطاع الزيارات واللقاء مع الأقرباء والأصدقاء، مع ظهور بعض أشكال العنف سواء الجسدي أو اللفظي بالمؤسسات والأسر الحاضنة للمسنين بفعل الضغط الذي تعرضوا له جراء هذه الجائحة.

2-1- وقت الفراغ والحجر الصحي:

يمثل وقت الفراغ مشكلة كبيرة بالنسبة للمسنين في الوقت العادي، لتزداد حدتها هذه في ظل الحجر الصحي، مع قلة أو انعدام النشاط اليومي للمسن بمؤسسات الرعاية الاجتماعية أو بحضن العائلة، إذ يصبح الشخص من دون مهمة ومن دون هدف في الحياة.

فقبل الحجر الصحي كان الشخص المسن يقوم ببعض الأنشطة والأدوار، كاقتناء بعض مستلزمات العائلة والتسوق، زيارة الأقارب، الذهاب إلى المسجد، الجلوس في المقهى ،اللقاء مع الأقران والأصدقاء، لعب الضامة والكارطة، المشي والرياضة… كل هذه الأنشطة تراجعت بسبب جائحة كورونا حيت لزم المسنون مراكزهم ومنازلهم، وأصبحت جل أوقاتهم فارغة ، وهم غير قادرين على إشباعها. نظرا للعديد من الاعتبارات، ذاتية و موضوعية، بالنسبة للأولى تتعلق بالتغيرات الجسمية والعقلية للشخص المسن وعدم قدرته على التكيف أو تكييف أنشطته مع الحجر الصحي، وبالنسبة للثانية فتتعلق بضعف الأنشطة الموجهة للأشخاص المسنين، سواء بالمراكز أو بالأسر عبر وسائل الإعلام والجمعيات، وكذا الأخصائيين الاجتماعيين والنفسانيين… ناهيك على أن ثقافة المجتمع وتمثلاته تجاه الشخص المسن باعتباره فردا يتصف بانتهاء مدة صلاحياته، وبالتالي دعوته إلى االصمت والانسحاب الإجتماعي مثلا { اجلس واسكت، انت لا تتطيع، كول أوسكت…} . انطلاقا من هذا وغيره كثير فوقت الفراغ بالنسبة للأشخاص المسنين هو الوقت الذي يتواجد فيه المسن منعزلا أو منفردا بعيدا عن الأخرين، متقوقعا داخل نفسه، لا يمارس أية أنشطة ترفيهية أو حركية مفيدة، أو أعمال تطوعية داخل المؤسسة التي يقيم فيها، تسهم في شغل أوقات فراغه بطريقة سليمة، مما يؤدي به إلى الشعور بالملل والرفض واليأس من الحياة.

3- رعاية المسنين في ظل جائحة كورونا

يعتبر مجال رعاية الأشخاص المسنين من أهم مجالات الممارسة المهنية للخدمة الاجتماعية، وذلك راجع بالأساس لأهمية مرحلة الشيخوخة كأحد مراحل عمر الإنسان، ولما لها من خصائص جسمية واجتماعية ونفسية وعقلية، تتطلب استخدام أساليب مهنية مناسبة ومتناغمة مع خصوصية هذه المرحلة من العمر. خصوصا بالنسبة للعاملين بمؤسسات الرعاية الاجتماعية في زمن كورونا، إذ أن الحالة النفسية للأشخاص المسنين تتميز بالتقلب، وذلك راجع بالأساس إلى الأحداث التي عايشوها طيلة حياتهم { أمراض، وفاة، تخلي.، إهمال…} الشيء الذي جعل الحالة النفسية للمسنين وخصوصا المقيمين بمؤسسات الرعاية الاجتماعية يشوبها والاضطراب وتتقاذفها أمواج اليأس والقلق، قلق الموت … ويأس من الحياة. وأمام تزايد حملات التحسيس والتوعية من فيروس كورونا ،والتأكيد على أن المسنين أكثر عرضة للإصابة بحكم أنهم يعانون من الأمراض المزمنة إلى جانب سجن العزلة الذي يعيشونه جراء الحجر الصحي المفروض عليهم. إذ أن الأشخاص المسنين تم منعهم من ممارسة أنشطتهم المعتادة خصوصا الخارجية منها، كما تم فرض التباعد الاجتماعي عليهم الذي حرمهم من اللقاء بأقربائهم وعائلاتهم وحال دون تواصلهم مع جمعيات المجتمع المدني التي تنشط بالمراكز، مع الحيلولة دون خروجهم من المركز أو لقاء بعض الأشخاص لدرجة منعهم من ملاقاة بعض العاملين بالمؤسسة الذين عهدوا اللقاء بهم، بل أكثر من ذلك فقد تم حثهم على الابتعاد عن رفقائهم من المستفيدين بالمركز أحيانا.

