آدم و حواء مختارات مقالات

للأسف أنثى!!

للأسف أنثى!!

بقلم: ا. عبد الله لحلوح

منذُ عصورٍ ضاربةٍ في القِدَمِ، والمرأةُ تواجهُ الآخرَ بكلِّ ما أوتيَتْ مِنْ ضَعْفٍ وراثيٍّ مَهين، وكأنَّ قُوَّتَها التي وَهَبَها لها خالقُها وهي في صلْبِ مَنْ أَكْسَبَها هذا الضعف، قد ذُوِّبَتْ أوْ اكتسبت مهارة التذويبِ في مجتمعاتٍ لم ترَ فيها إلا آلةً لتصنيعِ الأولاد، أو أداةً للهوِ الجنسيِّ، فالخصوبةُ في تُربَتِها تتَحَدَّدُ جودتُها بِقَدرِ ما يُمَكِّنُها جسدُها ( الضعيف) وعقلها( الخفيف) من السماح لِـ(الرَّجُلِ/ الذَّكَرِ) بالتَّلَهّي بها والاستمتاعِ بضعفِها، ثمَّ بما ستؤولُ إليهِ تلك الملهاةُ من إنتاجٍ ذكوريٍّ، وإلا فالمرأةُ لا تستحقُّ الاحترام ولا العطف ولا الحُبّ، فهي تُنجبُ الإناث، والمرأةُ المِئناثُ لا مقام لها عندنا.

ولعلَّ السؤالَ الخفيَّ الظاهرَ الذي يدورُ في الأذهان، ويكبرُ وينمو بنموِّ جهلِنا وانعدامِ وعيِنا: لماذا ننظرُ للمرأةِ هكذا؟ وينشطرُ من هذا السؤال سؤالٌ برسمِ الإجابة: أليستِ المرأةُ إنسانًا كالذَّكَرِ تمامًا؟

والإجابةُ بالطبعِ على مثل هذه الأسئلةِ المُعلَّبةِ والمستهلكة والمكرورة، التي تظهرُ في ميادينِ التَّذاكي والتَّباهي، أو في حلقات الصراعات الجندرية، وما تفرضه القرصنةُ الفكريةُ في بعض الأحيان، لا بدَّ أن تكونَ دقيقةً ومبنيَّةً على ميراثٍ عربيٍّ إنسانيٍّ، نُؤَسْطِرُهُ ونُقَوْلِبُهُ تبعًا للدراساتِ الإنسانيةِ التي اعتمدت على مصادرَ عذراءَ لم يمسَّها أحدٌ في العالمين؛ فالمرأةُ نذيرُ شُؤمٍ وهلاكٍ، وهي أقلُّ قيمةً من الذكر، ولا احتفاءَ بها، بل ” إذا بُشِّرَ أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهُهُ مُسودًّا وهو كظيم” ثمَّ يُصَرِّحُ ويلمِّحُ: (للأسف أنثى)، إلى أن يتوارى بعد ذلك عن القومِ؛ ليدسّها في التراب، دون أنْ يسألَ نفسَه بأيِّ ذنبٍ قَتَلَ هذه الروح. وإذا ما مَنَّ عليها بالحياة، فإنَّهُ لا بُدَّ أن يكون قد وثق بعضلاته وربما بجيبه، فهو رجلٌ ( قبضاي) يستطيعُ حمايتها من الشَّرِهين المتربِّصين بها.

وإذا نضجت تلك الفتاةُ واستوت بضاعتُها، فإنّها ستواجهُ الموتَ مرارًا في قبيلةٍ لا تقيم الاحتفالاتِ إلا إذا ولدت لهم فرس، أو نبغ فيها شاعرٌ، أو جادت عليهم السماءُ بِذَكَرٍ يُذَكِّرُ الناسينَ بفحولةِ قومه، وجودةِ نُطَفِهم التي تستقرُّ في الأرحام، فتطرد كلَّ ملامحِ التأنيث، وهنا يتوجَّبُ على تلك الأنثى التي مِنْ حُسنِ حظها أو سوء طالعها، أن تداري نضوجها وحيدةً، وأن تراقبَ جنون جسدها، وأن تخفي السَّيلَ العَرِمَ الذي سيزورها كل شهر، وأن تردَّ عن صدرِها نظراتِ أُمِّها، أو جاراتِها، أو الطالعات النازلات، الضاحكات الباكيات من الخطّاباتِ أو المشتغلاتِ بالسمسرة، أو اللواتي لا شغل لهنَّ سوى هذه المهنة، وعلى تلك الفتاةِ أن تظلَّ مستعدةً لأيَّةِ اقتحاماتٍ مفاجئة، فأولئك النِّسوة يعرفن من أينَ تُؤكلُ الكَتِف، وكيفَ تكون الغزواتُ حتى يريْنَ الضحيةَ في كلِّ أوضاعِها؛ فَوَجْهُ الصباحِ ليس كوجْهِ الليل، ولسانُ حالهنَّ يقولُ صباحًا: من سرى باع واشترى.

أما مساءً، فالليلُ أبو ساتِر. والسِّترُ عنصرٌ مفقود، والمفارقاتُ تفردُ أجنحتَها على عقولٍ عربيِّةٍ حتى النخاع، فهي عقولٌ تؤمنُ بالحمِيّةِ والعصبية والقبلية، والشرف والدين والعُرفِ والعادات والتقاليد، وما أنزلَ الله على أنبيائه، إذ إنَّ هذا الإيمانَ يظلُّ وازعًا قويًّا إلى أن يأتي ميقاتُ توزيع الميراث، فتصبحُ الأنثى جسمًا خارجًا من الحسابات الإيمانية، فأنا أجني وأبني لابني، و(ابني) هنا مُفردَةٌ لا تتجاوز معنى الذكورة، فالذكورُ زينة الحياةِ الدنيا، حيث المالُ والبنون هكذا، وعليهِ قِسْ في استشهاداتِنا وتطاولاتِنا على الدين والدنيا معًا إذا اجتمعا أو تفرَّقا.

إنَّ حساسيَّتنا من موضوع قانون حمايةِ الأسرة، وما يترتَّب عليه من كل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، لا تنبعُ عند معظم الرافضين من منطلقٍ دينيٍّ بحت، مع أنَّ الدينَ أوجدَ قبل كل هذه القوانين الأرضيةِ قانونًا ربّانيًّا يحمي الأسرة والمجتمع والذكر والأنثى، ويرفض الجريمة، بل يقضي عليها، ولكنَّ تخوُّفَ المتخوِّفين، ورفض الرافضين، وهنا لا أعني إطلاقًا العلماء الأجلاء الذين يفقهون معنى الرفض والقَبول، وإنما عامة الناس الذين لا يعرفون تفاصيل التفاصيل، ولا هم يُنفِّذون ما أمَرَهم به القانون الإلهيُّ الذي يوَفِّرُ عليهم خوفهم ورفضهم.

فالمرأةُ لها حقوقٌ ثابتةٌ في الأديان السماوية، ولها نورُها البهيُّ الذي يملأ الدنيا حياةً وخيرًا، ولو كان المجتمعُ يدركُ حقيقةَ المرأة وحقَّها، لما كانَ علينا أن نسمع بسيداو ولا بغيرها، التي لا حاجةَ لنا بها، وليست المرأةُ مضطرةً لأن تكون قصيدةً مجهولةَ القائل؛ لأنَّها أمُّ القصائد، ومصدر المصادر الذي يجبُ أن ننهلَ منه ماءَ الحياة.

 

Facebook Comments

Share and Enjoy !

0Shares
0 0
روافد بوست
كاتب وباحث سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.