برامج التدخل لفائدة المسنين خلال الحجر الصحي:

هناك مجموعة من البرامج والأنشطة الترفيهية التي تساعد المسن على استثمار أوقات فراغه بشكل مفيد وسليم، تجعل وحدته وعزلته أقل حدة على نفسيته المتشظية مع احترام شروط النظافة والوقاية وكذا مسافة التباعد الاجتماعي في ظل جائحة كورونا منها :

– تشجيع المسن على المشاركة في العمل التطوعي داخل المؤسسات ( المطبخ، البستنة، النظافة …) إما بشكل فردي أو جماعي مع الحفاظ على مسافة التباعد الاجتماعي و الالتزام بشروط النظافة والوقاية، وهو ما يمكِّن المسن من خبرات ومهارات جديدة تشعره بأهميته وقيمته ودوره الفعال في المجتمع مع استغلال خبراته الحياتية في خدمة المصلحة العامة .

– إشعار الشخص المسن بالمؤسسة والأسرة بقيمته وكرامته وأهمية وجوده بهما من خلال الرفع من معنوياته من خلال الإشادة بإنجازاته وأدواره كيف ما كانت من طرف الأطر العاملة أو الأسر الحاضنة.

– استعمال أساليب التواصل الحديثة للتواصل عن بعد مع الأقارب والأصدقاء للتخفيف من حدة الحجر الصحي .

– الدعم النفسي والاجتماعي من طرف الأخصائي النفسي الاجتماعي خلال هذه المرحلة ولو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

– إعطاء المسنين وقتا أكثر من طرف العاملين والأسر مع الاستماع إلى مشاكلهم ومشاركتهم همومهم ومحاولة التخفيف منها قدر المستطاع بعرضها على الأخصائيين حتى يسهل التعامل معهم.

– توعية الأشخاص المسنين وتحسيسهم بكون هذه الأزمة مجرد سحابة عابرة وأن الجميع يعاني منها.

– ابتكار أنشطة وورشات تحافط على سلامة المستفيدين داخل الحجر، لتنشيط الذاكرة والنشاط البدني.

خلاصة :

من خلال ما سبق ذكره يظهر ان هذه الورقة هي محاولة لتتبع الاثار النفسية والاجتماعية التي خلفتها الجائحة على حياة المسنين خاصة المقيمين داخل مراكز الرعاية الاجتماعية خاصة الاجراءات الوقائية والحماية والتي كان لها الاثر البالغ اذ لم تسجل اية اصابة داخل هذه المراكز رغم التأثيرات المباشرة التي غيرت من اشكال عيش هذه الفئة .

ان وباء كوفيد -19 وماخلفه من تأثيرات نفسية واجتماعية على حياة المسنين تدفعنا الى ضرورة القول ان الجميع مطالب بالعمل على تكوين نظرة موضوعية ودقيقة وادراك الحاجيات التي تهم هذه الفئة ولن يتم هذا الا من خلال البحث العلمي كوسيلة اساسية للتقييم ثم لاتخاذ الاجراءات الامثل للتدخل على جميع المستويات .

المراجع:

– عدنان التزاني .2020 ديناميات سيكو اجتماعية في زمن كوفيد 19 مجلة بصائر نفسانية . العدد28.

Antonio Abellán García, Juan Vilches Fuentes, Rogelio Pujol Rodríguez. Un perfil de las personas mayores en España , Indicadores estadísticos básicos, Consejo Superior de Investigaciones Científicas (CSIC). Centro de Ciencias Humanas y Sociales (CCHS). 2014.

A Country Report (Malaysia). Social Welfare Policies and Services for the Elderly, The 5th ASEAN & Japan High Level Officials Meeting on Caring Societies, 27 – 30 August 2007, Tokyo.

Assemblée Nationale, n°1214, Rapport d’Information sur les Immigrés Agés, France, Juillet 2013.

Yaacoubd, Abdel-Ilah. Personnes âgées et processus de vieillissement de la population âgée au Maroc, Fonds des Nations Unies pour la Population, présentation réalisée dans le cadre des auditions du CESE, 2014

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.